|
كانت
الآمال تملأ نفوس الشعوب التي خاضت
عملية التحرر من المستعمر في مستقبل
زاهر مشرق مفعم بالحرية والرفاهية،
وضحت في سبيل هذه الآمال كثيرا، لكن
الكثير ممن صعد إلى مصاف الحكم من "جيل
التحرير" لم يكن يمتلك رؤية واضحة أو
متكاملة عن مستقبل البلاد في أعقاب زوال
الاستعمار؛ وهو ما جعل هؤلاء الحكام
الجدد الذين يمتلكون "شرعية التحرير"
يلجئون إلى اقتباس نماذج تنموية
مستوردة سابقة التجريب، ومحاولة
استنساخها في البيئات المحلية بتعديلات
طفيفة ربما أساءت إلى التجربة
المستوردة؛ في محاولة منهم للاستحواذ
على شرعية جديدة، وهي "شرعية التنمية
والنهوض".
ويأتي
التطبيق السيئ وفقدان عنصر الابتكار
واستنبات تجارب وطنية تنطلق من حاجات
المجتمع وتطلعاته، وإصرار "جيل
التحرير" على أن يكون هو "جيل
البناء والتنمية والنهوض" عاملا
جديدا يدخل البلاد في دوامات من التجارب
غير الناضجة والتقلبات السياسية
والاقتصادية التي لم تخرج البلاد منها
حتى الآن.
مساحة
لعب الدولة
وفي
محاولة من الدولة القومية التي نشأت بعد
الاستقلال للعب دور قيادي في التنمية
الاقتصادية والاجتماعية؛ تم توسيع
المساحة التي تتحرك فيها، وجاء هذا
التوسع على حساب المجتمع. وتأتي تجربة
التأميم لتلخص تاريخ فترة مهمة مرت بها
أغلب البلاد العربية التي لجأت إلى
خيارات سياسية واقتصادية عقب
الاستقلال، تمثلت سياسيا في الأخذ
بنظام الحزب الواحد، واقتصاديا في
اللجوء إلى التأميم والقطاع العام
والاشتراكية باعتبارها البدائل المثلى
للنهوض.
وجاء
تبني هذه الخيارات بينما كانت
الرأسمالية تشهد أزمة كبيرة مع الصعود
الكبير للمعسكر الشرقي الاشتراكي
بزعامة الاتحاد السوفيتي صاحب التخطيط
الاقتصادي الموجه والتنظيم السياسي
الشمولي.
البداية
إيرانية
عرف
الشرق في العصر الحديث تجربة التأميم مع
قيام الحركة الوطنية في إيران بتأميم
النفط في ( 12 من جمادى الثانية 1370هـ= 20
مارس 1951م) وكان يتزعم هذه الحركة علماء
الدين بقيادة "آية الله الكاشاني".
وعلى
المستوى العربي كانت ليبيا أول الدول
العربية المنتجة للنفط التي أقدمت على
تأميم بعض مصادرها النفطية سنة (1391هـ= 1971م)..
تجربة
التأميم في الجزائر
خلق
الاستعمار الفرنسي للجزائر اقتصادا
جزائريا تابعا ومختلا؛ حيث تركزت
الثروة في الشمال بيد الفرنسيين ،
وثلاثة أرباع الصناعة في وهران.
وواجهت
الجزائر عقب الاستقلال عام (1382هـ= 1962م)
بسبب هذه الأوضاع مشاكل معقدة، جمعت بين
التدمير البشري والمادي بعد 7 سنوات
ونصف من الحرب العنيفة التي حصدت أرواح
ما يقرب من مليون ونصف جزائري، وجعلت 3
ملايين إنسان يهجرون منازلهم ويعيشون
في ظروف قاسية، إضافة إلى نصف مليون
لاجئ في المغرب وتونس، ومليون ونصف
نزحوا من الريف إلى المدن، وقرابة 400 ألف
معتقل، ومثلهم هاجروا إلى فرنسا،
وتدمير مئات القرى وانخفاض الثروة
الحيوانية والغابية، ومغادرة حوالي 900
ألف أوربي الجزائر بصفة نهائية قبيل
الاستقلال، وكان هؤلاء يمثلون عصب
الاقتصاد والإدارة والصناعة والتجارة
أثناء الاحتلال الفرنسي الذي دام حوالي
132 عاما.
"التسيير
الذاتي"
أدت
هذه الظروف إلى خلق معضلات أمام أول
حكومة جزائرية؛ فقامت بإصدار عدد من
المراسيم المتتابعة تحت عنوان كبير هو
"التسيير الذاتي"، بدأ في (23 من
جمادى الأولى 1382هـ= 22 من أكتوبر 1962م)
بمرسوم ينص على "التسيير" المؤقت
للمستثمرات الزراعية وللشركات التي
تركها أصحابها بعد مغادرتهم للجزائر
نهائيا؛ ولم تصبح هذه الأملاك الشاغرة
ملكا للدولة إلا بعد صدور مرسوم في (شوال
1382 هـ= مارس 1963م) الذي نص على "التسيير
الذاتي" للزراعة والصناعة والذي
يعبر، لأول مرة، عن التوجه الاشتراكي
بقرار من الحكومة.
