|
إذا كانت اللحظة التي يدخل فيها الحاج والمعتمر إلى المدينة المنورة تملك عليه مشاعره وأحاسيسه فإن اللحظات التي يقف فيها المرء بين يدي الهادي البشير تكون من أكثراللحظات تأثيرا في نفسه
فينبغي أن تقف بين يديه وتزوره ميتًا
كما تزوره حيًّا، ولا تقرب من قبره
إلا كما كنتَ تقرب من شخصه الكريم لو
كان حيًّا. وكما كنتَ ترى الحرمة في
ألا تمس شخصه ولا تقبله؛ بل تقف من بعد
مائلاً بين يديه فكذلك فافعل، فإن
المس والتقبيل للمشاهدة عادة النصارى
واليهود. وأحضر عظيم رتبته في قلبك
فقد روي عنه –صلى الله عليه وسلم- "أن
الله –تعالى- وكَّل بقبره ملكًا
يبلغه سلام مَن سلم عليه من أمته" [أخرجه
النسائي وابن حبَّان والحاكم من حديث
ابن مسعود بلفظ "إن لله ملائكة
سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي
السلام".] هذا في حق مَن لم يحضر
قبره، فكيف بمن فارق الوطن وقطع
البوادي شوقًا إلى لقائه، واكتفى
بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاته مشاهدة
غرته الكريمة؟
وقد
قال- صلى الله عليه وسلم-: "من صلَّى
عليَّ مرةً واحدةً صلَّى الله عليه
عشرًا" [أخرجه مسلم] . فهذا جزاؤه في
الصلاة عليه بلسانه، فكيف بالحضور
لزيارته ببدنه؟ ثم ائت منبر الرسول –صلَّى
الله عليه وسلم- وتوهم صعود النبي –صلَّى
الله عليه وسلم- المنبر، ومثل في قلبك
طلعته البهية كأنها على المنبر، وقد
أحدق به المهاجرون والأنصار –رضي
الله عنهم-، وهو- صلى الله عليه وسلم-
يحثهم على طاعة الله –عز وجل- بخطبته،
وسل الله –عز وجل- أن لا يفرق في
القيامة بينك وبينه.
فهذه
وظيفة القلب في أعمال الحج. فإذا فرغ
منها كلها فينبغي أن يلزم قلبه الحزن
والهم والخوف، وأنه ليس يدري أقُبِلَ
منه حجُّه، وأُثبِتَ في زمرة
المحبوبين، أم رُدَّ حجُّه، وأُلحِقَ
بالمطرودين؟ وليتعرف ذلك من قلبه
وأعماله؛ فإن صادف قلبه قد ازداد
تجافيًا عن دار الغرور، وانصرافًا
إلى دار الأنس بالله -تعالى- ووجد
أعماله قد اتزنت بميزان الشرع فليثق
بالقَبول؛ فإن الله -تعالى- لا يقبل
إلا مَن أحبه؛ ومَن أحبه تولاه، وأظهر
عليه آثار محبته، وكف عنه سطوة عدوه
إبليس- لعنه الله-. فإذا ظهر ذلك عليه
دل على القَبول، وإن كان الأمر
بخلافه؛ فيوشك أن يكون حظه من سفره:
العناء والتعب نعوذ بالله -سبحانه
وتعالى- من ذلك.
|