|
لا وصول إلى الله - سبحانه وتعالى -
إلاَّ بالتنزه عن الشهوات، والكفِّ
عن اللذات، والاقتصار على الضرورات،
والتجرد لله - سبحانه - في جميع
الحركات والسكنات، فلما اندرس ذلك،
وأقبل الخَلْق على اتباع الشهوات،
وهجروا التجرد لعبادة الله - عز وجل -
وفتروا عنه، بعث الله - عز وجل - نبيه
محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لإحياء
طريق الآخرة، وتجديد سنَّة المرسلين
في سلوكها؛ فلما سُئِلَ عن الرهبانية
والسياحة في دينه قال –صلى الله عليه
وسلم-: "أبدلنا الله بها الجهاد
والتكبير على كل شرف" [رواه أبو
داود من حديث أبي أمامة: أن رجلاً قال:
يا رسول الله، ائذن لي في السياحة؛
فقال: "إن سياحة أمتي الجهاد في
سبيل الله" ورواه الطبراني بلفظ:
"إن لكل أمة سياحة، وسياحة أمتي
الجهاد في سبيل الله، ولكل أمة
رهبانية، ورهبانية أمتي الرباط في
نحر العدو"، وللبيهقي في الشعب من
حديث أنس: "رهبانية أمتي الجهاد في
سبيل الله"، وكلاهما ضعيف،
وللترمذي وحسنه والنسائي في اليوم
والليلة، وابن ماجة من حديث أبي هريرة
–رضي الله عنه-: "أن رجلاً قال: يا
رسول الله، إنِّي أريد أن أسافر
فأوصني قال: عليك بتقوى الله،
والتكبير على كل شرف". يعني الحج.
وسُئِلَ- صلى الله عليه وسلم- عن
السائحين فقال: "هم الصائمون".
[أخرجه
البيهقي في الشعب وقال: المحفوظ عن
عبيد ابن عمير عن عمر مرسلاً] فأنعم
الله - عز وجل - على هذه الأمة بأن جعل
الحج رهبانية لهم؛ فشرف البيت العتيق
بالإضافة إلى نفسه- تعالى- ونصبه
مقصدًا لعباده، وجعل ما حواليه حرمًا
لبيته؛ تفخيمًا لأمره. وجعل عرفات
كالميزاب على فناء حوضه. وأكد حرمة
الموضع بتحريم صيده وشجره.
يقصده
الزوار من كل فج عميق، ومن كل أوب
سحيق، شعثًا غبرًا متواضعين لرب
البيت، ومستكينين له، خضوعًا لجلاله،
واستكانةً لعزته. مع الاعتراف
بتنزيهه عن أن يحويه بيت، أو يكتنفه
بلد؛ ليكون ذلك أبلغ في رقهم
وعبوديتهم، وأتم في إذعانهم
وانقيادهم؛ ولذلك وظَّف عليهم فيها
أعمالاً لا تأنس بها النفوس، ولا
تهتدي إلى معانيها العقول، كرمي
الجمار بالأحجار، والتردد بين الصفا
والمروة على سبيل التكرار. وبمثل هذه
الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية؛
فإن الزكاة إرفاق، ووجهه مفهوم،
وللعقل إليه ميل، والصوم كسر للشهوة
التي هي آلة عَدُوِّ الله، وتفرغ
للعبادة بالكفِّ عن الشواغل، والركوع
والسجود في الصلاة تواضع لله – عز وجل
– بأفعال هي هيئة التواضع، وللنفوس
أنس بتعظيم الله – عز وجل – فأما
ترددات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه
الأعمال فلا حظَّ للنفوس ولا أنس
فيها، ولا اهتداء للعقل إلى معانيها؛
فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلاَّ
الأمر المجرد، وقصد الامتثال للأمر
من حيث إنه أمر واجب الاتباع فقط. وفيه
عزل للعقل عن تصرفه، وصرف النفس
والطبع عن محل أنسه؛ فإن كل ما أدرك
العقل؛ فلا يكاد يظهر به كمال الرق
والانقياد؛ ولذلك قال- صلى الله عليه
وسلم- في الحج على الخصوص "لبيك
بحجة حقًّا تعبدًا ورقًّا" [أخرجه
البزار والدارقطني في العلل من حديث
أنس]، ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها.
وإذا اقتضت حكمة الله - سبحانه وتعالى
- ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على
خلاف هوى طباعهم، وأن يكون زمامها بيد
الشرع؛ فيترددون في أعمالهم على سنن
الانقياد، وعلى مقتضى الاستعباد، كان
ما لا يهتدي إلى معانيه أبلغ أنواع
التعبدات في تزكية النفوس وصرفها عن
مقتضى الطباع والأخلاق، إلى مقتضى
الاسترقاق، وإذا تفطنت لهذا فهمت أن
تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة
مصدره الذهول عن أسرار التعبدات،
وهذا القدر كافٍ في تفهم أصل الحج- إن
شاء الله تعالى.
|