English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

اجتمـاعيـة

رياضيـة | علميـة  | فقهيـة |  دعويـة | سياسيـة | ثقـافيـة وفنيـة | اجتمـاعيـة |مذاهب وأديـان | مؤسسـات


"حبيب الله".. حبيب الأسرى والمعتقلين

13/06/2002

أشرف سلفيتي - نابلس 

"إلى أغلى الرجال، وأنبل بني البشر، إلى من قدموا حريتهم وحياتهم على مذبح الحرية لأجل تحرير الأرض والإنسان والوطن.. إلى أبطال الحركة الأسيرة إلى لبؤات وشمعات فلسطين اللواتي يقبعن في عتمة زنازين سجن الرملة أقدم لكم تحياتي.. وكل ما أملك من جهد، أعاهدكم أن أبقى في خدمتكم وخدمة أهلكم وأطفالكم لحين إطلاق سراحكم، وأن مغيب شمس الاحتلال آت لا ريب فيه وبزوغ فجر الحرية والاستقلال آت ما دام يوجد رجال مثلكم يذودون عن الوطن ويضحون في سبيله بالغالي والنفيس من أجل حريته واستقلاله، وإننا على العهد ماضون".

هذه كلمات وعْد الشرف الذي قطعه على نفسه للأسرى العرب في سجون الاحتلال الصهيوني، هو أحمد حبيب الله – أبو هشام- ابن قرية "عين ماهل" الجليلية الواقعة داخل أراضي 48، وهي قرية معروفة بمواقف أهلها الصلبة في الدفاع عن أراضيهم ومقاومة التهجير، حيث لم يغادر أحد من أبنائها بيته يوم نكبة 1948.

حبيب الله.. حبيب الأسرى والمعتقلين

حدثنا أبو هشام ذات يوم في مقر جمعية أصدقاء المعتقل والسجين في مدينة الناصرة عن بداية مشواره مع المعتقلين بعد أن تنهد طويلا قائلا: "بدأ انشغالي بقضية الأسرى والمعتقلين منذ الأيام الأولى للاحتلال العام 1967، حيث ظهرت حاجة هؤلاء المعتقلين والأسرى إلى من يقف إلى جانبهم، ويوفر لهم الاحتياجات البسيطة التي لا تتاح لهم مثل الألبسة والقهوة والشاي وزيارة المحامي... إلخ، وتوفير بعض الاحتياجات لأطفالهم من ملابس وقرطاسية وبعض المؤن".

إلى هنا ودوره يتشابه مع كثير من الجمعيات الخيرية، لكنه بخلاف غيره من القائمين على المؤسسات الأخرى، لم يعتمد في نشاطه على الدعم المالي من جهات خارجية، لقد وجد أبو هشام في المخزون الوطني لدى فلسطيني 48 المصدر الوحيد لتسيير نشاط جمعيته، وتكاد تكون الجمعية الخيرية الوحيدة التي لا يتقاضى أي من موظفيه راتبًا أو مكافأة بمن فيهم رئيسها الذي كان متفرغا بشكل كامل لنشاطاتها.

"حركة الأرض".. نشاطات وطنية

لم يبدأ نشاط "حبيب الله" الوطني بدءًا من 1967؛ إذ تعود جذور نشاطه إلى مطلع خمسينيات القرن الماضي حيث التحق بـ "حركة الأرض" وهي حركة قومية للدفاع عن الأرض والهوية الوطنية، وقد حظرت سلطات الحكم العسكري الإسرائيلية آنذاك نشاطها بعد سنوات قليلة من خروجها إلى النور.

وحبيب الله واحد من ضحايا الحكم العسكري الذي فرض الأحكام العرفية القاسية على فلسطينيي 48 لمدة عشرين عاما. فقد حرمته السلطات من مجرد التقدم لامتحانات الثانوية العامة عام 1950، كما منعته من مغادرة قريته من عام 1960 وحتى عام 1967 الذي احتلت فيه الضفة الغربية التي منع من دخولها حتى العام 1978.

وقد سمحت سلطات الاحتلال لحبيب الله بزيارة الأسرى والمعتقلين في سجونهم لفترة من الوقت ثم عادت ومنعته من ذلك عام 1998 بذريعة ممارسة التحريض.

الرجل يشم رائحة السجناء والأسرى

مجموعة من الأسرى العرب داخل باحة السجن 

هكذا بدا الأمر.. لقد كان يتعرف على النزلاء الجدد فور إيداعهم المعتقل، فخلال السنوات التي كان يسمح فيها لحبيب الله بزيارة السجون كان أول من يعرف بوصول أي معتقل أو أسير إلى سجون الاحتلال، وقد كان ذلك يتم بطريقة مخادعة للعدو، فقد وثَّق حبيب الله صلته بسجناء جنائيين عرب في سجن الرملة وعمل على كسب ودهم، واكتسب مع الوقت ثقتهم، فكانوا يتصلون به مستغلين الحرية النسبية المتاحة لهم كجنائيين، لإخباره بوصول الأسرى الجدد، وفي اليوم التالي كان يحمل كل ما يحتاجه المعتقلون من مال وملابس ومواد تموينية. وحتى عندما كان يمنع من زيارة السجون كان "حبيب الله" يرتب أحواله مع المحامين الذين يقومون بهذه المهمة.

قضية الأسرى.. انتماؤه الوحيد

وطوال العقود الطويلة الماضية من تطوعه لخدمة المناضلين الفلسطينيين والعرب، تميز الرجل كما يؤكد من عرفوه بمعاداته للفئوية، حيث كان يخدم المعتقلين والأسرى بصفته الإنسانية والنضالية، وليس الفصائلية كما تفعل بعض المؤسسات.

انتمى إلى قضية الأسرى دون أي اعتبار أو حساسيات من أي نوع فقد سمع ذات يوم عام 1997 عن وجود 7 لبنانين جدد في أحد سجون الاحتلال الإسرائيلية منهم 3 نساء و 4 رجال، فسارع لإرسال محامي الجمعية لزيارتهم، لكن المحامي عاد بخيبة أمل لأنهم أعضاء في حزب الكتائب، لكن أبو حبيب لم تثنه معرفته بأنهم كتائبيون عن تبني قضيتهم وتلبية احتياجاتهم، طالما أسرهم العدو الصهيوني.

وقال أبو هشام: سارعت إلى شراء ما يحتاجونه من ملابس وأرسلتها إليهم مع محامي الجمعية الذي تابع قضيتهم حتى محاكمتهم، حيث صدرت بحقهم أحكام بالسجن تتراوح من 4 إلى 7 سنوات.

مواقف إنسانية مؤثرة.. في جعبة السنين

لقد اختزنت ذاكرة "أبو هشام" الكثير من المواقف الإنسانية المؤثرة التي عاشها خلال تجربته الطويلة في خدمة الأسرى والمعتقلين، ومنها موقف شهده في قاعة محكمة "دوتان" قرب مدينة جنين بالضفة الغربية لمعتقل فلسطيني قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إبعاده إلى الأردن، وقبل التنفيذ جاء طفله الصغير ليودعه في المحكمة في مشهد انتزع الدموع من مآقي الحضور بمن فيهم مجندة إسرائيلية تعمل في المحكمة.

مكتشف المقابر الجماعية

أما المواقف التي عاشها حبيب الله في بحثه الدؤوب عن الشهداء فهي كثيرة ومريرة مرارة فقدان الأبناء، ويسجل للرجل أنه قد كشف عن مقبرتين تضمان رفات عدد من الشهداء، واحدة في قرية وادي الحمام قرب طبريا، والثانية على حدود الأراضي السورية المحتلة (الجولان).

وتروي ذاكرة "حبيب الله" لنا حكاية تلك الأم التي جاءت من مخيم حطين في الأردن بحثا عن جثة ابنها الذي استُشهد في عملية عسكرية على الحدود، وقد طافت على المقابر والمؤسسات بل والشخصيات العربية طوال 6 أشهر بحثا عن مصير جثة ابنها لعلها تحظى بنظرة أخيرة عليه إلى أن أصابها اليأس وعادت من حيث أتت، لكنها أودعت البحث عن ابنها أمانة في عنق حبيب الله حتى عثر على جثته.

وأكد حبيب الله أكثر من مرة على أن ثمة شهداء كانوا يدفنون في قبور جماعية مثل شهداء الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية العام 1982 الذين كانت تُنقل جثثهم في شاحنات وتُلقى في قبور جماعية دون تدقيق في هوياتهم أو حتى في حالاتهم الجسدية لمعرفة إذا كان بينهم جرحى أحياء أم أن كلهم قد لقوا حتفهم.

"المختبر".. الصفحة الأكثر رعبا

وكثيرة هي الصفحات المؤلمة والقاسية والمرعبة في تجربة هذا المناضل العتيق، لكن أكثرها إيلاما على الإطلاق الصفحات السوداء عن معسكر الإعدام "جدوت" ويقع في أقصى الشمال من حدود إسرائيل مع سوريا.

وكان أبو هشام يصفه دائما بـ "سجن التصفية الجسدية" و " المختبر" إجراء التجارب على الأسرى الفلسطينيين والعرب رغم أنه لم يمتلك أدلة مادية قاطعة على ادعائه، لكنه سرد العديد من القرائن للدلالة على صحة أقواله منها اختفاء العشرات من الأسرى الأحياء بعد أسرهم واعتقالهم.

فقد وردت إلى الجمعية العشرات من أسماء مقاتلين أُسروا أحياء في الميدان بشهادة رفاق لهم نجوا من الأسر ثم اختفوا، ولم تظهر أسماؤهم في قوائم المعتقلين، ولم تُضف قبور جديدة في مقابر الأرقام التي دأبت الجمعية على مراقبتها لهذا الغرض.

ويؤكد محامي الجمعية "توفيق بصول" هذه الأقوال بقوله: من خبرتي في ملفات الأسرى والمعتقلين والمفقودين، هناك الكثير من الأشخاص الذين فقدت آثارهم تماما بعد أسرهم واعتقالهم، ولم تظهر أسماؤهم لا في سجلات الأسرى ولا الشهداء والمصير الوحيد المتوقع لهم هو القتل في ظروف غامضة، ويتبنى حبيب الله بقوة أن تكون المؤسسات العسكرية والأمنية الإسرائيلية أخضعت هؤلاء المعتقلين والأسرى لتجارب دوائية وطبية خطيرة.

أبو هشام الإنسان.. دومًا يطارد الخير

يشهد من عرفوا حبيب الله - وأنا واحد منهم - بتغلغل الإنسانية كمبدأ فيه، ولعل ذاكرتي تسعفني بموقفين اثنين عشتهما مع الرجل: أما الأول وهو بعد اقتحام مخيم بلاطة بالضفة الغربية، حيث اتصل بي، وطلب مني أن أزوره في البيت بصفة عاجلة، وأعطاني مبلغا من المال وسبعة أثواب جديدة وكمية من زيت الزيتون، وطلب مني إيصالها إلى أرملة في المخيم كان قد شاهدها على شاشة التلفاز وقد تهدم بيتها ولم يبق لها ولأولادها السبعة مأوى.

وأما الموقف الثاني فكان بعد أن قامت قوات الاحتلال الإسرائيلية بعملية السور الواقي في الضفة الغربية بأسبوع، كنت أرفع سماعة الهاتف متصلا بهاتفه النقال (المحمول)، وبعد عدة رنات رد الطرف الآخر، وكان الصوت متعبا فقلت: أبو هشام؟ فأجاب: لا. فظننت أني أخطأت في الرقم فاتصلت ببيته فقلت السلام عليكم فعرفني أبو هشام وسألته عن رقم نقاله للتأكد منه فقال لي الرقم صحيح، ولكن الجهاز ليس معي بل أعطيته لجريح من مخيم جنين بعد أن زرته في المستشفى.

وانتهى المشوار.. ليبدأ الحصاد

يوم الخميس الموافق الثامن من مايو 2002 ، وبينما كان يقود حبيب الله سيارته خلال عودته من بلدة "كَفْر مندا" شمال فلسطين وهو يحمل التبرعات والمواد الإغاثية لصالح الأسرى والمعتقلين وذوي الشهداء الفلسطينيين صدمه سائق طائش، وهو ما استدعى نقله إلى المستشفى الإنجليزي في "الناصرة" لتلقي العلاج، ويبدو أنه قد تماثل للشفاء بالفعل ليخرج بعد يومين.

 وفي صباح الأربعاء 16 مايو، أفاق في بيته وهو يشكو من أوجاع في رأسه فنُقل إلى مستشفى العفولة، وفي ظهيرة اليوم ذاته انتقل إلى الرفيق الأعلى، وفاضت روحه إلى باريها جراء نزيف داخلي.

وفي يوم الخميس 16-5-2002 كان الآلاف من فلسطيني الداخل يشيعون "أبو هشام" إلى مثواه الأخير في مقبرة قرية عين ماهل مسقط رأسه، فيما كانت الآلاف من برقيات التعزية تصل إلى ذويه من الحركات والأحزاب والفصائل الفلسطينية جميعها، وكذلك من جمعيات الأسرى الفلسطينيين.

جمعية "أبو هشام" للأسرى.. تخليد اسمه لتخليد ذكره

وكان رئيس مجلس قرية عين ماهل المحلي، قد قرر إطلاق اسم الراحل على إحدى المؤسسات الاجتماعية في القرية.

وتتجه النية غالبًا إلى إطلاق اسمه على الجمعية التي رأسها منذ تأسيسها -جمعية المعتقل والسجين- حتى أيامه الأخيرة، سيصبح اسمها "جمعية أبو هشام لمساندة الأسرى".

ويشاء القدر أن يُتوفى حبيب الله واثنان من إخوته في نفس العام.. فكأنهم لم يطيقوا الحياة بعده، أو كأن الأرض خشيت أن يعاتبها أحدهم لكونها ضمته قبل الآخر فاحتضنتهم جميعا إلى يوم يبعثون.

اقرأ أيضًا:


مجاهيل ومشاهير

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع