بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

فقهاء

ثورات وحركات | دول وممالك | شخصيات | كتب ومطبوعات | مؤسسات | مذاهب ونحل | معارك وغزوات | معاهدات ومؤتمرات | فنون وعمارة


محمد قدري.. وبواكير تقنين الشريعة

(في ذكرى وفاته: 22 من صفر 1304 هـ)

أحمد تمام

لم تعرف مصر قبل محمد علي غير القضاء الذي يستند أصحابه إلى كتاب الله وسنة رسوله، يستمدون منهما أحكامهم، ويقضون بهما بين الناس. وتراكم عبر قرون عديدة ثروة فقهية كبيرة، وفتاوى كثيرة كانت معينا للقضاة يستأنسون بهما ويلجئون إليهما في أحكامهم.

وظل الأمر كذلك حتى أنشئت المحاكم النظامية، وتعذر على كثير من القضاة أن يأخذوا الأحكام الشرعية مباشرة من كتب الفقه الإسلامي التي تتعدد فيها الآراء حول المسألة الواحدة في المذهب الواحد، وأصبح على القاضي أن يقضي بالراجح من هذه الآراء، ولم يكن الوصول إلى ذلك بالأمر الهين.

وفي أوائل القرن الثالث عشر الهجري تنبهت الدولة العثمانية إلى ضرورة معالجة هذا الأمر، بتقنين أحكام الشريعة، وألفت لهذا الغرض لجنة من كبار الفقهاء برئاسة وزير العدل أحمد جودت، وبدأت عملها في سنة (1232هـ = 1869م)، وتخيرت فيه الراجح من آراء المذهب الحنفي، وهو المذهب الرسمي للدولة، وبعض الآراء المرجوحة فيه لموافقتها للعصر ولسهولتها ويسرها.

وصاغت هذه اللجنة كل الأحكام التي اختارتها على شكل مواد قانونية بلغت 1851 مادة، وعرف هذا العمل الجليل بمجلة الأحكام العدلية، وتم العمل بها في سنة الانتهاء من إخراجها أي عام (1239 هـ = 1876م) وصارت هي القانون المدني للدولة العثمانية.

وفي الوقت الذي تم فيه هذا العمل الجليل في إستانبول كان محمد قدري باشا في القاهرة يقوم بمفرده بعمل مماثل، يجمع فيه أحكام الشريعة الإسلامية ويصوغها في مواد محكمة الوضع على أسلوب القوانين الأوربية.

مصري بأصول تركية

ولد محمد قدري من أب أناضولي هو قدري أغا، وأم مصرية في بلدة "ملوي" بصعيد مصر سنة (1236 هـ= 1821م)، وتلقى تعليمه الأولي بمدرسة صغيرة ببلدته حتى حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب مثل غيره من أقرانه، ثم بعث به والده إلى القاهرة حيث التحق بمدرسة الألسن التي كانت إحدى ثمرات النهضة العلمية التي شهدتها مصر في عهد محمد علي، وتعيش أزهى فتراتها تحت إشراف رفاعة رافع الطهطاوي.

وأظهر في المدرسة تفوقا واضحا ورغبة جامحة في التعليم وشغف بالترجمة، وهو ما جعل القائمين على المدرسة يعينونه بعد تخرجه مترجما مساعدا فيها.

مُربّي الخديوي توفيق

وبعد فترة من عمله بالمدرسة عين سكرتيرا لشريف باشا والي الشام من قبل إبراهيم باشا بن محمد علي بعد فتحه لها، ومن هناك سافر إلى إستانبول، وأقام بها مدة أتقن خلالها التركية تماما، ثم عاد إلى مصر حيث اختير لتدريس اللغتين العربية والتركية بمدرسة الأمير "مصطفى فاضل باشا"، ثم لم يلبث أن جعله الخديوي إسماعيل مربيا لولي عهده الأمير محمد توفيق.

ومكنته كفاءته العلمية من تولي رئاسة قلم الترجمة بديوان قسم الخارجية قبل أن تصبح وزارة. وفي أثناء ذلك عمل مع رفاعة الطهطاوي في ترجمة قانون نابليون من الفرنسية، وكانت مصر آنذاك قد عرفت المحاكم المختلطة التي أنشئت في سنة (1292 هـ = 1875م)، وهي المحاكم التي ترتب على إنشائها إدخال التنظيمات الغربية في القضاء والقانون في مصر.

وصدرت بنظام هذه المحاكم لائحة عرفت باسم لائحة ترتيب المحاكم المختلطة، وشملت اختصاصاتها الأمور المدنية والتجارية، وانحصرت سلطاتها في نظر كافة الدعاوى التي تكون بين الأهالي والأجانب، أو بين الأجانب مختلفي الجنسية، ما عدا ما يتصل بالأحوال الشخصية، وفي القضايا بين الحكومة والمصالح الأميرية.

كما صدرت القوانين التي تقضي على أساسها هذه المحاكم، وهي مقتبسة في أغلب نصوصها من القوانين الفرنسية بعد أن أدخلت عليها بعض التعديلات التي روعي فيها أحكام الشريعة الإسلامية والعرف المصري، وكان محمد قدري قد عين مستشارا بمحكمة الاستئناف المختلطة.

وزيرا للحقانية

وحين تولى الخديوي توفيق عرش البلاد عين محمد قدري في سنة (1298 هـ = 1881م) وزيرا للحقانية (العدل) في وزارة شريف باشا الدستورية، وهى الوزارة التي لم تستمر أكثر من خمسة أشهر، خلفتها وزارة محمود سامي البارودي.

