|
من
الضروري لبقاء الأمة واستمرار مسيرة
الحياة المثلى، يقظة الوعي بالمقدسات
والقيم وتنمية الذاكرة بأصول الدين
وأخلاقه، وإحياء القلب والعقل بأيام
الله المجيدة.
قال
تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتِنا أن
أخرجْ قومك من الظلُمات إلى النور
وذكِّرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات
لكل صبار شكور) (إبراهيم:5).
فالتذكير
بأيام الله هو التذكير بنِعَمِه
وآلائه، وفي قمة النِّعَم الدين
والشرع والقيَم.
والحج
فريضة إلهية تحيي ذاكرة الأمة،
وتُجَدِّد آمال الشعوب الإسلامية
وتُشحذ هِمَم المسلمين، وتَتعالَى
بنفس المؤمن وعقله إلى آفاق السموِّ
الروحي والملأ الأعلى.
إن
المسلم عندما يحج ويذهب إلى مكة لا
ينسى المدينة المنورة ويتوارد على
عقله وقلبه بيت المقدس الشريف.. فهذه
الأماكن الثلاثة لها من الذكريات
والمواقف والأحداث ما يجعلها دائمًا
في بُؤرة الشعور الإسلامي.
لقد
ارتبطت الصلاة والحج بالكعبة
المشرَّفة، قال تعالى: (وإذ جعلنا
البيت مثابةً للناس وأمنًا واتخذوا
من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى
إبراهيم وإسماعيل أن طَهِّرا بيتيَ
للطائفين والعاكفين والركع السجود) (البقرة:125).
وقد كانت المدينة المنوَّرة
متَلَقَّى المهاجرين والأنصار، وجعل
الله ثراها مثوًى لسيدنا محمد خاتم
الأنبياء والمرسلين.
وكان
الإسراء والمعراج رباطًا قدسيًّا
يجمع بين مكة والقدس وسيناء، حيث بدأت
الرحلة الميمونة من مكة ومرت بسيناء
وانتهت في القدس. ومن هناك صعد الرسول
-صلى الله عليه وسلم- إلى السماوات
العلا، إلى حيث العَلِيُّ الأعلى ثم
عاد من حيث بدأ، كل ذلك في جزء يسير من
الليل.. قال تعالى: (سبحان الذي أسرى
بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى الذي باركنا حوله
لنريَه من آياتنا إنه هو السميع
البصير) (الإسراء:1).
وأقسم
الله تعالى بمكة وسيناء والقدس في
قوله تعالىlm: (والتين والزيتون * وطور
سنين * وهذا البلد الأمين) (التين:1ـ3).
فالتين
والزيتون قسم ببيت المقدس، حيث ولد
عيسى عليه السلام ودعا إلى التوحيد
الخالص لله رب العالمين، وطور سينين
قسم بسيناء، حيث كلم الله موسى
تكليمًا، والبلد الأمين قسم بمكة
المكرمة، حيث وُلِد سيدنا محمد
وبُعِث وجاهد في الله حق جهاده،
فالتذكير هنا برسائل التوحيد التي
عمَّ نورها الآفاق.
وجمع
الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأرض
المقدَّسة في سياق واحد فقال: "لا
تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:
مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد
الأقصى".
فهذه
المساجد الثلاثة لها منزلة خاصة
وثواب مضاعَف، وتستحق اهتمام المسلم
وبالغ حرصه.
إننا
في حاجة قصوى إلى غرس الوعي لدى
الأجيال المسلمة بحرمة هذه الأرض
وقدسيتها، وإنها أمانة في أعناقنا
وعقد فريد لا يتجزَّأ، ويوم نرضى
بالدُّون لقدسنا الشريف نكون قد بدأ
التفريط في أعراضِنا كلها ومقدساتنا
جميعًا.
إن
الحج يغرس الوعي ويُحيي الذاكرة،
ويربي المسلم نفسًا وبدنًا، ويمنحه
سلوكًا اجتماعيًّا رفيعًا.
إن
الحج يُجَدِّد في المسلم الولاء لله
ورسوله والوفاء بعهد الله والحفاظ
على حُرْمة المساجد والأعراض مما
يؤصل فيه النقاء النفسي والإخلاص
الكامل.
إن
المسلم الحاج يقف طويلاً أمام آيات
القرآن الكريم يستشعر معناها
ويتلمَّس أماكن نزولها ويتذكر أحداث
تاريخها، ويُعيد تأملاته في مثل قوله
تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل
الله والمسجد الحرام الذي جعلناه
للناس سواءً العاكف فيه والباد ومَن
يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب
أليم) (الحج:25).
وهذا
ما يجعله في رباط إلى يوم القيامة.
**
أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر |