|
الإيمان والإسلام يبدآن
بكلمة التوحيد الخالص: لا إله إلا الله، تلك الكلمة التي جاهد
عليها الأنبياء جميعًا، فقد قالوا لأقوامهم: "اعبدوا الله ما لكم
من إله غيره". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل ما قلتُه
أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله".
وعندما يستقر التوحيد في
أعماق النفس الإنسانية تتبدى سلوكيات راقيَة وأقوال حكيمة وأفعال
خَيِّرة، وتتوالى أركان الإسلام بأنوارِها من الصلاة والصيام
والزكاة، ويأتي الحج ليمثِّل قمة هذا الإيمان والإسلام تشريعًا
وواقعًا.. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بُنِي الإسلام على
خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمَن استطاع إليه سبيلاً".
فالحج فريضة العمر
وتسبقه ضرورةً الأركان اليومية والسنوية، فالصلاة فُرِضت في بَدْءِ
الإسلام مرتين: صلاة بالغداة وصلاة بالعشي، ثم فُرِضت خمسًا في
الفعل وخمسين في الأجر والثواب ليلةَ الإسراء والمعرج قبيل الهجرة.
وفي حقها يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أرأيتُم لو أن نهرًا
بباب أحدكم يَغتَسِل منه كل يوم خمس مرات: هل يبقى من درنه شيء؟
قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو
الله بهن الخطايا".
وعندما يستقيم المسلم
على صلاته اليومية يأتي الصوم في شهر رمضان من كل عام ليُواصل مع
المسلم مسيرة النقاء النفسي والخلقي، وقد شُرِع الصوم في العام
الثاني للهجرة.
وفي فضائل الصوم وثوابه
يقول عليه الصلاة والسلام: "قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له
إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم
أحدكم فلا يرفُث ولا يصخَب فإن سابَّه أحد أو قاتَله فليقل إني
صائم، والذي نفس محمد بيده لخَلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح
المسك، للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطر وإذا لقي ربه فرح
بصومه".
وإذا كان المسلم يملك
نصابًا ماليًّا أخرج الزكاة كلما حال عليه الحول، وقد فرضت الزكاة
في العام الثاني للهجرة بعد فرضية الصيام. وهي طُهْرة للمسلم من
الشُّحِّ والبُخْل ونقاء للنفس والسريرة.
وهكذا تتكامل أركان
الإسلام ليصل المسلم إلى قمتها بأداء فريضة الحج التي فُرِضت في
العام السادس للهجرة.
ومن هنا فإن المسلم
الحاج يُفتَرَض فيه أنه التزم بأركان الإسلام كلها، وأدى واجبات
الدين بأجمعها، وعاد من حجِّه ليواصل مسيرة النقاء النفسي والصفاء
القلبي والطُّهر الخلُقي والسلوكي في كونه وعالمه الفسيح في عالم
الحياة.
وقد قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "العمرةُ إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج
المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
وقال صلى الله عليه وسلم:
"مَن حج فلم يرفُث ولم يفسُق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه".
ولحكمة ما فإن مناسك
الحج وشعائره تتضمَّن الصلاة والصيام والصدقة والذكر والدعاء.
فمن المشروع أداء ركعتين
خلف مقام إبراهيم بعد الطواف لقوله تعالى: (واتخذوا من مقام
إبراهيم مصلى) (البقرة:125).
ومن كفارات الحج الصيام
والهَدْي، قال تعالى: (فمَن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه
ففدية من صيام أو صدقة أو نسُك) (البقرة: 169).
إن الحج قائم على كافة
ألوان العبادة التي تشمل القلب والقالِب.
وتتمكَّن من النفس
والجوارح، وتنطلق من الإخلاص والتسليم المطلَق لله رب العالمين،
ولعل التلبية التي يُرَدِّدها الحاج في حرَكاته وسكَناته هي
التعبير الصحيح لخضوع الإنسان نفسًا وبدنًا لخالقه الأعظم: لبيك
اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا
شريك لك.
إن الذين يريدون الحج
ألقابًا، ويتخذونه تِجارةً، ويذهبون إليه سياحةً يفقدون أغلى ما
يحرِص عليه العاقل، ويُضيعون أثمن ما في الحياة، ويغفلون عن أعمق
ما في الوجود، وهو الإخلاص لله.
**
أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر |