English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

ثقـافيـة وفنيـة

رياضيـة | علميـة  | فقهيـة |  دعويـة | سياسيـة | ثقـافيـة وفنيـة | اجتمـاعيـة |مذاهب وأديـان | مؤسسـات


إدوارد سعيد.. الغائب عن مكانه حيا وميتا
‏معارك وخصوم على كل الجبهات

05/10/2003

ماجـد حـبـتـه

إدوارد سعيد

في كل مكان ذهب إليه إدوارد سعيد كانت الأحجار في انتظاره؛‏ فاللوبي اليهودي في أمريكا حاول دائما تشويه صورته؛ لأنه هاجم خرافات الصهاينة عن أن فلسطين كانت لليهود أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض، ولأنه لم يستثمر في يوم من الأيام ثقافته وحضوره الطاغي في العالم لاسترضاء الآخر والتماهي معه.

وبيننا (ولا يزال) من يتربصون بالمفكر الكبير ويتصيدون له جملة ملتبسة أو رأيا يحتمل الاختلاف ليشهروا عليه سيوفهم أو أقلامهم، وبين الاثنين فروق طفيفة! وقد يرجع السبب في ذلك إلى أن مؤلفاته بدءًا من "الاستشراق" حتى "الثقافة والإمبريالية" كانت وثائق تدين عصرًا ملغومًا بكل المفاهيم العرقية، وفلسفة النفي والإقصاء.

معارك عربية وأمريكية

ففي كتابه "الاستشراق: المعرفة.. السلطة.. الإنشاء" قام بتفكيك وتقويض أطروحات المستشرقين؛ فأثار لغطًا وردود فعل من قبل أولئك الذين يتحصنون في مواقعهم الأكاديمية الراسخة، وهم يظنون أنهم بمنجى عن أي نقد جاد وفاعل يمكن أن يزعزع مواقعهم تلك. وفي كتابه "تغطية الإسلام" فضح الآليات التي تتحكم بصناعة صورة الإسلام في وسائل الإعلام الأمريكية، ونجح كذلك في تقديم وجهة نظر فلسطينية مقنعة في الراديو والتلفزيون والصحف.

وفي كتابه "السلام ومعارضوه" ومن خلال موقعه كـ"فلسطيني" في الولايات المتحدة، و"أمريكي" في العالم العربي.. قدم الشرق والغرب بمعارك على الضفتين؛ ففي المقالات التي كتبت للطبعة الغربية تحدث عن زيف البرامج الحكومية الأمريكية، وإمبريالية إسرائيل وسياستها العنصرية. أما الطبعة العربية فكتب فيها عن تسويات القيادة الفلسطينية، ووحشية جهازها الأمني.

هنا تجيء المفارقة؛ فبعد انضمام إدوارد سعيد للمجلس الوطني الفلسطيني وصفه البعض بفيلسوف أو بروفيسور الإرهاب (وهذا عنوان مقال لإدوارد ألكسندر نشرته مجلة Commentary في أغسطس 1989)،‏ وحين عارض اتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل حاول يهود أمريكا إثبات أنه ليس من اللاجئين الفلسطينيين الذين لهم أي حق في العودة لوطنهم‏،‏ وفي وطنه في فلسطين لم يسلم من الهجوم والاضطهاد، وكان أول ما فعلته السلطة الفلسطينية هو مصادرة كتابه "سلام بلا أرض" وغيره من الكتب التي لم ترًق لها.

نيران الكراهية

حاربه اللوبي الصهيوني الأمريكي، لكنه لم يستطع إقصاءه؛ إذ كان الاحتفاظ به ضروريا كجزء من الديكور الديمقراطي الأمريكي؛ فتكيف، واستغل وضعه بحنكة وذكاء، فصار هاجسًا يقض مضاجع الطارحين لوجهة النظر الصهيونية هناك؛ الأمر الذي دفعهم منذ ‏10‏ سنوات تقريبا إلى حرق مكتبه في جامعة كولومبيا ليبقى من يومها وحتى وفاته يعيش تحت الحراسة المشددة، لكن هذه الحراسة لم تمنع عنه آلاف الرسائل البريدية والإلكترونية المحشوة بالكراهية والتهديد.

والمتربصون كانوا دائما في حالة ترقب؛ فبحديث إدوارد سعيد عن عامي 1947 و1948 في كتابه "خارج المكان" أصبح هدفا مقصودا لهجوم فاسد شنه محام أمريكي إسرائيلي اسمه جيستوس ريد وينر الذي كتب علي صفحات الـ"كومنتاري" في سبتمبر 1999 (أي قبل أسابيع من نشر هذا الكتاب في بريطانيا) أن المنزل الموجود في الطالبية (والذي كتب إدوارد سعيد أنه كان يسكنه) لم يكن مسجلا باسم "وديع إبراهيم" بل باسم ابن عمه وشريكه في العمل المدعو "بولس سعيد"، ومن ذلك زعم وينر أن سعيد زيف تاريخه ليؤكد مزاعم اللاجئين الفلسطينيين ضد إسرائيل.

معركة الحجارة

ولما ذهب إدوارد سعيد في يونيو ‏2000‏ إلى لبنان زار الجنوب؛ حيث الحزام الأمني الذي كانت تحتله إسرائيل، وسجن الخيام الذي أقامته سلطات الاحتلال الصهيوني في عام ‏1987‏ وعذبت فيه ‏8‏ آلاف شخص‏، وهناك ألقى بحجر؛ فهاجت الدنيا، ونشرت إسرائيل صورة له وهو يرمي الحجارة باعتباره إرهابيا، يشجع على إلقاء الحجارة على الإسرائيليين ويدعو للعنف ومعاداة السامية؛ وهو ما دفع بجمعية فرويد بفيينا إلى إلغاء محاضرة له كان سيلقيها بمقرها.

‏كما تعرض لهجوم عنيف بعد صدور كتابه "تأملات حول المنفى"، وبين من هاجموه كاتبة يهودية اسمها مارتا نسباوم، زعمت في مقال لها أن أحاديثه عن النفي والمنفى حالة ذهنية لا صلة لها بالواقع؛ فهو يعيش في الولايات المتحدة، ويدرس في جامعة كولومبيا منذ 38 عاما، وأنه في الواقع -على حد زعمها- يعاني من أزمة خاصة؛ لأن "المنفى" عنده هو ابتعاده عن الانتماء إلى أي هوية ثقافية.

غير أن أشد ما كان يؤلم سعيد -وهو حقا شيء قاس ومؤلم- أنه بين الحين والآخر كان يجد في العالم العربي من يشهرون سيوفهم ويسنون أقلامهم هجوما على رأي محرف قرأوه عنه!!

ولعل آخرها كان بسبب مقال انتقد فيه وبشدة السياسة الأمريكية تجاه العراق، وفضح فيه إحدى أهم الأذرع الأمريكية المبررة لتلك السياسة ونقصد "عدنان مكية"؛ فكان أن خرج عليه العشرات يحرفون آراءه، ويرمونه زورا بالعمالة للنظام العراقي السابق.. نظام صدام حسين!!

وجهة نظر إدوارد سعيد كانت تتلخص في أن الولايات المتحدة حركت جيوشها وأساطيلها، وعارضت إرادة العالم، وأنفقت المليارات لا من أجل تحرير العراق من طاغية.. بل من أجل تطويق المنطقة، وإكمال حلقة أفغانستان لصالح أمريكا وحلفائها في إسرائيل، والاقتراب أكثر من الدول التي تتجرأ على الرفض بصوت عال لسياسات أمريكا وطموحاتها‏!‏

معارك الداخل

وغير هذا المثال هناك أمثلة كثيرة، لعل أكثرها استفزازا تلك الآراء التي تناولت بشيء من الاستخفاف والزيف رأيه في روجيه جارودي.

ما قاله إدوارد سعيد بالتحديد عن جارودي أنه ترك مبدأه الفكري؛ فقد كان ماركسيا ثم ديمقراطيا ثم تحول لمفكر ديني بعد اعتناقه للإسلام، لم يكن في هذا الرأي أي تجاوز؛ فكل المنتج الإنساني قابل للنقد، لكن ما حدث هو أن البعض أساءوا فهم كلمة "مبدأه"، أو فسروها بسوء نية على أنه يقصد "دينه"؛ لتنطلق حملة الهجوم عليه، وعبثا حاول أن يقنعهم بعدم صحة ما فهموه من رأيه، ولم يلتفت أحد لتأكيده على أن دين جارودي حرية شخصية‏ له، أما آراؤه فهي في حاجة لمراجعة.

وهناك مثال أكثر سوءا، وهو تلك الحملة التي شنها عدد من المثقفين العرب، حين أعلن إدوارد سعيد عن قناعته بأنه يرى في كل ترجمة انتصارا للمؤلف، حتى لو كانت الترجمة إلى العبرية.

رأي كهذا يحتمل الاختلاف، ويحتاج نقاشا حول صحته أو خطئه، لكن كان هنا للأسف من أخرجوا من جيوبهم أختام التخوين والتكفير السياسي الجاهزة التي يتحسسونها لمجرد اختلافهم مع رأي لا يرونه صائبا حتى لو صدر عن مفكر بوزن إدوارد سعيد!!

رموه بتهمة معارضة عملية السلام، وجعلوه متناقضا مع نفسه حين وضعوا خطوطا عريضة تحت مشاركته في بدايات الحوار بين الفلسطينيين وإسرائيل عام ‏1979‏، ناسين أو متناسين رأيه الواضح والصريح عن أن الفلسطينيين كان يمكنهم الحصول على ما هو أفضل من اتفاقيات أوسلو وما تلتها من اتفاقيات.