غير
أن هذه الحركة من التأميم التي بدأت
عشية الاستقلال لم تمس القطاعات
الإستراتيجية في الاقتصاد، ولكنها مست
فقط التجار والحرفيين الصغار؛ حيث تم
تأميم الدكاكين والمقاهي وغيرها من
الأنشطة البسيطة، ولم يتم تدخل الدولة
في الشؤون الاقتصادية بصفة شاملة
ومنسقة؛ ولكنه كان توجها أملته ضغوط
وظروف معينة ولم يعبر في تلك الفترة عن
دوافع أيديولوجية. كما أن هذا التوجه لم
يمتد إلى القطاع الصناعي والمصرفي.
وكانت أنظمة "التسيير الذاتي"
مستوحاة من التجربة اليوغسلافية، وكانت
بمثابة الحل الوحيد لمشاكل إدارة
المشاريع الشاغرة.
بدأت
الدولة الجزائرية تتدخل في الاقتصاد
حيث أنشأت "الديوان الوطني للتسويق"
المكلف باستيراد المواد الغذائية
وتوزيعها ، ثم تبعه إنشاء محلات الدولة
للبيع والتجزئة، والديوان الوطني
للصيد، والسياحة، والنقل، وهو ما عبر عن
توجهات اشتراكية.
الأيديولوجيا..
الحاكمة
والمعروف
أن الرؤى الأيديولوجية هي الأساس في
الاختيار السياسي والاقتصادي، وكانت
فترة الستينيات هي الفترة التي شهدت
ظهور الاشتراكية في بلاد المغرب ومن
بينها الجزائر، حيث أخذت الاشتراكية
شكلها النظامي في البلاد مع استيلاء "هواري
بومدين" على السلطة في الجزائر بعد
انقلاب أبيض في (20 من صفر 1385هـ=19 يونيو 1965م)
تم فيه عزل الرئيس "أحمد بن بيلا"
والقبض عليه، وفي (7 من رجب 1396هـ=5 يوليه
1976م) أصبحت القوانين الاشتراكية رسمية
في الجزائر.
وفي
الفترة التي تولى فيها "هواري بومدين"
الحكم كانت التوجهات الاشتراكية مطردة
في النشاط الاقتصادي من تأميم وتأسيس
شركات وطنية عامة، وتأميم القطاع
الصناعي والمصرفي والمنجمي والمحروقات.
وفي (27 من ذي الحجة 1390هـ=24 من فبراير 1971م)
تم تأميم الغاز الطبيعي في الجزائر بعد
تفاوض طويل مع الشركات المحتكرة، ودفع
تعويضات كبيرة.
وقد
ردت فرنسا على قرار التأميم بسحب
المهندسين من الآبار في الجزائر، عندها
قامت الجزائر بدفع تعويضات بدلا من
الأسهم المؤممة إلى الشركة الفرنسية
المحتكرة.
وتسببت
موجة التأميم والاشتراكية إلى أزمات في
الاقتصاد الجزائري، بسبب مركزية
التخطيط الاقتصادي، وغياب كثير من
آليات السوق في الإنتاج والمنافسة،
وشيوع الفساد الإداري، والتطبيق غير
الجيد لهذا المذهب الاقتصادي، إضافة
إلى أن النموذج التنموي في الجزائر أعطى
الأولوية للقطاع الصناعي على غيره من
القطاعات، وهو ما أدى إلى تهميش الزراعة
وتبعية الدولة للخارج في الحصول على
الغذاء.
إعادة
نظر
كما
أن الصناعة المكثفة لم تؤد إلى التنمية
الاقتصادية ولا ساهمت في النمو
الصناعي، ولم توفر الحاجات الأساسية
للسكان، مما جعل التراجع عن النموذج
الاشتراكي في التنمية ضرورة اقتصادية
ووطنية، وأصبح غلاة المنادين
بالاشتراكية هم غلاة المنادين بالخصخصة
الاقتصادية واقتصاد السوق؛ وبناء على
ذلك بدأت الجزائر في عام (1400هـ= 1980م)
بإعادة تنظيم الاقتصاد الوطني. كما أدى
انخفاض أسعار النفط الكبير عام (1406هـ= 1986م)
إلى ضعف في المؤسسات الوطنية التي كانت
تعتمد على دعم الدولة؛ وانتهى الأمر عام
(1415هـ= 1994م) بموافقة الجزائر على قبول
توصيات "صندوق النقد الدولي"
بخصخصة القطاع العمومي.
اقرأ
أيضا:
أهم
المراجع:
-
أحمد
عبد الرزاق خليفة السعيدان – القانون
والسيادة وامتيازات النفط "مقارنة
بالشريعة الإسلامية" – مركز
دراسات الوحدة العربية – بيروت –
الطبعة الأولى –1996.
-
عبد
الحميد براهيمي – المغرب في مفترق
الطرق في ظل التحولات العالمية –
مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت
– 1986.
-
عبد
الوهاب الكيالي – موسوعة السياسة –
المؤسسة العربية للدراسات والنشر –
بيروت – بدون تاريخ.
-
مجموعة
من المؤلفين – دراسات في التنمية
العربية "الواقع والآفاق" –
مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت
– 1998.
-
محمود
عبد الفضيل - الفكر الاقتصادي العربي
وقضايا التحرر والتنمية والوحدة -مركز
دراسات.
|