|

|
|
المودودي في آخر أيامه
|
استعد
الرجل لمهمته جيدًا بالتخطيط وتجميع
الجهود، كما تزود بزاد العلم حتى يحظى
بعصا من البرهان يتوكأ عليها، وله
فيها مآرب أخرى!
هذا
هو أبو الأعلى المودودي (1903-1979) الذي
يعتبره كثيرون من مجددي الإسلام في
القرن العشرين؛ وذلك لأنه نذر نفسه
لمهمة الدعوة الإسلامية طوال حياته
مع تقلب مواسمها في ظل مناخ حار -طبيعيا
وفكريا- تشهده شبه القارة الهندية.
ولد
أبو الأعلى المودودي في عام 1903 في
مدينة "أورنك آباد" إحدى مدن
ولاية حيدر آباد الهندية في بيت معروف
بالعلم والتدين، فالوالد هو "السيد
أحمد حسن" ذو ثقافة إنجليزية
تلقاها في مدرسة العلوم، ولكنه لم
يستكملها، ثم عمل في المحاماة لفترة
من الوقت.
تلقى
المودودي علومه الأولية من والده؛
فتعلم اللغة العربية والقرآن والحديث
والفقه واللغة الفارسية. ويقول
المودودي عن أبيه: "إن والدي شملني
بالتربية السليمة والتوجيه الشديد،
وكان يلقي عليّ في الليالي حكايات
الأنبياء، وأحداث تاريخ الإسلام،
والوقائع الشهيرة في تاريخ الهند، ما
أزال أشعر بفائدة تلك التربية حتى
اليوم".
يحكي
المودودي حادثا طريفا عن حياته
المبكرة، وهو أنه ذات يوم ضرب ابن أحد
الخدم في بيتهم، فأمر أبوه الخادم أن
يضرب ابنه. ويعلق المودودي: "هذا
الحادث لقنني درسًا، ولم أجرؤ طول
حياتي أن أعتدي على الضعفاء".
التحق
بالمدرسة الثانوية في (أوزنك آباد)
وهو في الحادية عشرة بعد ثلاث سنوات،
فما لبث أن أثار الإعجاب لذكائه
وتفوقه، رغم أنه كان يعيش في عوز
شديد، وكان بيته يبعد عن مدرسته مسافة
15 كيلومترًا يقطعها على الأقدام
ذهابا وعودة.
الصحافة في خدمة الإسلام..
الدرس الثاني في "الدعوة"
وعقب
وفاة الوالد عام 1917 أدرك الابن أنه
أصبح لا يملك إلا بناء الذات؛ فاتجه
إلى الصحافة فانضم إلى جريدة مدينة
"بجنوز" 1918، ومنها إلى جريدة (تاج)
الأسبوعية، وفيها كتب افتتاحيات
عديدة تتحمس للمحافظة على الخلافة
الإسلامية، وفي هذه الأثناء كتب كتاب
"النشاطات التبشيرية في تركيا".
ونتيجة
احتكاكه بحركة الخلافة انتقل إلى
دهلي عاصمة الهند، وقابل مفتي الديار
الهندية الشيخ "كفاية الله"
والشيخ "أحمد سعيد"، وكانا من
كبار جمعية العلماء بالهند، ووقع
الاختيار عليه لرئاسة تحرير الصحيفة
التي ستصدرها الجمعية تحت اسم "المسلم"
(بين 1921 و1923)، وفي عام 1924 أصدرت جريدة
الجمعية، ورأس المودودي تحريرها حتى
1948.
وخلال
إقامته في دهلي تعمق المودودي في
العلوم الإسلامية والآداب العربية،
كما تعلم الإنجليزية في أربعة أشهر،
وحصل قراءات فاحصة للآداب الإنجليزية
والفلسفة والعلوم الاجتماعية؛ الأمر
الذي مكنه من إجراء المقارنة بين ما
تنطوي عليه الثقافة الإسلامية وما
تتضمنه الثقافية الغربية.
وفي
تلك الفترة أيضًا ألَّف كتابين هما:
"مصدر قوة المسلم" و"الجهاد في
الإسلام".
وكان
سبب تأليفه لكتاب "الجهاد في
الإسلام" أن "المهاتما غاندي"
نقل عنه قوله بأن الإسلام انتشر بحد
السيف، كما قال آخرون: إن الإسلام هو
دين العرب الذين كانوا يضربون عنق كل
من لا يؤمن بدينهم؛ وهو ما أثار
المشايخ والعلماء.. وخطب الإمام "محمد
علي الجوهري" خطبة في الجامع
الكبير بدهلي، وصدح بقولته: "ليت
رجلا من المسلمين يقوم للرد"؛
فأراد المودودي أن يكون هذا الرجل،
وغربل أمهات الكتب في هذا الموضوع،
وأخذ يطالع تاريخ الحروب عند جميع
الشعوب قديمًا وحديثًا وكتب حلقات
متواصلة في جريدة الجمعية، ثم صدرت في
كتاب عام 1928، وكان الدكتور "محمد
إقبال" ينصح دائمًا الشباب
المسلمين باقتناء هذا الكتاب.
وكان
تأليف هذا الكتاب نقطة تحول كبيرة
للمودودي، ويقول: "عرفت الإسلام،
وعرفت طريقة إحيائه، وقررت ألا أدخل
عالم الصحافة في المستقبل إلا لأن
أجعلها وسيلة لخدمة الإسلام وإحيائه".
وبعد
هذه الفترة تولى إدارة مجلة "ترجمان
القرآن"، والمذهل أنه كان يعمل
وحده في إدارتها وتحريرها؛ فكان يكتب
الافتتاحيات والمقالات والردود على
الأسئلة، ويذهب إلى المطابع لطبعها،
ويراجعها، ويربط الطرود، ويلصق
الطوابع، ويحملها إلى البريد،
ويرسلها للمشتركين، ورغم كل هذا فإنه
كان يحب العمل فيها جدا، ورفض مرارا
عرضا من رئيس الوزراء بتعيينه
أستاذًا في الكلية العثمانية مقابل
راتب شهري مرموق.
وفي
سبيل هذه الأهداف خرج كتابه "مبادئ
الإسلام"، وقد تُرجم إلى ثلاثين
لغة عالمية ونال رواجًا كبيرًا في
أوروبا، واعتنق كثيرون بسببه الإسلام..
وسبب تأليفه أن إدارة التربية
والتعليم في ولاية "حيدر آباد
الدكن" كلفت المودودي بوضع منهج
التربية الإسلامية في مدارسها،
والطريف أنه لم يكتب شيئا حتى جاءه
إخطار بضرورة تسليم الكتاب خلال
أسبوع فأنجزه بالفعل في هذا الوقت
اليسير.
مع "إقبال" و"قطب"
في سبيل الإسلام.. الدرس الثالث في "الأخوة"
وممن
قُرنوا بالمودودي دائما الشهيد سيد
قطب الذي رأى الكثيرون تشابهًا في
أفكارهما؛ حتى إن المودودي ذاته أكد
على هذا التشابه، فقد روى الشيخ "خليل
الحامدي" سكرتير الشيخ المودودي
عنه ذلك قائلا: في أحد أعوام
الستينيات بمكة المكرمة دخل شاب عربي
مسلم على الأستاذ المودودي، وقدم له
كتاب "معالم في الطريق" لمؤلفه
"سيد قطب"، وقرأه الأستاذ
المودودي في ليلة واحدة، وفي الصباح
قال لي: "كأني أنا الذي ألفت هذا
الكتاب"، وأبدى دهشته من التقارب
الفكري بينه وبين سيد قطب، ثم استدرك
يقول: "لا عجب؛ فمصدر أفكاره
وأفكاري واحد، وهو كتاب الله وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم".
وأما
عن علاقة الحب والإخاء التي كان يكنها
المودودي لقطب رغم بُعد المسافة
بينهما؛ فيحكي خليل الحامدي قائلاً:
غداة تنفيذ حكم الإعدام بالشهيد سيد
قطب، دخلنا على المودودي في غرفته،
وكانت الصحافة الباكستانية قد أبرزت
الخبر على صفحاتها الأولى، إلا أنه لم
يكن قد قرأه بعد، فسبقنا وقصّ علينا
المودودي كيف أنه أحس فجأة باختناق
شديد، ولم يدرك لذلك سبباً.. فلما عرف
وقت إعدام الشهيد سيد قطب من الصحف
قال: "أدركت أن لحظة اختناقي هي نفس
اللحظة التي شُنق فيها سيد قطب".