أما اختلاف إدوارد سعيد مع عملية السلام وفق اتفاقات أوسلو وإلى الآن؛ فكان ناتجا من قناعته (التي لا يختلف عليها المؤمنون بالقضية) بأن المفاوض الفلسطيني يتنازل بلا مبرر‏، وبأن‏ الصراع مع إسرائيل اليوم يدور حول مصادرة الأراضي، دون أن يكون هناك حديث عن استرجاع الأراضي المسلوبة‏،‏ ولا نعتقد أن أحدا يستطيع أن يغمض عينيه عن نجاح إسرائيل في جعل السلطة تنوب عنها في دور الشرطي بسياسة "فرّق تسد"، لقد قالها إدوارد سعيد بشكل واضح: "أنا لست ضد عملية السلام أو المفاوضات، ولكنني ضد موائد التنازلات على حساب حقوق الشعوب ومصائرهم"، لكن المتربصين به أغلقوا آذانهم، ورددوا مقولاتهم التي لا نعرف‏ في أي مصب تنتهي؟!‏

ولم يقف المتربصون عند هذا الحد، بل زادوا وزايدوا زاعمين ومدعين أن إدوارد سعيد يعارض الانتفاضة ويهاجمها؛ لمجرد أنه نادى بضرورة تعديلها‏، حتى تتمكن من الصمود أمام قوة تدفع لها الولايات المتحدة 5 مليارات دولار سنويا.

كان يرى أن‏ الانتفاضة غير محمية،‏ وطالب الجميع بالتحرك لإكساب الانتفاضة صفة الشرعية في أوروبا تماما مثل الحركة المناهضة لنظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، ‏وكان ينادي بأن تصبح الانتفاضة حركة سياسية مسلحة منظمة لتؤتي ثمارها‏، مؤكدا أن‏ الوقت قد حان لتتحول الانتفاضة إلى حرب مستقلة بمعزل عن السلطة لكيلا يصبح وقفها شرطا للمحادثات كما يريد الإسرائيليون، ومطالبا‏ بوقف التنافس على تبني الانتفاضة بين الفصائل المختلفة لكيلا تصبح في نظر العالم وسيلة للتيار الرافض وليست حقا مشروعا‏.‏

إصلاح صورة العربي

ومن كل ما سبق يمكننا توقع حالة التمزق التي عاشها إدوارد سعيد وهو يرى الأحجار تأتيه من كل جانب، فيما كان هو لا يزال متمسكا بمبادئه ومستمرا في مشروعه الهادف إلى إصلاح صورة العربي (مسلما كان أم مسيحيا) التي اجتهد منظرو اللوبي الصهيوني الأمريكي في تشويهها.

مثال ذلك المحاورات شديدة الأهمية التي عرى فيها أطروحات برنارد لويس حول الإسلام والتي نشرت في كتاب سياسة التجريد، والإسلام الأصولي.

مهم هنا أن نشير إلى ذلك المقال الذي كتبه عام 1998، بعد صدور كتاب إف. إس. نايبول "ما بعد الإيمان.. رحلات إسلامية بين الشعوب المعتنقة" الذي حمل إجابات على كل الأسئلة التي طرحت نفسها بعد منح الأكاديمية السويدية (جائزة نوبل) في الآداب لهذا الشخص: نايبول.

إدوارد سعيد أشار في مقاله إلى أن شهرة نايبول ترجع إلى ذلك الاحتفاء الكبير من كبريات الصحف البريطانية والأمريكية التي "اكتشفته" بعد أن نشر آراءه المسمومة عن الإسلام والمسلمين، والتي وصفته بالخبير والأستاذ العظيم في فن الملاحظة الدقيقة والتفصيل المعبر، الذي يلبي بشكل خاص ذلك النهم العميق لدى القارئ الغربي لتعرية "الإسلام وفضحه".

لقد أراد نايبول في كتابه أن يقول بأن الإسلام دين العرب، وكل مسلم غير عربي ليس سوى "معتنق" لهذا الدين، زاعما أن الذين دخلوا الإسلام من غير العرب فقدوا هويتهم وخسروا ماضيهم ولم يقدم لهم الإسلام سوى الضياع والتعاسة، وهو الرأي الذي فنده إدوارد سعيد، ورد عليه بأنه لو كان صحيحا لأمكن اعتبار الكاثوليكية لا تصلح إلا لسكان روما أيضًا، وما عداهم من الكاثوليك؛ أي الإيطاليين خارج روما والإسبانيين والأمريكيين اللاتينيين... إلخ مقطوع عن تاريخه وتقاليده؟‍!

ومن كتاب نايبول خلص إدوارد سعيد إلى أنه -نايبول- تعرض في حياته لحادث فكري خطير، وأن هوسه العدائي للإسلام أدى به في شكل ما إلى التوقف عن التفكير أو ما يشبه الانتحار الفكري الذي يجبره على تكرار المقولة نفسها إلى ما لا نهاية.

الأمثلة على معارك إدوارد سعيد كثيرة، ومثال واحد منها يكفي لكشف الفارق بين أصحاب الهدف والباحثين عن دور وهمي أو الباحثين عن فضيحة!

اقرأ في الموضوع:

اقرأ أيضا:


مجاهيل ومشاهير

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع