|
الكعبة بناء مكعب تقريبا، ولهذا
سُمِّيت الكعبة، وزواياها إلى الجهات
الأربع، والعرب يسمون الزوايا
بالأركان وينسبونها إلى اتجاهاتها،
فالركن الشمالي يسمَّى بالركن
العراقي، والركن الغربي يسمَّى
بالركن الشامي، والقبلي يسمَّى
بالركن اليماني، والشرقي يسمَّى
الركن الأسود؛ لأن به الحجر الأسود.
وقبل
الحديث المفصل عن الكعبة المشرفة
هناك سؤال هو: أيهما أقدم وجودًا مكة
أم الكعبة؟
والإجابة
الحاسمة بناء على النصوص الموجودة
بين أيدينا أن الكعبة المشرفة أقدم،
وأنها عاصرت مطلع التاريخ الإنساني،
قال تعالى: "إن أول بيت وضع للناس
للذي ببكة مباركًا وهدًى للعالمين"
( آل عمران: آية 96).
ويقول
المفسرون ومنهم البيضاوي: إن المراد
أن البيت الحرام (الكعبة) أول بيت وضعه
للناس، وكان الهدف أن يعبد الله فيه،
وأنه كان موجودًا قبل هبوط آدم- عليه
السلام- إلى الأرض، فلما هبط أمره بأن
يحج إليه ويطوف حوله حتى لا تتوقف
الصلة بين الخالق والمخلوق.
بناء
الكعبة وعمارتها
البناء
الأول:
بناء
إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام
حينما انهار بناؤها، ولم يبق منها إلا
القواعد التي غطتها الرمال والحصا.
قال تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم
القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل
منا إنك أنت السميع العليم" (البقرة:
آية 127)، وواضح من الآية أن إبراهيم لم
يضع القواعد التي هي أساس البيت
الحرام، وإنما رفع بناءه.
البناء
الثاني:
في
عهد قصي تشقق بناء الكعبة؛ فأعاد
بناءها، وبنى دار الندوة؛ ليجتمع
فيها كبار القوم للتشاور فيما يهمهم.
البناء
الثالث:
ثم
جاء بناء قريش لها بعد عدة تجديدات،
واشترك النبي- صلى الله عليه وسلم-
وعمه العباس في هذا البناء، وكانا
ينقلان الحجارة. وفي هذا البناء الذي
بدأه الوليد بن المغيرة وهو يقول:
اللهم إنا لا نريد إلا الخير. وكانت
قريش قد ترددت في هدمها، وكان لهذا
البناء دستور وضعه الوليد بقوله: يا
معشر قريش لا تُدخِلوا في بناء الكعبة
من مالكم إلا الطيب، لا يدخل في
بنائها مهر بَغي، ولا بيع ربا، ولا
مظلمة أحد من الناس. روى البخاري عن
عائشة -رضي الله عنها- قالت: "سألت
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن
الجدار (جدار الحجر) أمن البيت هو؟ قال:
نعم، قلتُ فما بالهم لم يدخلوه في
البيت؟ قال: ألم تري قومك قصرت بهم
النفعة".
البناء
الرابع:
بناء
عبد الله بن الزبير عندما أعلن خلافته
بمكة بعد استشهاد الإمام الحسين عقب
موت معاوية، بناها بالجص النقي من
اليمن، كما أحدث فيها تغييرات أخرى؛
فقد ألصق الباب بالأرض، وفتح بابًا
آخر يقابله ليخرج منه الناس، وجعل
ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعًا، ولما
فرغ من بنائها ضمخها بالمسك والعنبر
وكساها بالديباج، وكان انتهاؤه من
بنائها في شهر رجب سنة 649 هـ.
البناء
الخامس:
بناية
الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان قد هدم
ما قام به الزبير وأعاد البناء على
الشكل الذي بنته قريش.
البناء
السادس:
بناء
محمد علي باشا في عهد الخلافة
العثمانية، وكان مطرًا غزيرًا قد وقع
بمكة سنة 1239 - 1240 هـ، وأعقبه سيل جارف
عمَّ منطقة الكعبة ووصل ارتفاعه إلى
طوق القناديل المعلقة، وحينئذٍ أرسل
محمد علي مندوبًا، وخوّله القيام بما
يصلح البناء المقدس، وبدأ العمل
بحركة تنظيف واسعة وإزالة الرمال
والأشياء العالقة بالسيل وكانت
كالجبال الراسيات، ثم أرسل آلات
ومؤنًا واسعة لعملية الإصلاح
والبناء، كما أرسل النحاتين، وأمر
المهندسين والعمال. وفي يوم 22 رمضان
سنة 1240 هجرية كتب محضرًا أرسل إلى
والي مصر فيه شهادة المكيين بحسن
عمارة البيت وتجميله على أعلى مستوى.
وفي
سنة 1377هـ –1957م أُجري إصلاح في
الكعبة، وجُدِّد سقفها؛ وأُقيم لذلك
احتفال برئاسة حضرة صاحب الجلالة
الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود يوم
الجمعة 18 رجب سنة 1377 هـ.
أسماء
الكعبة
الكعبة
المشرفة لها عدة أسماء وردت في القرآن
الكريم، وهي:
1-
الكعبة: "جعل الله الكعبة البيت
الحرام قيامًا للناس" (المائدة: آية
297).
2-
البيت: "ولله على الناس حج البيت من
استطاع إليه سبيلا" (آل عمران آية
97).
3-
البيت العتيق: "وليطوفوا بالبيت
العتيق" (الحج: آية 29).
4-
البيت الحرام : "ولا آمين البيت
الحرام" (المائدة : آية 3).