ووضع في هذا العهد مشروع النظام القضائي للمحاكم الأهلية الجديدة، وكان قد صدر قرار من مجلس النظار (الوزراء) في (10 من صفر سنة 1300هـ = 21 من ديسمبر 1882م) بتشكيل المحاكم الأهلية، وصارت هي المحاكم العامة في مصر، وحُددت اختصاصات المحاكم الشرعية التي تقلص نفوذها، واختصت المحاكم الجديدة بالنظر في دعاوى الحقوق المدنية والتجارية بين الأهالي وبين الحكومة.

وكانت قوانين المحاكم الأهلية على نسق نظام المحاكم المختلطة المستمدة أساسا من التشريعات الفرنسية مع إدخال بعض التعديلات التي تقتضيها ظروف البلاد الاجتماعية وشريعته الإسلامية.

وكلف بهذا العمل لجنة يترأسها ناظر الحقانية، وضمت اثنين من القضاة الأجانب ونوبار باشا، وبطرس غالي، ومحمد قدري الذي أدخل مواد في القانون تلتزم بالشريعة الإسلامية، فصدر القانون المدني في (12 من شعبان 1300 هـ= 28 من يونيو 1883م)، وأدخلت على قانون التجارة بعض التعديلات نقلا عن القانون العثماني، وجمع قانون الرافعات بين القانون الفرنسي والقانون العثماني.

وخالف قانون العقوبات القانون الفرنسي في بعض الأمور واستند على التشريعات العثمانية، وجدير بالذكر أن هذه القوانين حين عرضت على مفتي الديار المصرية ليصادق عليها رفضها وعدها مخالفة لأحكام الشريعة، غير أن اعتراضه لم يؤبه له، وخرجت القوانين للعمل بها في المحاكم الأهلية.

مقنن الشريعة الإسلامية

عرف عن محمد قدري ميله إلى دراسة العلوم الفقهية ومقارنة الشريعة الإسلامية بالقوانين الأوربية، وكان يحضر لذلك بعض دروس الفقه في الأزهر بعد تخرجه، ويواظب على مطالعة كتب الفقه ودراستها وفهمهما، وقد أعانه ذلك على تأليف كتبه الثلاثة المعروفة والتي كانت فتحا في ميدان تقنين الشريعة الإسلامية، في الوقت الذي شهدت فيه مصر هجمة قوية من القوانين الوضعية الغربية التي جاءت مع الاحتلال البريطاني لمصر، ولم تجد من يتصدى لها ويوقف زحفها على الحياة والناس.

وكان الخديوي إسماعيل كما قيل قد رفض أن يعمل بما جاء بمجلة الأحكام العدلية؛ حتى يقطع صلته بدولة الخلافة العثمانية، وفي الوقت نفسه اشتدت الحاجة إلى وضع قوانين جديدة فاتجه القائمون على البلاد إلى القانون الفرنسي ينقلون عنه ويستلهمون منه مواده القانونية، وكان هذا أول خطوة للخروج على الفقه الإسلامي، متعللين بأن الكتب الفقهية ليست مؤلفة على نظام الكتب القانونية الحديثة ذات المواد المرتبة والمرقمة، وأنه يصعب على القضاة الرجوع إليها.

وقد أثار هذا الاتجاه همة قدري باشا فوضع كتبه الثلاثة التي تدحض هذا الزعم، استمدها من المذهب الحنفي، واسترشد فيها بمجلة الأحكام العدلية، وهذه الكتب هي:

- مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان: ويحتوي على 941 مادة، وهو خاص بالمعاملات المالية، وقد طبع الكتاب سنة (1307 هـ = 1890م).

- العدل والإنصاف في مشكلات الأوقاف: ويحتوي على 646 مادة، وهو خاص بالوقف، وقد طبع سنة (1311 هـ = 1893م ).

- الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية: ويحتوي على 647 مادة.

وتعد هذه المحاولة الرائدة مرجعا لرجال القضاء والقانون في المحاكم، وعمدة لكل مشتغل بالعلوم الفقهية والقانونية، ودليلا لكل محاولات التقنين التي جاءت بعده في العالم الإسلامي.

إلى جانب هذه الكتب الثلاثة ترك محمد قدري عددا من الكتب في ميادين مختلفة من الثقافة، منها:

- الدر المنتخب من لغات الفرنسيس والعثمانيين والعرب.

- مفردات في علم النبات.

- الدر النفيس في لغتي العرب والفرنسيس.

- قانون الجنايات والحدود، ترجمه من الفرنسية.

وفاته

لم ينقطع قدري باشا عن القراءة والتأليف حتى كف بصره، وأخفق علاجه في النمسا في أخريات حياته، ثم لم يلبث أن توفي بالقاهرة في (22 من صفر 1304هـ= 20 من نوفمبر 1886م) بعد أن خلف ثروة علمية في مجالات التشريع والقانون.

اقرأ أيضا:

أهم مراجع الدراسة :

  • أنور حجازي: عمالقة ورواد- الدار القومية للطباعة والنشر- القاهرة- بدون تاريخ.

  • عبد الرحمن الرافعي: عصر إسماعيل- دار المعارف- القاهرة-1987م.

  • لطيفة محمد سالم: النظام القضائي المصري الحديث- الهيئة المصرية العامة للكتاب-القاهرة- 2000م.

  • زكي الدين شعبان: الأحكام الشرعية والأحوال الشخصية- منشورات جامعة قار يونس-ليبيا- 1409هـ=1989م.

  • محمود محمد الطنطاوي: المدخل للفقه الإسلامي- دار النهضة العربية- القاهرة 1398هـ=1978م.


المحرم . صفر . ربيع الأول . ربيع الآخر . جمادى الأولى . جمادى الآخرة . رجب . شعبان . رمضان . شوال . ذو القعدة  . ذو الحجة

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع