|
"لا
أدري متى تزول أمريكا، لكنني أعتقد أنه
في القريب.. فأمريكا تحولت إلى
إمبراطورية.. وأي إمبراطورية أرادت أن
تحكم العالم بالقوة تهاوت سريعا"
هكذا قال د.تشندرا
مظفر رئيس "الحركة الدولية من
أجل عالم عادل" International Movement for a Just World
المعروفة اختصارا باسم "جاست-JUST".
ويعد
من أهم مواقف الحركة الإستراتيجية
وقوفها بقوة أمام الهيمنة الأمريكية،
فالحركة تنظر إلى المواقف الأمريكية في
إطار النظام العالمي الجديد على أنها
شكل جديد من أشكال الإمبريالية، يمكن أن
نسميه "الإمبراطورية" لتوافر
الركنين اللذين يجعلان الدولة
إمبراطورية، وهما:
السيطرة
والتحكم، فللإمبراطورية الأمريكية
قواعد وتدريبات عسكرية في أكثر من 60
دولة، ومئات الألوف من جنودها منتشرون
في العالم، وهي تسيطر على النظام
الاقتصادي والسياسة العالمية،
وثقافتها هي الأكثر شهرة عالميا.
والركن
الثاني:
ممارسة
الأفراد والجماعات لحياتهم اليومية
بالنمط الأمريكي.. فكل الطرق اليوم تؤدي
إلى واشنطن كما كانت تؤدي إلى روما
قديما، فما نراه اليوم هو ما شهده
العالم سابقا من انتشار ثقافة وقيم
وأسلوب حياة الغزاة بين شعوب الدول التي
تغزوها الإمبراطورية، كما يتحدث عن ذلك
ابن خلدون.
حصاد السنوات العشر
10 سنوات مضت على قيام حركة جاست، ففي
أغسطس 1992 انطلقت الحركة من جزيرة بينانغ
الماليزية، ومع الأيام تؤكد جاست دورها
المهم في توعية سكان "الجنوب"، بل
وسكان "الشمال" أيضا بحقائق ومخاطر
النظام العالمي الذي نعيشه.
تأسست جاست على يد 3 من المثقفين
والناشطين الماليزيين، سعيا نحو تحقيق 5
أهداف رئيسية، وهي:
1. الارتقاء بالوعي العام بقضايا
اللامساواة والظلم في النظام العالمي
القائم.
2. خَلق فهم أفضل على المستوى الجماهيري
للكيفية التي سيطرت بها نخبة، تشكل
أقلية، بالنظام العالمي.
3.
بناء إدراك أعمق لدى الناس في كل أنحاء
العالم بأهمية ظهور مؤسسات تعمل على
ظهور نظام لعالم عادل.
4. رفع الوعي العالمي بالأهمية البالغة
لبلورة الأفكار التي ستساعد على تحقيق
مجتمع دولي عادل.
5.
العمل على غرس تعهد بالتزام الأسرة
البشرية ككل بقيم روحية ونظرة أخلاقية
للحياة والكون منبثقة من وحدانية الله
سبحانه، باعتبارها مرشدة البشرية في
سعيها نحو الحياة في ظل عالم عادل.
في أي مناخ تأسست "جاست"؟
يرجع
د.تشندرا
مظفر رئيس ،حركة "جاست" أسباب
تأسيسها عام 1992 لعدة أمور هي، كما يقول:
أولا- شعرنا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي
بسيادة السياسة التسلطية لقطب واحد،
بما لم يترك مجالا للشك أن النظام
العالمي الجديد سيؤثر على الجميع.
ثانيا-
في تلك الآونة لوحظ أن حركة المؤسسات
الدولية، كمنظمة عدم الانحياز ومنظمة
المؤتمر الإسلامي ضعيفة جدا، لذلك جاءت
قناعتنا بضرورة ظهور حركات المجتمع
المدني لتقوم بتوعية الجماهير بما يدور
في العالم.
ثالثا-
إن دور تيارات اليسار في العالم لم يعد
كافيا ولا مناسبا في الظرف الجديد،
وبرزت ضرورة عمل شعبي منبثق من الأديان
وليس من الإسلام فقط، وذلك بهدف مخاطبة
الجميع، لأهمية الجانب الروحي في
مواجهة التحديات الجديدة، وفي سبيل ذلك
فإننا من ناحية العضوية لا زلنا منفتحين
لكل مؤيد لنا من مختلف الأعراق والأديان
والدول.
الفهم والتحليل.. أولويات الحركة
تركز
جاست على مجالين للعمل:
الأول
دراسة القضايا المصيرية وتحليلها نقديا
ليس من منطلق المعارضة، لكن بـما يسميه
رئيسها: "الانتقاد التقييمي" لكل
قضية في النظام العالمي القائم.
أما
المجال الثاني فهو السعي لتعزيز الحوار
بين الحضارات بما هو مشترك بينها من
القيم والمبادئ؛ لأن هذا هو أحد أركان
حل مشاكل العالم.
وفي حين يأخذ البعض على "جاست"
تخليها عن الشأن الداخلي في الدول
النامية من ظلم اجتماعي وديكتاتورية،
فإن "جاست" تؤكد أن عليها تشجيع
الجميع على قول كلمة الحق على شتى
الأصعدة دوليا وإقليميا.. لكن في نفس
الوقت فإن على أي منظمة تنشد النجاح أن
تركز على أحد الأبعاد لتحقق نجاحا فيه
وليكون لها تأثيرها، ولذلك فالحركة
تركز على البعد الدولي ليس من قبيل عدم
أهمية القضايا الداخلية، إنما فقط
لتحقيق التخصصية.
آليات العمل وسبل تلاقي الجهود
ترتكز الحركة الدولية في عملها على لجان
محلية، ومجموعات أصدقاء وأعضاء داخل
ماليزيا وخارجها، بالإضافة إلى المجلس
الاستشاري الدولي، كما تعتمد في
تمويلها على التبرعات من قبل الشخصيات
الماليزية والأعضاء الفاعلين.
وتهدف الحركة مستقبلا إلى عمل استثماري
يحقق ما ترجوه الحركة من استقلالية تامة.
عرفت الحركة بنشراتها وتعليقاتها
وكتبها التي توزع على 4 آلاف من الشخصيات
المعروفة والمنظمات في 130 دولة، ومن أهم
أنشطتها تنظيمها لـ 16 مؤتمرا دوليًّا،
بالإضافة إلى 22 محاضرة رئيسية حتى الآن
تتسم جميعها بأنها تتناول قضايا حية
منها: الحوار الإسلامي البوذي – الدين
والثقافة والصراع في آسيا – الأسرة في
المجتمع المعاصر – الكفاح من أجل عدالة
عالمية – علاقات الشمال والجنوب –
الإسلام والغرب – دور الأمم المتحدة
المستقبلي – قضية محاربة الإرهاب
والسياسة الدولية بعد 11-9-2001م.
وأبرز ما يدور في محاضرات الحركة أنها
تتحدث عن الإسلام والمسلمين في مواجهة
القضايا المعاصرة التي تهم المسلمين
وغير المسلمين على حد سواء.
جاست ومخاطبة العالمين
الإشكالية الكبرى التي تواجهها جاست هي
مخاطبة جمهور متباين الأفكار والأديان
والأعراق، لكن "جاست" حققت نجاحا
معقولا في الاهتمام بقضايا تهم الجميع؛
إذ إنها تعمل وهي تستبطن روح ونص حديث
الرسول صلى الله عليه وسلم حول حلف
الفضول، حيث التحالف من أجل نصرة
المظلوم والوقوف في وجه الظالم، وهي
المبادئ التي لا نفرق فيها بين المسلم
وغير المسلم، فالعدل والظلم قيم
إنسانية عامة.
ففي القضايا الخاصة بالمسلمين مثل
القضية الفلسطينية، أو العراقية، أو
قصف أفغانستان… استطاعت جاست أن تلقى
دعما وتأييدا من المجموعات غير
المسلمة، وكذلك الحال في القضايا
المتعلقة بغير المسلمين، مثل الأوضاع
في التبت أو سريلانكا فإنها تجد استجابة
من المسلمين أيضا.
ولذلك فالنقطة الرئيسية التي تنفذ منها
جاست هي القدرة على إثبات الظلم الواقع
في مكان ما ومخاطبة الناس من خلال
مشاعرهم الفطرية وإنسانيتهم التي تملي
عليهم حبا لسيادة العدالة والمساواة.
ومن القضايا التي اتفق فيها شتات أديان
وأفكار مختلفة: اجتماع 228 منظمة آسيوية
من خلال وثيقة حول حقوق الإنسان، وفي
أبريل 2002 بدأت جاست بإطلاق حملة تدعو
إلى احترام أماكن العبادة، وهي رسالة
تتخطى حواجز جميع الأديان.
ومن أهم القضايا الإسلامية التي
تناولتها جاست بمفهوم إنساني: القضية
البوسنية، فقد جمعت جاست ممثلين عن 7
أديان رئيسية، وكذلك حقوق الإنسان في
كوسوفا التي أصدرت حولها وثيقة من ممثلي
الأديان المختلفة.
ضد الهيمنة لا ضد أمريكا
ترى جاست أن واجبها هو التأكيد على أن
الحركة لا تقف ضد أمريكا، بل ضد سياسات
العولمة التي ستضر حتى البسطاء من
الأمريكيين الذين يفقدون فرص عملهم
بسببها، فجاست لا تنظر إلى المعادلة على
أنها: "الغرب في مواجهة الآخرين"،
ولكن: "نظام السيادة والسيطرة في
مواجهة الآخرين".
وعلى الرغم من هذه النظرة فإن جاست
تعتقد أن أمريكا هي آخر إمبراطورية في
تاريخ البشرية، بل إنها لن تدوم طويلا
لعمق مشاكلها الداخلية الاقتصادية
والاجتماعية، بالإضافة إلى أن أي
إمبراطورية تحاول تطوير وبناء جيش ضخم
تغزو به العالم بدافع السيطرة والتحكم
وإذعان الآخرين لها تكون تلك بداية
نهاية تلك الإمبراطورية.
وترى جاست أنه بعد سقوط الإمبراطورية
الأمريكية سيشهد العالم نهوض حضارة
دينية عالمية ربما تكون الأديان كلها
مشاركة في صنعها، ويتوقع أن يكون
للإسلام دور الريادة والصدارة فيها.
تبني "جاست" رؤيتها حول انهيار
أمريكا المتوقع على قاعدة أن القوى التي
تستهزئ بالعالم كله وتكذب عليه في سبيل
مصلحتها لا يمكن أن تستمر في الوجود،
ويضرب د. مظفر مثالين على ذلك.
المثال الأول: أن وسائل الإعلام
الأمريكية لا تفسح المجال للأمريكيين
الذين يقولون رأيا مخالفا لسياسة
إدارتها - كنعوم
تشومسكي مثلا - مع أنه اسم ذو ثقل
عالمي وله احترام ومكانة لا تنكر.
والمثال الثاني: ما حدث خلال حشد واشنطن
الرأي العام العالمي ضد العراق قبيل حرب
الخليج الثانية، فقد هزت العالم قصة
الأطفال الكويتيين المبتسرين في إحدى
مستشفيات الكويت الذين قيل بأن الجنود
العراقيين عندما دخلوا المستشفى هجموا
على الأطفال، وقاموا بإخراجهم من
حضَّاناتهم وأسرّتهم، ورموهم على أرضية
المستشفى، ولإثبات القصة جيء بفتاة
كويتية قيل إنها ممرضة كانت تعمل هناك
لتدلي بشهادتها أمام الكونجرس
الأمريكي، حيث بكت وكان لكلامها أثر في
قلوب العالم كله، ولكن بعد شهور قليلة
تبين أن هذه الفتاة لم تكن ممرضة، لكنها
ابنة السفير الكويتي في واشنطن، ولم تكن
في المستشفى أصلا، وأن الحادثة لم تحصل
لكنها كانت جزءا من حملة العلاقات
العامة التي قامت بها شركة أمريكية
متخصصة بالحملات الدعائية.
الأهداف المستقبلية.. هل تتحقق؟
ويمكن ببساطة أن ينتقد المتابع – عن بعد
– أسلوب عمل الحركة لأنه "نخبوي"،
حيث يهتم بقادة الرأي والإعلاميين
والسياسيين فحسب، لكن جاست ترنو إلى أن
تصل للإنسان البسيط أينما كان، وترى
إمكانية إشراك رجل الشارع في فعالياتها
من خلال إقناعه بأهمية القضايا الدولية
وذلك بأسلوبين.
الأول: جعل الفلاح والعامل يعتقد أن
القضايا المحلية التي أمامه مهمة،
لكنها لا تتأثر فقط بالمتغيرات المحلية
بل تتأثر كذلك بالعوامل الخارجية.
الثاني: تفعيل دور الإعلام؛ فوسائل
الإعلام عليها أن تعمل على إيضاح
التحديات والمخاطر التي تهدد البشرية
لكل الناس.
فهل تستطيع جاست تجاوز التحدي الذي
تواجهه أم تظل "تبشر في المؤمنين"..
الأيام كفيلة بأن نعرف.
اقرأ أيضا:
مواقع ذات صلة:
|