English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

دول وممالك 

ثورات وحركات | دول وممالك | شخصيات | كتب ومطبوعات | مؤسسات | مذاهب ونحل | معارك وغزوات | معاهدات ومؤتمرات | فنون وعمارة


بغداد بين سقوطين
أضواء كاشفة

بدلا من أن ينصرف علاء الدين الخوارزمي إلى تقوية دولته للوقوف أمام قوة المغول المتصاعدة تفرغ للنزاع مع الخليفة العباسي الناصر لدين الله، وطمع في أن تكون له الهيمنة على بغداد والخلافة العباسية، فحرك جيوشه الجرارة تجاه بغداد لقتال إخوانه المسلمين، لكن الأمطار الغزيرة والعواصف الشديدة تصدت له، واضطر السلطات إلى العودة إلى بلاده يجرّ أذيال الخيبة والفشل بعد أن مات عدد كبير من جنده وهلكت أعداد ضخمة من خيوله وعتاده.

مبررات الغزو بين الخوارزمي وصدام

صدام حسين 

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد قدم جماعة من التجار من رعايا جنكيز خان إلى مدينة "أترار" التابعة للدولة الخوارزمية، فارتاب فيهم حاكم المدينة دون تثبّت وبعث إلى السلطان الخوارزمي يخبره بالأمر وبشكوكه فيهم، فبعث علاء الدين يأمر بالقبض عليهم وقتلهم باعتبارهم جواسيس من قبل جنكيز خان.

وكان من الطبيعي أن تسوء العلاقة بين الدولتين بعد التصرف الأحمق الذي أقدم عليه السلطان، دون أن يدرك أن كل قطرة من دماء هؤلاء التجار كلفت المسلمين سيلا من الدماء لم ينقطع لفترة طويلة.

لما وصلت أخبار تلك المذبحة إلى مسامع جنكيز خان استشاط غضبا، وبعث بسفارة إلى السلطان يطلب منه تسليم حاكم "أترار" ليحاكمه ما دام قد تصرف من تلقاء نفسه دون أن يرجع إليه، لكن السلطان العجول رفض احتجاج جنكيز خان ولم يسلك سبيل اللين والملاطفة وتهدئة الأجواء الغاضبة، وأخذته العزة بالإثم فأقدم على فعله أشد حماقة من فعلته السابقة، فقتل الوفد الذي يحمل الرسالة، وكان رئيسه مسلما، فاستباح حرمتين حرمة الرسل ودم مسلم لم يرتكب ذنبا، وقطع كل خيط لإحلال السلام محل الحرب.

وكان قتل الرسل يعني إعلان الحرب بين الدولتين، وقطع كل أمل لحسن الجوار وإحلال السلام، فأخذ كل فريق يستعد للآخر.

وما فعله علاء الدين الخوارزمي من سياسة حمقاء كرره صدام حسين في العراق، فأقدم على عملين كل منهما أسوأ من الآخر؛ فبدلا من العمل على تنمية بلاده وبناء نهضتها تطلع إلى السيطرة على جيرانه وراودته رغبة التوسع والاستحواذ، فأنفق ثروة بلاده على بناء جيش حديث لا ليحارب أعداء أمته ويرهبهم، بل ليحارب جيرانه المسلمين دون رادع من خلق أو ضمير، واستجابة  لشهوات نفس ظامئة إلى الغلبة والنفوذ.

بدأ صدام بالعدوان على إيران جارته المسلمة، وكانت قد تخلصت من حكم استبدادي جثم على صدرها عقودا طويلا، ودخل معها حربا طويلة دامت سنوات عديدة دون أن يحقق ما كان يتمناه من نصر وغلبة. وظلت الحرب دائرة رحاها دون أن يتمكن أحد الطرفين من فرض كلمته. وحرص أعداء الأمة على إمداد الطرفين معا بما يشعل هذه الحرب ويحافظ على أوارها، وبما لا يمكن أحدهما من تحقيق النصر.

وبعد فشل صدام في حربه مع إيران توقف قليلا ليلتقط أنفاسه ويأخذ قسطا من الراحة، ثم عاودته رغباته الشريرة، فأقدم على غزو الكويت سنة 1990م واحتلالها، وصورت له أوهامه أنه أعاد إلى وطنه جزءًا غاب عنه قرونا طويلة، وحين سعى العقلاء إلى نصحه ومكاشفته بخطورة ما أقدم عليه لم يصغ إليهم ولم يعر كلامهم انتباها، وكلما تكررت محاولات رأب الصدع وتبصيره بعواقب الأمور ازداد تمسكا برأيه، مغترا بقوته ونفاق المقربين إليه من قادته ووزرائه.

إن الخوارزمي وصدام يتفقان في أن مقدمات غزو بلديهما كانت بسبب حماقتين منهما فتحتا بابا للحرب لم يُغلق، وعرضتا الأمة لشر مستطير لم تكن مستعدة للقائه والوقوف في وجهه.

الغزو والانهيار

نعود إلى أحداث الغزو المغولي القديم حيث نجد أن "جنكيز خان" قد أكمل استعداداته وانطلق بجيشه إلى بلاد ما وراء النهر في خريف سنة (616هـ = 1219م) وهو يعتقد أنه سيقابل خصما قويا يحسب له ألف حساب. وبدلا من أن يخرج الجيش الخوارزمي لملاقاة المغول استقر رأي قادته على ترك المغول يعبرون نهر سيحون (سراداريا حاليا، ويمر داخل الجمهوريات الإسلامية بآسيا الوسطى)، واصطيادهم بعد ذلك في بلاد ما وراء النهر التي لا يعرفون مسالكها، بحيث تنقطع الإمدادات عنهم.

ولما وصل جنكيز خان إلى هناك قسم جيشه إلى أربعة أقسام، تمكنت كلها من السيطرة على المدن الكبرى مثل أترار وبخارى وسمرقند، ولم تجد ما كان ينتظره ويتوقعه من مقاومة ودفاع، وأقدمت جيوش جنكيز خان على ارتكاب ما تقشعر لهوله الأبدان من القتل والحرق والتنكيل؛ فقد أحرق جنكيز خان مدينة بخارى عن آخرها، واستباح جيشه حرمة مسجدها الجامع الكبير، وقتل الآلاف من سكانها الأبرياء، وواصل الزحف بجيوشه متعقبا السلطان علاء الدين الخوارزمي الذي زلزل الخوف قلبه، وفقد القدرة على المقاومة والصمود فظل ينتقل من بلد إلى آخر حتى لجأ إلى إحدى الجزر الصغيرة في بحر قزوين، حيث اشتد به المرض وتوفي سنة (617هـ = 1220م).

جلال الدين وريث الهزيمة

حمل جلال الدين لواء مقاومة المغول بعد أبيه، وكان أثبت جنانا، وأقوى قلبا، فنجح في المقاومة وجمع الأتباع وحشد الأنصار، وألحق هزيمة بالمغول في معركة "بروان" سنة (618هـ = 1221م)، فلما سمع الناس بهذا النصر فرحوا فرحا شديدا بعد أن استبد بهم اليأس، وثارت بعض المدن على حاميتها من المغول.

وكان يمكن لهذا النصر أن تتبعه انتصارات أخرى لو خلصت النية وصدقت العزائم، لكن سرعان ما نشب الخلاف بين قادة جيوش جلال الدين، وانسحب أحدهما بمن معه من الجنود، غير مدرك عظم المسئولية فانهار حلم الدفاع وتهاوى جلال الدين أمام جحافل المغول، وتوالت الهزائم بعدما خارت العزائم، واضطر جلال الدين إلى الانسحاب والفرار إلى الهند، وهناك حاول بناء قواته من جديد، ونجح في جمع قوة كبيرة من الجند الفارين من وجه المغول عاد بهم إلى بلاده ونجح في استرداد سلطانه في أقاليم دولته سنة (622هـ  = 1225م) وبعد أن استقر جلال الدين عمل جاهدا على إعادة الأمن وإصلاح ما خربه المغول وتجهيز جيش للوقوف على أهبة الاستعداد، وامتد سلطانه على أقاليم خوارزم وغزنة وكرمان وفارس وخراسان ومازندران.

على أن حسن الأوضاع نسبيا لجلال الدين لم يكن كافيا للصمود أمام المغول؛ فالدولة كانت منهكة من أثر التخريب والدمار الذي ألحقه المغول بالبلاد، والأحوال فيها مضطربة، والصلات والروابط التي تعين على مواجهة المحن قد تقطعت بين شعوب تلك المنطقة، وغلب على الناس إيثار السلامة بعد الأهوال التي شاهدوها، ولكل هذا لم ينجح جلال الدين في مواجهة المغول الذين عادوا لغزو بلاده من جديد، على يد "أوكتاي" خاقان المغول الجديد، فاستولى على الأقاليم الغربية من الدولة الخوارزمية، وفر جلال الدين أمام المغول وهم في إثره يطاردونه، وحاول أن يستنجد بالخليفة العباسي وأمراء ديار بكر لكنهم تقاعسوا عن نصرته، وتركوه يلقى نهايته وحيدا دون معاون أو نصير، فلما وصل إلى آمد في أعالي نهر دجلة لحق به المغول وهزموه شر هزيمة وقتلوا كثيرا من جنده واستولوا على ما بيده من سلاح، ولجأ السلطان إلى جبال كردستان حيث لقي حتفه على يد أحد الأكراد في (15 من شوال 628هـ = 9 من أكتوبر 705م).

وبمقتل علاء الدين سقطت الدولة الخوارزمية على يد المغول الذين سيطروا على أراضيها.. وانتهت المرحلة الأولى من الغزو المغولي للعالم الإسلامي.

"بوش" والغزو المغولي الجديد

بوش الابن

أما في عصرنا فقد استسلم الرئيس صدام لأوهام السيادة والسيطرة، وفشلت كل محاولات إثنائه عما هو فيه من غي، وعجزت دول الجوار عن أن تفرض الحق بالقوة، وأن ترد الغاشم عن ظلمه، وأوقفتهم الحيرة والتردد عن تدبير الأمور.

ولجأت الكويت إلى القوة الغربية تستنجد بها وتطلب مساندتها، وتزعمت الولايات المتحدة الأمريكية حملة "تحرير الكويت" من العراق المعتدي، ونجحت في أن تضم إلى حملتها العسكرية عشرات من الدول الأوروبية والعربية، وأصبح على حاكم العراق أن يواجه هذا الحشد الدولي الهائل المسلح بأفتك آلات الدمار، تقوده دولة لا تخفي أطماعها في التهام منطقة الخليج العربية الغنية بالبترول، وكان صدام قد ظن أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتركه يلتهم جارته بمفرده بعد أن ساعدته في حربة ضد إيران، فانخدع بأمانيه وأقدم على ما فعل.

ولم يكن العراق صاحب حق يدافع عنه وإنما كان معتديا غاشما، ولذا لم يصمد في حرب غير متكافئة، ولم يقدر على المواجهة، فاضطر صدام حسين إلى الانسحاب من الكويت بطريقة مهينة، وعاد إلى حدوده الجغرافية بعد أن ضعفت قوته وأُنهكت جيوشه.

كانت هزيمة العراق ضررا خفيفا له لو اكتفى الأعداء بما حققوه من نصر أعاد الكويت لأهلها، لكنهم كانوا أشد مكرا ودهاء، فلو اكتفوا بذلك فلربما أعاد العراق بناء جيشه واسترد عافيته من جديد، وهم لا يريدون ذلك، بل يهدفون إلى قيام دولة هزيلة مفرغة من الداخل لا يخشى منها وتأمن إسرائيل بأسها، وكان السبيل الوحيد إلى ذلك فرض حصار تجاري على العراق، وإجباره على تدمير أسلحته بدعوى أنه خطر على جيرانه، وإرسال مفتشين للأسلحة للتأكد من قيام العراق بذلك، ثم إعاقة الرئيس صدام عن فرض سلطاته على العراق كاملا.

ولم تستمر هذه السياسة الظالمة عاما أو عامين بل تجاوزت عشر سنين عانى فيها العراق كثيرا، وضعفت قوته وشُلَّت حركته، وكلما جأر بالشكوى أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنه لم يلتزم بقرارات الأمم المتحدة، وخرج عن الشرعية الدولية، وأنه ما يزال خطرا على جيرانه.

وهكذا وقع العراق في الشرك، ووقف جيرانه دون حراك لإخراجه من أزمته، وأصبح تحت رحمة عدو يتربص به وبالمنطقة كلها، وكان هذا أول الحبل الذي بدأت القوى الغربية تلفه حول الجانب الشرقي من العالم العربي.

وإذا كان جنكيز خان وأبناؤه قد أحكموا سيطرتهم على شرق العالم الإسلامي، وأبادوا مئات الألوف من المسلمين، فإن بوش الأب قد أحكم سيطرته على منطقة الخليج العربي، ووضع أقدامه هناك، وبث روح الشقاق بين العرب، وصار صاحب الكلمة النافذة التي لا معقب لها، ونتج عن سياسته وسياسة من خلفه في حكم الولايات المتحدة الأمريكية وفاة مئات الألوف من أطفال العراق، ومرض الآلاف بسبب الحظر الاقتصادي الذي فرض عليه.. والحقيقة أن النتائج في الحالتين واحدة على الرغم من التباعد الزمني بينهما.

اقرأ في هذا الملف:


المحرم . صفر . ربيع الأول . ربيع الآخر . جمادى الأولى . جمادى الآخرة . رجب . شعبان . رمضان . شوال . ذو القعدة  . ذو الحجة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع