|
أغلق
المعرض العالمي إكسبو 2000م في مدينة
هانوفر شمال ألمانيا أبوابه يوم
31/10/2000م بعد خمسة أشهر خاسرة ماليًّا،
وحجم الخسارة في حدود ملياري دولار،
وذاك في مقدّمة ما أبرزه المسؤولون عن
المعرض وأصحاب العلاقة من المسؤولين
السياسيين ووسائل الإعلام في ألمانيا.
وضاع
في غمرة ذلك إلى حدٍّ كبير تقويم
الحصيلة على أساس الهدف الرئيسي من
المعرض الذي استغرق الإعداد له
ثمانية أعوام، وأرادت ألمانيا
الموحّدة به أن تدخل الألفية
الميلادية الثالثة بحدث يلفت الأنظار
إليها من مختلف أنحاء العالم، وأن
تطرح من خلاله تصوّرات مستقبلية في
الدرجة الأولى، تدور محاورها
الرئيسية حول البيئة والتقنية وموقع
الإنسان بينهما، وكان في المعرض بعض
الفعاليات في هذا الاتجاه، مثل عروض
تقنية بأحدث ما وصلت إليه وسائل
الاتصال والبث، ولكن بدا كما لو أنها
لتسلية الشبيبة والناشئة، الذين
كانوا يمثلون النسبة العظمى من
الزوار، وليس لتقديم معلومات مفيدة
لذوي الاختصاص، أو حتى للزائر العادي
بمنظور حب الاستطلاع، وربما كان هذا
السبب، أي غلبة عنصر التسلية
والترفيه على عنصر تقديم المعلومات،
في أن نسبة الإقبال على المعرض كانت
دون التوقعات التي عُقدت عليه إلى حد
كبير.
الإقبال
على الأجنحة العربية
من
هنا لا يمكن القول إن البلدان العربية
الاثنتي عشرة المشاركة في المعرض من
بين 170 بلدًا، قد قصّرت كثيرًا من خلال
خلو أجنحتها من "عروض مستقبلية"
كما كانت تقضي الدعوة إلى المشاركة في
المعرض. وكان هذا الجانب مقتصرًا في
سائر الأجنحة، على عرض أفلام
تليفزيونية حول بعض المشاريع التي
يجري تنفيذها حاليًّا لحماية البيئة
أو محو الأمية أو ما شابه ذلك ممّا
يرتبط بالإنسان والبيئة، بينما لا
يكاد يوجد حتى في إطار الأفلام
التليفزيونية ما يشير إلى وجود
مشاريع أو مخططات مستقبلية في ميدان
التقنية الحديثة.
وعلى
وجه الإجمال يمكن القول إن العروض
التي قدّمتها الأجنحة العربية كانت
بغرض تنشيط الحركة السياحية في
الدرجة الأولى، أو للفت الأنظار إلى
بعض القضايا التي تهمّ كلّ قطر عربي
على حدة، ويسري شبيه ذلك على مشاركة
معظم الدول الإسلامية الأخرى في
المعرض، لا سيما من وسط آسيا وجنوبها.
ولعب
تنظيم توزيع الأجنحة في المعرض على
حسب المناطق الجغرافية دوره في أن
أجنحة البلدان العربية والإسلامية
توزّعت على غالبية قاعات المعرض،
بالإضافة إلى أجنحة أقيمت بصورة
مستقلة، كما هو الحال مع أجنحة
الإمارات واليمن والأردن، وبالتالي
فقد كان زوّار المعرض يجدون أنفسهم
أمام تلك الأجنحة في جولاتهم، حتى وإن
لم يقصدوا الذهاب إليها، ولكن لم يكن
هذا هو العامل الوحيد الذي جعل
الأجنحة العربية والإسلامية موضع
إقبال مكثف من الزوار، أكبر من
الإقبال على سائر الأجنحة الأخرى،
إنما كان للتركيز على الجانب السياحي
دوره في جذب الزائر الألماني لرؤية ما
لا يراه عادة إلا على الشاشة الصغيرة
أو في إجازة سنوية، وهذا على النقيض
ممّا تقدّمه أجنحة الدول الغربية ولا
يتوفر فيه ما يعتبر غريبًا على
الزائر، إلا القليل ممّا تضمّن فعلاً
نظرة مستقبلية، وقد تركّز عرضه على كل
حال على القاعات المخصصة لذلك، فكان
محدودًا نسبيًّا في نطاق الأجنحة
الوطنية.
العروض
العربية سياحية
كان
أشدَّ الأجنحة جذبًا لزوار المعرض
جناح الإمارات واليمن، رغم وقوعهما
في زاوية نائية من الأرض المخصصة له
على مساحة 160 هكتارًا، يحتاج الزائر
إلى أكثر من نصف ساعة لقطعها ماشيًا
على قدميه، ورغم ذلك فمن الأيام
الأولى حتى اليـوم الأخير، كان
الزوار يقفـون طوابير أمام الجناحين،
ولا سيما جناح الإمارات، فتستغرق
فترة الانتظار نصف ساعة كحدّ أدنى،
وبلغت في كثير من الأحيان ساعتين ونصف
الساعة.
ويكفي
مشهد الجناحين من الخارج لجذب
الزوّار، فقد أخذ جنـاح الإمارات شكل
قلعة عربية، يستقبل الزائر بعد عبور
بوابتها بعض الفتيات اللواتي يقدّمن
للراغبين من الزوار - لا سيما
الزائرات - صبغة الحنّاء العربية
التقليدية، على شكل وشوم، تستهوي
الشبيبة في الغرب إلى حدّ كبير، ولكن
لا يكاد المرء يطّلع على بعض ما يعرضه
الجناح من التراث العربي في
الإمارات، من عهد صيد السمك واللؤلؤ
وحياة البادية، حتى ينتقل إلى أحدث ما
صنعته النهضة العمرانية السريعة في
الإمارات خلال بضعة عقود ماضية.
ولا
يبعد جناح اليمن عن جناح الإمارات سوى
بضع خطوات، ولكنها تنقل الزائر من
عالم إلى آخر، فإذا وصل إلى الجناح
توقف تلقائيًّا قبل الدخول للتأمل في
البناء نفسه، وقد أقيم من ثلاثة طوابق
من القرميد الطيني الذي يميّز أبنية
اليمن عالميًّا، ويصل أحدها إلى سبعة
طوابق رغم عدم استخدام الحجارة أو
الأسمنت فيه، وفي مقدّمة ما كان يثير
إعجاب زائر الجناح سوق مصغرة طِبقَ
الأصل عن أسواق اليمن الشعبية، مع
إمكانية شراء سائر ما يباع هناك.
والأسواق
الشعبية هي التي تميزت بها عدة أجنحة
عربية أخرى، وكانت موضع إقبال كبير
أيضًا، كما هو الحال مع السودان
وجيبوتي في قاعة القارة الأفريقية،
أو تونس التي قسَّمت جناحها في
القاعتين المخصصتين لبلدان البحر
الأبيض المتوسط إلى قسمين، أحدهما
شعبي يعرض بعض الصناعات اليدوية
والأطعمة الشعبية، والآخر يعرض
الجانب السياحي على ساحل البحر
الأبيض المتوسط.
والسياحة
غلبت على جناح الأردن أيضًا الذي أقيم
على شكل بناء في منخفض من الأرض يدخل
الزائر إليه على بضع درجات حجرية، ولا
بد لزائر جناح اليمن من المرور عليه،
ولم يكن هذا وحده سبب الإقبال عليه،
بل لِما حفل به من صناعات يدوية
محلية، بالإضافة إلى ما يشبه
الأعمدة، التي خُصِّص كل منها لإحدى
المدن الأردنية، وزُوِّد بالصور في
حدود ما لا يسبب تكاليف كبيرة، وما
يجمع في أضيق مساحة ممكنة أكبر قدر من
المعلومات.
هـذا
على النقيض من أجنحة مصر وسوريا
والمغرب بصورة خاصة، وكانت في قاعة
واحدة فاحتلت منها مساحات واسعة. وبدا
الجناح المغربي على شكل قصر ملكي، لا
يعطي صورة مطابقة للواقع المغربي،
ولكن يعرض من خلال السـجاد وسـواه من
المصنوعات المحلية ما يستوقف الزائر،
كما هو الحال مع الجناح السوري المؤلف
من عدة قاعات، بعضها مخصص لمجسّمات
لأهم المواقع الأثرية القديمة في
المدن والأرياف السورية، وبعضها
الآخر على شكل صورة طبق الأصل للبيت
الدمشقي القديم، وفيه قاعة كبرى
للجلوس على مساند وثيرة، كثيرًا ما
استراح الزوار عليها قبل اسـتكمال
جولاتهم. بينما ينقل الجناح المصري
الزائر إلى عصر الفراعنة، سواء من
خلال القطع الأثرية العديدة التي
جمعها، أو من خلال القطع التذكارية
للبيع، وكان من المآخذ عليه عدم وجود
شيء يشير إلى الطابع الإسلامي
التاريخي في مصر، شأنه في ذلك شأن
جناح فلسطين، الذي يخيّل لزائره كما
لو أنه لا يوجد في فلسطين سوى الآثار
المسيحية، في القدس وبيت لحم وسواها،
باسـتثناء بعض القطع والمجسمات
الصغيرة التي تعكس الطابع الإسلامي
أيضًا، ولكن بصورة محدودة.
ويتساءل
زائر الجناح الإريتري عن مدى انطباق
محتوياته على الوضع في إريتريا
نفسها، فقد كان التركيز فيه على
اسـتغلال الطاقة الشمسية، وربما كان
المقصود به الإسهام فيما يراد تحقيقه
في المستقبل، وهذا على النقيض من جناح
ليبيا، الذي يتألف من خيمة كبيرة،
ومعلومات عن "ثورة الفاتح"
وقائدها، والجدير بالذكر أن التركيز
على بعض الزعامات واضح للعيان في أكثر
من جناح عربي، وهو ما يندر رؤية مثيله
في أجنحة أخرى.
الحصيلة..
سياحية أيضًا
معظم
من دار الحديث معهم من القائمين على
الأجنحة العربية كانوا يُعْرِبون عن
سرورهم وارتياحهم من المشاركة،
وقليلاً ما يعبِّرون عن ذلك من خلال
الحديث بالأرقام مثلاً عن نسبة
الإقبال على الأجنحة، ومدى الاحتكاك
بالزوار عبر القائمين على تقديم
المعلومات وإجابة الأسئلة.
وكان
لكلٍّ من هذه الأجنحة، كسواها، يوم من
أيام المعرض مخصص للاحتفال بالجناح
تحت عنوان "اليوم الوطني"، وإن
لم يتطابق ذلك مع اليوم الوطني الرسمي
للدولة المعنية، وكانت بداية
الاحتفال في التاسعة صباحًا،
بالنشيدين الوطنيين للبلد المعني
وألمانيا، ثم تقديم العروض الشعبية
في مسارح مفتوحة، قبل الظهيرة وبعد
الظهيرة، وأحيانًا في حفل إضافي
مساءً.
هذا،
علاوة على حفل استقبال رسمي يقيمه
الجناح برعاية سفارته، وتقتصر الدعوة
إليه على مسؤولين من الميادين
السياسية والاقتصادية والثقافية،
وتحضره المسؤولة عن إدارة المعرض،
وقليلاً ما حضر رئيس مجلس بلدية
هانوفر، الذي حرص على حضور الاحتفال
المخصص لجناح اليمن بالذات، وذكر على
هامش احتفال أنه يجري الحديث عن
إمكانية استبقاء البناء الذي أقيم
خصيصُا للمعرض؛ ليبقى في المدينة
كنصب تذكاري سياحي.
وكما
سبقت الإشارة كانت أجنحة البلدان
الإسلامية الأخرى مماثلة في جذبها
للزوار للأجنحة العربية، فكانت
القاعة السادسة عشرة التي جمعت في
الدرجة الأولى بلدان وسط آسيا غاصة
بالزوار بصورة دائمة، ولفت النظر
فيها أنها ركَّزت بالفعل على عرض صور
نموذجية عن الآثار الإسلامية فيها،
وهو أحد عوامل جذب الزوار عمومًا.
وفي
وسط هذه القاعة القائمة في مركز
المعرض، أخذ "جناح الإسلام"
مكانه، وقد قامت عليه عدة مؤسسات
إسلامية برعاية المجلس الأعلى
للمسلمين في ألمانيا، ويؤكّد
القائمون عليه أنه حقق غاياته إلى حد
كبير.
اقرأ
بقية المتابعات:
السعودية: دعوة الأجانب للاستثمار في الطاقة
تريليون دولار حجم الأموال المغسولة سنويًّا على مستوى العالم
مشروعات
استثمارية وسياحية في منطقة السيب
العُمانية
|