وكان
شاعر الهند الكبير محمد إقبال من
المعنيين كذلك بكتابات المودودي،
وكتب ذات مرة: "إن هذا الشيخ يعرض
دين الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقلم
مداده الدم"، أما المودودي، فيقول:
"كان بيني وبين إقبال انسجام كبير
في الآراء، والمخطط الذي كان في ذهني
كان نفسه في ذهن إقبال".
حتى
إن المودودي حين بلغته وفاة إقبال بكى
قائلا: "فقدت أكبر سند لي في الدنيا
بموت هذا الرجل العظيم".. وبعدها
بوقت قصير ذهب إلى لاهور وقبل عرضًا
من كلية "حماية الإسلام" بأن
يكون محاضرًا شرقيا، وألقى محاضرات
عن الإسلام لمدة عام، كما ألقى
محاضرات في عدة جامعات أخرى.
تأسيس الجماعة الإسلامية..
الدرس الرابع في "حشد الصفوف"
وفي
24-8-1941 اجتمع المودودي مع عدد من
الرجال الذين تحمسوا لفكره، ودرسوا
إنشاء هيئة تدعو إلى إقامة النظام
الإسلامي، ووضعوا في نفس اللقاء
القانون الأساسي للجماعة الإسلامية،
يتضمن عقيدتها وأهدافها.. فعقيدتها هي
ما تحمله كلمة الشهادة: "لا إله إلا
الله، محمد رسول الله". وأهدافها
إقامة الدين في الحياة الفردية
والحياة الجماعية، وبعد ذلك بيومين
صادقوا على القانون الأساسي للجماعة،
وانتُخب المودودي أميرًا لها، وقد
بدأت بـ 75 عضوًا، وأصبح أتباعها الآن
يُقدَّرون بالملايين.
وفي
تلك الأثناء استدعى جميع رجال
الجماعة الإسلامية، وكلفهم مهمة خدمة
اللاجئين، وكانوا آلافًا مؤلفة قتل
منهم آلاف على الطريق، وأصيب آلاف
بالجروح خلال الاحتكاكات بين
المسلمين وبين الهندوس والسيخ، كما
ضاع آلاف الأطفال وخطفت آلاف البنات
المسلمات، وأقامت الجماعة مخيمات
لاستقبال اللاجئين، وكانوا يطبخون
الطعام ويداوون المرضي ويدفنون
الموتى.
وفي
هذه الرحلة اتجه المودودي إلى تقوية
وتوطيد قواعد حركته بالتركيز على
ثلاثة أمور:
1-
أن يكون زملاؤه في الدعوة أقوياء في
العقيدة، وموثوقين في سلوكهم الفردي،
يقول: "إن الشيء الذي ضرب في
النهاية الحركات والدعوات هو انضمام
رجال غير مستقيمي السيرة".
2-
أن يكون النظام الداخلي مَحكًّا
قويًا؛ ذلك لأن التساهل والوهن
وتخلخل النظام من أسباب انهيار
الدعوات.
3-
أن يشتمل الداعية في آن واحد على
عنصرين: العنصر المثقف ثقافة إسلامية
أصيلة، والعنصر المثقف ثقافة عصرية؛
حتى نستطيع القضاء على أسطورة فصل
الدين عن الدولة الذي لم يقبل فيه
جدالا؛ فحين قابله الرئيس "أيوب
خان" في 1960 أثنى عليه، واقترح عليه
أن ينتهج فكر "الدعوة والتبليغ"
دون التورط في أوحال السياسة؛ فرد
عليه المودودي بكل هدوء ولطف: "كما
تفضلت يا سيادة الرئيس فإن السياسية
أصبحت أوحالا، فدخلتها لأطهرها من
الأوساخ...".
في مواجهة التهم الملفقة..
الدرس الخامس في "الثبات على
المبدأ"
وعقب
قيام الباكستان قام المودودي بجهد
كبير لمواجهة النظريات الغربية التي
يتم ترويجها في البلاد، وإثارة
التغريبيين لشبهة صلاحية الإسلام
كنظام للدولة العصرية.. ومع إصراره
على الدعوة بأن تكون القوانين في
الباكستان نابعة من الشريعة، وأن
تلغى القوانين المخالفة فقد ضاقت
السلطات بذلك؛ وهو ما أدى إلى القبض
عليه في أكتوبر 1948، وسُجن لمدة عشرين
شهرًا أنجز خلالها كتابه الشهير "الربا"
وكتاب "مسألة ملكية الأرض في
الإسلام"، كما أكمل المجلد الأول
من تفسيره للقرآن الكريم "تفهيم
القرآن"، وذلك رغم اعتلال كليته
ومرضه.
عقب
خروجه من السجن طاف المودودي أنحاء
البلاد شارحًا أطر الدولة الإسلامية
وأهميتها؛ وهو ما حدا بمعارضيه إلى
إثارة الشبهات حوله، مثل: أنه عميل
للهند أو أمريكا، وأنه لا يجوز له
الفتوى؛ لأنه لم يتخرج في معهد ديني،
وأنه من الساعين للحكم.. وكان منهجه
عدم الانشغال بالرد على هذه الشبهات،
ومتابعة سيره نحو تحقيق غايته
الرئيسية.
وفي
عام 1952 حدثت في مقاطعة البنجاب
اضطرابات عنيفة بين المسلمين
والقاديانيين راح ضحيتها الآلاف،
وكتب المودودي رسالة "المسألة
القاديانية"، وكشف فيها بإيجاز عن
عقائد هذه الفرقة ومخططاتها.
وفي
تلك الأثناء قام الحاكم "غلام محمد"
بإعلان الحكم العرفي في البنجاب
وإلغاء الدستور، وإلقاء القبض على
المودودي وعلماء الجماعة الإسلامية،
وقدم إلى المحكمة العسكرية التي قضت
بإعدامه. وعندما طلب منه تقديم طلب
استرحام خلال أسبوع، قال في هدوء: "لا
أسترحم أحدًا؛ لأن أحكام الموت أو
الحياة لا تصدر في الأرض وإنما تصدر
في السماء"، ثم أصدرت المحكمة
العسكرية نفسها قرارًا جديدًا بتخفيف
عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد،
لكنه لم يقضِ منها سوى 25 شهرًا.
حين
أوصى بعض الناس المودودي بالخلود إلى
الراحة أكد أن الدعوة التي يحملها لا
تعترف بالهدوء ولا تنتظر المواسم،
وعقب معارضة المودودي للقوانين
الغربية المطبقة، صدرت أوامر حكومية
بحل الجماعة الإسلامية ومصادرة
أموالها، واعتقال قادتها وعلى رأسهم
المودودي في يناير 1964، وتمّ الإفراج
عنهم عقب ذلك في سبتمبر 1964.
لكنه
اعتُقل مرة أخرى في عام 1975 لسبب غريب
وهو أن عيد الفطر قد صادف يوم الجمعة
فأراد أيوب خان الحاكم في حينها تقديم
العيد إلى يوم الخميس وأصدر قراره
بذلك؛ فاستنكر المودوي ذلك، وأفتى
بأن العيد مع ثبوت الهلال؛ فاعتقل،
وأفطر الناس يوم الجمعة على رأي
المودودي، ومكث في السجن لمدة شهرين.
وظل
المودودي في دفاعه عن الإسلام ضد
الإلحاديين والقاديانيين، سواء من
خلال تأليف الكتب أم تأليف الرجال
بتربيته لجيل كامل يؤمن بالدعوة إلى
تطبيق الشريعة الإسلامية، ولم تفتُرْ
عزيمته عن دعوته، وظل على هذه الحال
حتى لقي ربه يوم 22 سبتمبر 1979، وهو مؤمن
بمبدئه ثابت عليه عنيد دوما في الحق.
اقرأ أيضًا:
|