5-
البيت المعمور: "والطور * وكتاب
مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور"
(الطور 1-4).
6-
البيت المحرم: "ربنا إني أسكنت من
ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك
المحرم" (إبراهيم آية 37).
وظائف
القائمين على الكعبة
في
عهد قصي تشقق بناء الكعبة؛ فأعاد
بناءها، ورتب وظائف للكعبة، وحدد
مدلولاتها، وهذه الوظائف هي:
السقاية:
كان الماء عزيزًا بمكة بعد ردم بئر
زمزم؛ فكان مَن يلي الساقية يحضر
الماء من ديار بعيدة، ويضعه في حياض،
ويحليه بشيءٍ من التمر والزبيب؛
ليشرب منه الحاج.
الرفادة
وإطعام فقراء الحجاج: فقد فرض قصي على
قريش أن يقدم كل منهم شيئًا إليه
ليصنع طعاما لفقراء الحجاج. وقال قصي
في ذلك: يا معشر قريش إنكم جيران الله
وأهل بيته، وإن الحاج ضيف الله، وزوار
بيته هم أحق الضيف بالكرامة؛ فاجعلوا
لفقرائهم شرابًا وطعامًا أيام هذا
الحج؛ ففعلوا فكانوا يدفعون إليه
المال؛ فيصنع طعامًا للمحتاجين.
اللواء:
وهو الدعوة إلى الحرب برفع راية فوق
رمح ويتبعها قيادة الجيوش.
الحجابة:
وهي خدمة الكعبة المشرفة، وتولي
أمرها ومفاتيحها.
وبعد
قصي انتقلت وظائف الكعبة إلى ابنه عبد
الدار لكبر سنه، ثم أُعطيت السقاية
والرفادة لأبناء عبد مناف، وأُعطيت
الحجابة واللواء والندوة عبد الدار.
كساء
الكعبة قبل الإسلام
الكسوة
الشريفة، من أهم مظاهر التبجيل
والتشريف لبيت الله الحرام، ويرتبط
تاريخ الكسوة بتاريخ الكعبة نفسها،
تذهب بعض المصادر التاريخية إلى أن
إسماعيل بن إبراهيم -عليهما السلام-
قد كسا الكعب، والبعض الآخر يذهب إلى
أن عدنان جد النبي- صلى الله عليه وسلم-
الأعلى هو أول مَن كساها، غير أن
الثابت تاريخيًّا أن أول مَن كساها هو
"تبع أبي كرب أسعد" ملك حمير سنة
220 قبل الهجرة بعد عودته لغزوة يثرب.
عن
أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى
الله عليه وسلم- أنه نهى عن سب أسعد
الحميري وهو تبع، وكان هو أول مَن كسا
الكعبة كسوة كاملة – كساها "الخصف"،
وتدرج في كسوتها حتى كساها "المعافير"
وهي كسوة يمنية، كما كساها "الملاء"
وهي كسوة لينة رقيقة، وعمل لها بابًا
ومفتاحًا، ثم تبعه خلفاؤه من بعده
فكانوا يكسونها "الوصايل" وهي
أثواب حمر مخططة، و"العصب" وهي
أثواب يمنية يعصب غزلها أي يجمع ويشد.
وأخذ
الأمراء في تقديم الهدايا إليها من
الكساوى المختلفة، وكلما جاءت كسوة
طرحت سابقتها إلى أن جاء عهد "قصي
بن كلاب"؛ ففرض على القبائل رفادة
كسوتها سنويًّا، وما زالت قريش تقوم
بكسوة الكعبة حتى زمن "أبي ربيعة بن
المغيرة المخزومي" وكان من
الأثرياء، فقال لقريش: "أنا أكسو
الكعبة وحدي عامًا وجميع قريش عامًا،
فوافقت قريش، وسمي بذلك "العدل"
لأنه عدل بفعله قريشًا كلها.
وأول
امرأة كستها في الجاهلية هي "نبيلة
بنت حباب" أم العابس بن عبد المطلب،
وكانت قد نذرت ذلك، ولم يتح لرسول
الله- صلى الله عليه وسلم- كسوة الكعبة
إلا بعد فتح مكة، فكساها هو وأبو بكر
الصديق بالثياب اليمنية، ثم كساها
عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان "القباطي
المصرية" وهي أثواب بيضاء، رقيقة
كانت تُصنَع في مصر.
وفي
عهد معاوية جعل لها كسوتين، الديباج
يوم عاشوراء، والقباطي في التاسع
والعشرين من رمضان، واستمر هذا
النظام حتى سنة 160 هـ، وبعد انقضاء عهد
الدولة العباسية كساها سلطان مصر "الظاهر
بيبرس ركن الدين البندقداري" سنة 658
هـ، ثم كساها الملك المظفر حاكم اليمن
سنة 659، واستمر يكسوها بالتعاقب مع
سلاطين مصر إلى أن انفردوا بهذا الأمر
وحدهم في عام 751هـ.
وكانت
تخرج الكسوة في احتفال عظيم بحضور
الباشا أو نائبه؛ فيسيرون بها من
القلعة إلى مسجد الإمام الحسين إلى
حين خروج المحمل وقافلة الحجاج.
وفي
عام 1346 هـ/ 1926 م أصدر الملك عبد العزيز
آل سعود أمرًا ملكيًّا بتشييد مصنع أم
القرى الخاص بصناعة الكسوة الشريفة،
وجلب له أبرع الفنيين والعمال
المهرة، وفي عام 1382 هـ صدر مرسوم
بتجديد المصنع، واستمر إنتاجه حتى
عام 1977م، وافتتح مقرًّا جديدًا في أم
الجود، وما زال يؤدي رسالته مواكبًا
للتطور العلمي والفني. 
|