|
كانت
تونس ولاية ضعيفة في إدارتها
وإمكاناتها في النصف الثاني من القرن (الثالث
عشر الهجري= القرن التاسع عشر الميلادي)،
وساءت أحوالها في عهود البايات: أحمد
(1253-1271هـ=1837 –1855م)، ومحمد الثاني (1271-1276
هـ =1855- 1859م)، ومحمد الصادق (1276 -1299هـ
=1859-1882م)، وكان هؤلاء البايات يحكمون
البلاد حكما مطلقا، وتتركز السلطة في
أيديهم، ويعتمدون على عدد من الأمراء
والأعوان في إدارة شئون البلاد الذين
يعنون بمصالحهم وامتيازاتهم دون مصالح
الرعية والعباد.
ورأى
هؤلاء البايات أن يقوموا بإصلاح بلادهم
وتطويرها، فاتجهوا إلى أوربا يقتبسون
منها نظمها وحضارتها، ويستعينون
برجالها وأموالها، وبدأ الأجانب
يتوافدون بأموالهم على تونس لتنفيذ
مشروعاتهم، وفي الوقت نفسه مد البايات
أيديهم واستدانوا من الأوربيين لمواجهة
نفقاتهم الباهظة وإسرافهم في بناء
القصور وتأسيس الجيش والأسطول.
مظاهر
شكلية للحضارة
اتسمت
سياسات البايات بالإسراف الشديد،
والعناية بالمظاهر الشكلية للحضارة
الأوربية دون اهتمام بالجوهر واحتياجات
البلاد الحقيقية، فعنوا بتغيير ملابس
الجنود واستبدال الزي الأوربي بها،
وإنشاء جيش دون أن يكون له عمل سوى
القيام بالاستعراضات الحربية، وبلغ من
إسراف الباي أحمد أنه اشترى سفنا حربية
حديثة وتركها راسية في الميناء فترات
طويلة دون تحرك حتى تلفت أخشابها من قلة
استعمالها.
ولم
يكن الباي محمد الصادق أفضل حالا من
سلفه، فاقترض هو الآخر ودفع دولته إلى
الاستدانة لتلبية نفقاته العالية
ومشروعاته التي لم تكن ذات جدوى
إنتاجية، وكانت الدولة التونسية تعالج
سداد ديونها بمزيد من الاستدانة،
وباستحداث ضرائب جديدة على الصادرات
والواردات، وفرض مكوس على المبيعات
والمشتريات، واحتكار بعض الصناعات
كالملح والصابون والدخان والجلد؛ الأمر
الذي أدى إلى عدم استقرار الأحوال،
وزيادة الضيق والسخط، وإلحاق الضيم
بالناس.
التدخل
في الشئون الداخلية
وكان
الدائنون الرئيسيون لحكومة تونس من
الممولين والتجار من الفرنسيين
والإيطاليين والإنجليز، وتدخلت
حكوماتهم لحفظ حقوقهم بعد أن عجز بايات
تونس عن السداد، ولم يتوقف التدخل عند
هذا الحد، بل راحوا يطالبون محمد الباي
بإصدار بيان أو إعلان يمنح غير المسلمين
في دولته أو نيابته كما كانت تسمى آنذاك
حقوقا تكفل لهم الأمان على أرواحهم
وأموالهم والحفاظ على ممتلكاتهم وسائر
مصالحهم، وأشاروا عليه بأن يستلهم في
هذا الإعلان ما جاء في الخط الهمايوني
الذي أصدره السلطان عبد المجيد الأول
سنة (1272هـ=1856م)، وكان هذا الخط قد تضمن
معاملة جميع رعايا الدولة معاملة
متساوية دون النظر إلى أديانهم
ومذاهبهم. غير أن الباي لم يستجب لمطالب
القناصل الأجانب في بادئ الأمر إلى أن
وقعت حادثة أجبرته على الاستجابة
لمطالب هؤلاء.
مقتل
يهودي
وملخص
هذه الحادثة أن حوذيا (سائق عربة الخيل)
يهوديا صدم بعربته غلاما مسلما فقتله،
وحكم عليه بالإعدام، وقيل إن يهوديا سب
مسلما في دينه فنفذ فيه حكم الإعدام،
لكن ذلك لم يمنع المسلمين من الثورة
والغضب وتوعدوا غير المسلمين بالاعتداء
عليهم؛ الأمر الذي أثار قلق بعض الدول
الأوربية الكبرى، وبخاصة بريطانيا
وفرنسا. ورأت في ذلك فرصة سانحة للتدخل
في الشئون الداخلية لتونس، وأرسلت تلك
الدول تعليمات إلى قناصلها في تونس تطلب
منهم الاحتجاج على التهديدات التي تمس
رعاياها، وزادت فرنسا من احتجاجها بأن
أمرت قنصلها أن يقرأ نص احتجاجها في
حضرة الباي، وفي الوقت نفسه أرسلت بعضا
من وحداتها البحرية إلى شواطئ تونس
للضغط على الحكومة التونسية، وذلك في (المحرم
1274 هـ= أغسطس 1857م).
عهد
الأمان
وإزاء
هذه الأحداث لم يجد الباي محمد بُدًّا
من الاستجابة لهذه المطالب وتباحث مع
وزرائه ومستشاريه واستقر بهم الرأي على
إصدار هذا البيان الذي عرف باسم عهد
الأمان، وأعلن في (20 من المحرم 1274هـ= 9 من
سبتمبر 1857م) في حفل كبير شهده الوزراء
وأعيان البلاد وقناصل الدول وقائد
الأسطول الفرنسي.
وتكون
هذا العهد من مقدمة وإحدى عشرة مادة،
وتشير المقدمة إلى وجوب الاهتداء
بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء
باعتبار أن الإسلام هو الدين الرسمي
للدولة التونسية، وأن الباي والسكان
مسلمون، وأن الدولة العثمانية تؤكد
الأمان لرعاياها وتراه من الحقوق
المرعية.
وتضمنت
مواد هذا العهد الأمان التام لجميع سكان
تونس دون النظر إلى دياناتهم وأجناسهم
وجنسياتهم، ومساواة الجميع في مسائل
الضرائب والرسوم الجمركية. وتقرير
الحرية في مزاولة التجارة وجميع مجالات
العمل وشراء العقارات والأراضي
الزراعية بشرط أن يلتزم الجميع
القوانين العامة فيما يتصل بالعمل
وتملك العقارات. ونظم العهد مسألة
التجنيد؛ بحيث لا يظل المجند في الخدمة
أكثر من مدة محددة حتى يتاح له الفرصة
الملائمة لتدبير معيشته ومعيشة أسرته.
ويلاحظ
أن هذا العهد فيه مزج بين الاتجاه
الإسلامي والاتجاه الأوربي العصري
السائد في ذلك الوقت وأن بعض مواده
مقتبسة من التنظيمات العثمانية الصادرة
في سنة (1255هـ= 1839م).
وفي
الوقت نفسه أعلن الباي عن عزمه إصدار
دستور للبلاد، وتبع ذلك بعض الإصلاحات
كان من بينها إنشاء مجلس بلدي في مدينة
تونس يشترك في عضويته أعضاء من الجاليات
الأجنبية الى جانب الأعضاء التونسيين،
وبدأ في الإعداد لوضع دستور، لكنه توفي
قبل إصداره.
ولما
خلفه أخوه محمد الصادق في (26 من صفر 1276هـ=
24 من سبتمبر 1859م) استؤنف العمل في إعداد
الدستور الذي أعلنه الباي في (رجب 1277هـ=
يناير 1861م)، وكانت تونس بذلك أول دولة في
العالم الإسلامي تأخذ بالنظام الدستوري.
بنود
الدستور ومواده
ونص
هذا الدستور الذي يتكون من مائة وأربع
عشرة مادة على أن الباي هو رئيس تونس
والرئيس الأعلى فيها للشئون الإسلامية،
وأن يكون الحكم وراثيا في عائلته، وقرر
الدستور أنه يتعين على الباي قبل أن
يمارس سلطات منصبه أن يؤدي اليمين
الشرعية على ألا يخالف أي مادة من مواد
عهد الأمان الذي أصدره سلفه من قبل، وأن
يكون أداؤه اليمين جهرا أمام أهل الحل
والعقد وهم أعضاء المجلس الكبير
والمجلس الشرعي، وبعد أدائه اليمين
يقبل البيعة ولا يتم له أمر بدون هذه
اليمين.
وتضمنت
مواد هذا الدستور أن الباي إذا ارتكب
مخالفة قانونية متعمدا بعد توليه الحكم
تصبح البيعة منحلة، كما حدد الدستور
للباي مرتبا ثابتا لا يتجاوزه.
ونص
الدستور على إنشاء مجلس يسمى المجلس
الكبير ويتكون من ستين عضوا على الأكثر
تعينهم الحكومة التونسية: الثلث من
الوزراء ومن كبار الموظفين والعسكريين،
والثلثان من الأعيان المعروفين
بالكفاءة، واشترط الدستور لكي تكون
قرارات المجلس نافذة أن تصدر قراراته
بحضور أربعين عضوا على الأقل. ووضع
الدستور للمجلس اختصاصات مجددة، تتمثل
في وضع القوانين، وتفسير القوانين
المعمول بها، والإشراف على تنفيذها
وزيادة المصروفات وتخفيضها، وزيادة
قوات الجيش والبحرية.
وقرر
الدستور استقلال السلطة القضائية، وأن
يظل القضاء في رئاسة المحاكم، وأن تنظر
الشرطة في القضايا الصغرى، وأن تستمر
المحاكم الشرعية في نظر قضايا الأحوال
الشخصية، وفي الوقت نفسه تقرر إنشاء
محاكم للدرجة الأولى، ومحكمة استئناف
في مدينة تونس، واشترط الدستور ألا تنفذ
عقوبة على أحد من سكان تونس إلا بناء على
حكم تصدره المحكمة المختصة.
وقد
حفظ الدستور الجديد للأجانب حريتهم
الدينية، فلا يتعرض لهم أحد ولا يجبرون
على تغيير دياناتهم، كما احتفظ لهم بحق
شراء الأراضي والعقارات في أماكن معينة
من العاصمة وضواحيها. والعجيب أن هذه
الخطوة الدستورية التي منحت الأجانب
حقوقا متساوية لحقوق المواطنين لم
تقابل بما تستحقه من تقدير من قناصل
الدول الأجنبية وبخاصة فرنسا، حيث
اعترضوا على مثول رعاياهم أمام المحاكم
الوطنية للفصل في منازعاتهم مع أهالي
البلاد، وطالبوا بأن تتم محاكماتهم
أمام قناصلهم.
وظل
الدستور معمولا به حتى جاء الغزو
الفرنسي لتونس سنة (1298هـ=1882م) فأوقف
العمل به، وتم العصف بأول دستور ظهر في
العالم الإسلامي في العصر الحديث.
اقرأ
أيضا:
أهم مراجع الموضوع:
-
عبد
العزيز محمد الشناوي: الدولة
العثمانية دولة مفترى عليها- مكتبة
الأنجلو المصرية- القاهرة 1986.
-
جلال
يحيى: المغرب العربي (الحديث والمعاصر)-
الهيئة المصرية العامة للكتاب-
الإسكندرية 1982.
-
شوقي
الجمل: المغرب العربي الكبير في العصر
الحديث- مكتبة الأنجلو المصرية-
القاهرة 1977.
-
نقولا
زيادة: تونس في عهد الحماية- مطبوعات
معهد الدراسات العربية العالية-
القاهرة 1963.
** كاتب وباحث مصري. |