|
اعلم
أنه كان للجاهلية عوائد أقرها
الإسلام بعد تطهيرها مما لا يوافق
الدين الحنيف، ومن هذه العوائد
اجتماعهم بمِنى، وهو مكان كانوا
يقيمون فيه سوقًا يسمُّونه باسمها
كسوق عكاظ وذي المجاز والمجنة.
كان
العرب يجتمعون بمِنى؛ فيتفاخرون
بالأنساب، والأحساب، والعشائر،
ويتناشدون فيه الأشعار، ويتبارون في
مضمار الفصاحة والبلاغة، وكانوا
يقصدونه من الأماكن النائية للشراء،
وغير ذلك من الأمور التي تُقَام
لأجلها الأسواق.
ولما
كان مثل هذا الاجتماع فيه منفعة للناس
أقره الإسلام؛ ولكنه أبدل التفاخر
بالأحساب والأنساب بذكر الله- تعالى-
والتسبيح؛ حيث يقول الله في كتابه
العزيز : "فَاذكُرُوا اللهَ
كذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أو أشدَّ
ذكرًا".
ولا
يخفى أيضاً أن اجتماع الحجاج في هذا
المكان، وإقامتهم شعائر الدين،
وتبادلهم المنافع المادية والأدبية
أدعى لإظهار عظمة الدين وشوكة
الإسلام في عيون أعدائه، هذا فضلاً عن
الائتلاف والتعارف والتواد بين
المسلمين المختلفي الأجناس كما بينا
في غير هذا الموضع.
وبالجملة
فإن النزول بمِنى على هذه الصورة وهذه
الكيفية هو معرض من أكبر المعارض التي
قامت في العالم أجمع. يبهر عقول هؤلاء
الذين يسيئون إلى المسلمين في دينهم؛
لأنه جمع بين فائدتين عظيمتين: فائدة
الدنيا، والدين. وهذا من الحِكَم
البالغة التي يقف عندها العقل.
|