|

|
|
إدوارد
سعيد
|
دائما
كان يرفض أن يلعب دور الضحية، ولم يضبطه
أحد متلبسا وهو يتحدث عن حياته طريدا
ومطاردا، بل كان على العكس يقول: "أنا
لم أعان قط نفس مصير أي لاجئ تعيس"،
والجملة ننقلها بنصها من كتابه "خارج
المكان" الذي تحدث فيه إدوارد سعيد عن
قاتله، عن سرطان الدم أو اللوكيميا،
ووصف كيف كان اكتشاف إصابته باللوكيميا
عام 1991 وخضوعه للعلاج منها هي دافعه
الأساسي لمحاولة اكتشاف ذاته، ولحرصه
على أن يترك سيرة ذاتية عن حياته في
العالم العربي؛ حيث ولد وأمضى سنوات
تكوينه في الولايات المتحدة حيث مدرسته
وجامعته أو جامعاته التي درس بها وقام
بالتدريس فيها.
إنها
حياة طويلة أنهاها سرطان الدم يوم
الخميس 25 سبتمبر 2003، قضاها إدوارد سعيد
وهو يشعر أنه مختلف عمن حوله، يعتقد
دائما أنه غير الآخرين وليس بالضرورة
أفضلهم.
حياة
الشتات منذ الطفولة
كانت
حياة غير مستقرة، عاشها طفلا ومراهقا
وشابا، حياة قلقة في علاقتها بالمكان:
السفر دائما، الانتقال من مكان إلى آخر،
وذلك الرحيل القسري بعيدا عن مسقط
الرأس، بعيدا عن الجذر، في كل مرة
أصدقاء جدد، وجيران جدد، وبالتالي قيم
جديدة، ومناخات اجتماعية وثقافية
مغايرة.
إنها
حياة تشبه قطع الموزاييك، لا بد من
ترتيبها بدقة لتبدو مفهومة، ومن هنا كان
بحثه الدائم عن المجهول هو محور حياته،
والثابت الوحيد فيها، وتلك قصة الرجل
الذي قضى عمره في غير مكانه، في غير
محله، أو بتعبيره هو خارج المكان!
عاش
طفولته في فلسطين، وخرج منها مطرودا مع
أسرته إلى بيروت؛ حيث الاضطرابات
الدائمة، ثم إلى مصر مع إرهاصات ثورة
يوليو.
طفولته
في فلسطين، كانت سلسلة من المآسي بدأت
حينما وجد أسرته وعمره 12 عاما تترك
منزلها هربا من المذابح، وبعد 40 عاما
وفي عام 1998 قرر بعد تردد أن يزور منزله
في شرق القدس، وكانت الصدمة حين وجد
مكانه مستوطنة يسكنها صهاينة، استقبلوه
بالمدافع، ورفضوا حتى أن يلقي ولو نظرة
واحدة على المنزل من الداخل، فرجع وهو
يبكي بشدة وفي ذهنه حلم واحد: حلم العودة.
تغير
المنزل، وتغير ساكنوه، لكن شيئا أهم من
ذلك لم يتغير، هو الأرض التي لا تزال إلى
الآن تنادي أصحابها وتعرفهم.
من
فلسطين خرج ولم يعد
فعندما
وجد أبوه وديع إبراهيم رجل الأعمال
العصامي بلدته "القدس" أصغر من
طموحاته انتقل بشركته المتخصصة في
أدوات الكتابة إلى القاهرة عام 1929؛ حيث
حقق نجاحا ملحوظا، وهو الرجل الذي قضى
فترة من حياته في الولايات المتحدة،
والتحق بجيشها، وخاض معه الحرب
العالمية الأولى، وورث عنه إدوارد
وإخوته الجنسية الأمريكية.
وفي
عام 1932 عاد إلى الناصرة ليتزوج "هيلدا
موسى" ابنة وكيل المعمودية التي ظلت
تحتفظ بجواز سفرها الفلسطيني، ولم تحصل
على الجنسية الأمريكية، وأصرت على
البقاء في مصر، ثم حصلت على الجنسية
اللبنانية بعد ذلك.
ثلاث
سنوات مرت على زواج هيلدا بوديع، بعدها
ولد إدوارد في القدس التي عاشت فيها
الأسرة حتى أوشك عام 1947 على الانتهاء؛
ليغادرها الطفل إدوارد ابن الثانية
عشرة في ديسمبر، مع أبيه وأمه وأخواته،
ولم يعد بعدها.
فى
القاهرة من موقع ثراء، وحماية ظاهرية،
كان الطفل إدوارد واعيا بالكاد، ببداية
الشتات الفلسطيني، ومن خلال عمته "نبيهة"
التي عاش في منزلها تعرّف لأول مرة على
التجربة الفلسطينية بوصفها تاريخا
وسببا للغضب والرعب الذي شعر به في
معاناة اللاجئين.
كان
فلسطينيا مسيحيا في مجتمع عربي مسلم في
مصر، وطفلا عربيا في مدرسة استعمارية
بريطانية في القاهرة، وبعد ذلك كان طفلا
أمريكيا -كما يفترض- باسم عربي واضح،
وملابس مدرسة بريطانية في مدرسة
أمريكية، وكذلك في القاهرة كان "أنجلوفوني"
في مجتمع "فرانكوفوني" والقائمة
طويلة وممتدة.
التمرد
على الذات
التمرد
كان دائما النقطة الفاصلة في حياته؛
فبعد أن أرسله والده إلى مصر للتعليم
والتحق بالمدرسة كان متمردا على
الأحوال السائدة آنذاك، لم تعجبه
رغم صغر سنه الهوة بين عالم الباشوات
والمصريين العاديين في الأربعينيات،
وفي كلية فيكتوريا بالقاهرة ضبطوه وهو
يلقي الأحجار خلال فترة الراحة لتناول
وجبة الغداء، وأدى ذلك إلى ضرب مبرح
بالعصا، وفقا لما أمر به الناظر ونفذه
"بكفاءة محايدة" الأستاذ لاجنادو
اليهودي الشرقي الأوروبي الذي سبق أن
سمعه "سعيد" ينصح ولدا أرمينيا كان
يغمس خبزه في مرق اللحم بألا يأكل مثل
العرب.
وتحت
تأثير آلام التعدي والإصابة أقسم
إدوارد سعيد وهو في الرابعة عشرة أن
يجعل حياتهم سوداء، دون أن يمسكوا به،
ودون أن يترك نفسه تقترب من أي منهم، وأن
يأخذ منهم ما يجب أن يقدموه له كاملا
وبطريقته الخاصة.
حاول
أبوه وأمه ومدرسوه وأشخاص كثيرون غيرهم
أن يوجدوه، ولذلك لم يتواءم أبدا؛ فكان
محبطا ودائما يعاني من المشاكل، ودفعه
ذلك إلى القول بأنه كان شخصا آخر، شخصا
مختلفا ومتميزا، وفي بعض الأوقات بدت
أمه كما لو كانت تعلم هذا أيضا، وبدت هي
أكثر من أي شخص آخر، قادرة على منحه حرية
الاقتراب من ذاته السرية، ولكنه لم
يستطع أن يعتمد عليها اعتمادا تاما؛
ليكتشف ذاته المختفية، وكانت أمه
بتدليلها له وبحثها داخله هي المؤسس
لحبه لأهم شيئين في حياته: اللغة
والموسيقى.
لكن
أباه كان يحارب لكي يشكله، لكي يخلق "إدوارد"
الذي تخيله، لكنه بإجباره على الرحيل
إلى "مونت هرمون" وهو في الخامسة
عشرة، والتخطيط لهجرته من القاهرة،
ومساعدته ماليا خلال سنوات دراسته.. جعل
من الممكن بالنسبة له أن يتحرر من هذا
القالب. هذه الملابسات لخصها إدوارد
سعيد في كتابه "خارج المكان" بقوله:
"وقع خطأ في الطريقة التي تم بها
اختراعي وتركيبي في عالم والدي
وشقيقاتي الأربع. فخلال القسط الأوفر من
حياتي المبكرة لم أستطع أن أتبين ما إذا
كان ذلك ناجمًا عن خطئي المستمر في
تمثيل دوري أو عن عطب كبير في كياني ذاته.
وقد تصرفت أحيانًا تجاه الأمر بمعاندة
وفخر. وأحيانا أخرى وجدت نفسي كائنا
يكاد أن يكون عديم الشخصية وخجولا
ومترددا وفاقدا للإرادة، غير أن الغالب
كان شعوري الدائم أني في غير مكاني".
كان
والده يريده طبيبا، وفعلا التحق بكلية
الطب لفترة، لكنه تمرد على هذه الدراسة:
كسر أنابيب الاختبار في المعمل، وامتنع
عن الذهاب.
لقد
تمرد حتى على اسمه الذي أطلقته أمه رغبة
منها في أن تكون لمولودها وسامة إدوارد
أمير ويلز الذي كان أكثر رجال العالم
وسامة عام 1935: عام ولادته!
لقد
احتاج إدوارد سعيد -كما كتب في مذكراته-
إلى أن يسلخ أكثر من 50 عامًا من عمره كي
يعتاد على هذا الاسم، أو لكي يشعر بضيق
أقل حيال اسم إنجليزي بعيد الاحتمال عن
أن يكون مقرونًا بـ"سعيد"، وهو اسم
عائلة عربي صميم.
ولذلك
فكثيرًا ما كان ينطق اسم "إدوارد"
بسرعة كبيرة ويشدد على اسم "سعيد"،
وأحيانا أخرى كان يربط الاسمين معًا
وينطقهما بشكل سريع كي لا يتضح أي منهما!!
في
بئر الثقافة الأمريكية
من
مصر هاجر إلى الولايات المتحدة سنة 1957،
ومنذ هذا التاريخ وحياته كلها في
الولايات المتحدة؛ تشرب بثقافتها،
مفكرا بلغتها. فمنذ الطفولة وهو يتحدث
باللغة الإنجليزية في البيت، بحيث لا
يعرف أي اللغتين هي لغته الأم.. هل هي
العربية أم الإنجليزية؟ لأن اللغتين -وربما
الإنجليزية بدرجة كبرى- كانت هي لغة
الحديث في بيت والديه.
في
أمريكا درس ونال البكالوريوس من جامعة
برنستن، كما نال الماجستير والدكتوراه
في الأدب المقارن من جامعة هارفارد،
وخلال تلك السنوات كره الرئيس ترومان
عاشق الصهاينة، وأعجبه موقف روزفلت في
حرب 1956، وأعجبه أيضا مارتن لوثركينج،
لكن هذا الإعجاب تحول لكراهية شديدة حين
أعلن حماسه لانتصار الكيان الصهيوني في
حرب 1967.
غير
أن ذلك كله وازى تفوقا دراسيا أهّله لأن
يعمل أستاذا ومحاضرا في العديد من
الجامعات، بينها جامعات هارفارد
وستانفورد وهوبكنز، ومنذ عام 1963 وهو
يشغل منصب أستاذ كرسي للأدب الإنجليزي
والأدب المقارن في جامعة كولومبيا
بنيويورك إحدى أهم خمس جامعات في
العالم، وميزانيتها تعادل ميزانيات
الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان مجتمعة،
وفيها حوالي 4 آلاف أستاذ جامعي، وبين
هؤلاء 5 فقط يحملون لقب أستاذ الأساتذة،
منهم إدوارد سعيد الذي اخترق بعلمه
وثقافته حضارة الغرب الأمريكي، وحاور
المستشرقين في بريطانيا وأمريكا
وسواهما حول قضايا حيوية، كاشفًا خطورة
المعرفة غير المقترنة بالشجاعة على
الاعتراف بالآخر بعرقه وجنسه وثقافته،
بحضارته ووطنه وأرضه ودولته، وطارحا
نفسه بقوة كأحد نقاد الغرب الكبار الذين
يعيدون النظر في كل منجزات الحضارة
الغربية، من داخلها وليس من خارجها،
وكتبه كلها تأتي في هذا الاتجاه منذ
كتابه الشهير عن الاستشراق إلى كتابه عن
الثقافة والإمبريالية. وهو ما جعلها تجد
رواجا كبيرا في المجتمع الأمريكي وقراء
الإنجليزية بشكل عام. إذ كان من أكثر
الكتاب في الغرب ملاحقة لما تصدره دور
النشر حول ما يمس المجتمعات الشرقية.
وإلى
جانب كل ذلك فإن لإدوارد سعيد ثمانية
كتب عن فلسطين تمت ترجمتها إلى 35
لغة، لكنه حتى مات كان يشعر أنه لم يفعل
شيئا.
الحزن
الأمريكي
رأى
أن أصعب شيء في الحياة وأكثر مشقاتها أن
يشعر الإنسان أنه بلا وطن أو مكان يعود
إليه، هذا الإحساس كبر في أمريكا، كان
يدرك في وطنه في فلسطين أن علاقة كل من
حوله بالصهيونية تزداد قوة يوما بعد
يوم، وفي نيويورك عانى كثيرا حتى يستطيع
التعامل مع زملائه اليهود.
وحتى
وفاته كان مترددًا في الانتماء لأمريكا
انتماءً تامًا، بعد 50 عامًا فيها؛ فهو
يقول: "ازداد حزني كلما ازدادت
أمريكيتي، وصممت على مواجهة هذه
الأمركة"، فهو فيها منفي بلا جذور،
ولكنه اعتاد الحياة فيها، وحبه لها نابع
من اعتزازه بـ50 عاما من عمره!
وحين
وضع سيرته في كتاب جعل عنوانه "خارج
المكان" مستغلا قدرته على المناورة
في أفق البلاغة والفلسفة والسياسة
والتاريخ في آن واحد؛ فهو لا يغادر
المكان جغرافيًا إلا من أجل أن يعود
إليه رمزيًا ليحتويه ويعلن انتماءه
إليه، وعدم تخليه عنه، والإمساك به حتى
الرمق الأخير.
عاش
ومات معتزا بفلسطين ومؤمنا بحقوقه وحق
كل الفلسطينيين في الأرض، وحالما
بعودته ليعيش في وطنه ولو ليوم، وهو
الحلم الذي لم يستطع تحقيقه ولن يستطيع
الملايين غيره أن يحققوه طالما بقيت
المنطقة تحت رحمة الاحتلال: المعلن في
فلسطين والمستتر في الدول الباقية!
اقرأ
في الموضوع:
اقرأ
أيضا:
|