 |
|
أخشاب الاشجار بديل للورق عند تلاميذ الصومال |
يركز المشهد السياسي الحالي في
الصومال على واحدة من القضايا الهامة
والفاعلة في النشاط الاقتصادي، ألا وهي
عودة الأمن وقيام مؤسسات الدولة، التي
انهارت مع زوال الدولة في مطلع التسعينيات
من القرن الماضي وذلك بعد الاتفاق الذي تم
التوصل إليه في السودان بين الحكومة
المؤقتة واتحاد المحاكم الإسلامية لتحقيق
الأمن وتفعيل دور الدولة. ولعل اتحاد
المحاكم الإسلامية الذي ينطلق من مرجعيته
الإسلامية يستحضر مقاصد الشريعة
الإسلامية في تنفيذ برنامجه، ومقاصد
الشريعة الخمس (حفظ النفس، والعقل، والدين
والمال، والعرض) هي بلا شك عماد أي حضارة
إنسانية بشكل عام، وعماد الحياة
الاقتصادية بشكل خاص.
وفي إطار سيطرة اتحاد المحاكم
الإسلامية على المشهد السياسي في الصومال،
نجد أنه من الأهمية بمكان أن يدرك اتحاد
المحاكم التحدي الاقتصادي الذي يواجهه،
وأن يلم بطبيعة النظام الاقتصادي العالمي
من خلال نظرة واسعة تهدف إلى الاستفادة من
إيجابياته وعدم الاصطدام به.
وأن يعي القضايا الاقتصادية
وحاجتها إلى متخصصين من أهل الخبرة وليسوا
من أهل الثقة وأن يتفرغ الساسة لترسيخ دور
الدولة في مختلف مجالات الحياة بما يجعل
من دولة القانون مرجعية تطمئن المهتمين
بالمجال الاقتصادي، سواء كانوا من
المواطنين الصوماليين أو من الأجانب.
هذا بالإضافة لضرورة أن يشعر
اللاعبون الاقتصاديون (أفراد، أصحاب رؤوس
أموال، مؤسسات مالية) أنهم صانعو السياسة
الاقتصادية وأنهم أصحاب مصلحة في ديمومة
دولة القانون. وإدراك هذه الأمور سوف يكسب
الاقتصاد الصومالي ثقة المؤسسات
الإقليمية والدولية، بل وترسيخ أقدام
المستثمرين المحليين والأجانب.
مظاهر ضعف الاقتصاد
ويصنف الاقتصاد الصومالي على أنه
ضمن الاقتصاديات المهمشة أو الأقل نموًّا،
ويرجع ذلك بالأساس إلى الظروف السياسية،
والحرب الأهلية، التي عاشتها البلاد خلال
الفترة الماضية وأيضاً العوامل الطبيعية
التي تمثلت في الجفاف والتصحر الذي طال
جزءا كبيرا من الأراضي الصومالية. فنحو 14%
من الأراضي الصومالية أصيبت بالتصحر بشكل
نهائي، و68% في طريقها للتصحر.
وتشير تقارير "اليونيسيف"
إلى أن نحو 25% من سكان الصومال قد أضيروا من
موجة الجفاف التي اجتاحت القرن الإفريقي
في الفترة الماضية. مما جعل المؤسسات
الدولية تلجأ إلى ذبح نحو 30 ألف رأس من
الماشية لإطعام أكثر من 150 ألف شخص، محققين
بذلك نوعا من إنقاذ الحيوانات من الهلاك
لعدم وجود الماء وأيضاً إطعام الآدميين،
ومحاولة لتقديم الأموال لأصحاب هذه
المواشي لاستغلالها في تدبير بعض أمورهم
المعيشية الأخرى.
والجدير بالذكر أن الأسر
الصومالية في بعض المناطق تنفق نسبة من
70%-80% من دخلها المحدود للحصول على مياه
الشرب فقط. كما تسببت موجة الجفاف في إغلاق
80% من المدارس في الوقت الذي تتاح فيه فرصة
التعليم لنحو 20% فقط من الأطفال في الصومال.
وعلى الرغم من انخفاض متوسط دخل
الفرد في الصومال والذي يقدر بنحو 600 دولار
في العام وهو ما يجعل الشعب الصومالي كله
في عداد مؤشر خط الفقر بحجم إنفاق أقل من
دولارين في اليوم. فإن الأراضي الصومالية
تتوافر بها موارد طبيعية يمكن استغلالها
وتحسين الأوضاع الاقتصادية هناك، حيث
يوجد اليورانيوم وخام الحديد والقصدير
والجبس والبوكسات والنحاس والملح والغاز
الطبيعي، وبعض الاحتياطات البترولية. وهو
ما يساعد في تشغيل عجلة الاقتصاد الصومالي
إذا ما اعتمد سيناريو التفاؤل باتجاه نجاح
الحوار بين الحكومة المؤقتة واتحاد
المحاكم الإسلامية.
ويتوقف الأمر على جانب التمويل
أيضا، حيث تشير آخر التقديرات أن الصومال
مدين خارجيًّا بنحو 3 مليارات دولار وهو
عبء يمكن الخروج منه إذا ما استقرت
الأوضاع هناك، من خلال آلية إلغاء ديون
الدول الأقل فقراً التي تتبناها الدول
الصناعية الكبرى. وإن كانت هذه الآلية
تلزم المستفيدين بها بأجندة خاصة يأتي على
رأسها وجود نظام ديمقراطي واحترام حقوق
الإنسان ووجود إجراءات حكومية تتسم
بالشفافية ومحاربة الفساد.
أما بالنسبة للموارد البشرية
فعدد السكان والذي تختلف المصادر بشأنه ما
بين 8 أو10 ملايين نسمة، يعانون من نسبة
أمية عالية تصل لنحو 64%، ولكن لا بد هنا أن
نذكر أن معدل الزيادة السكانية في الصومال
يعد من المعدلات المرتفعة، إذ يصل لنحو 2.9%.
وبلا شك أن هذا المعدل يعد مرتفعاً في ظل
اعتماد السكان على التحويلات الخارجية من
أبناء الصومال والتي تقدر بنحو 500 مليون
دولار سنويًّا، بالإضافة إلى المساعدات
التي تقدمها المؤسسات الدولية والإقليمية،
والتي يعتمد عليها 2.1 مليون من الصوماليين،
ففي برنامج المساعدات الموجه للقرن
الإفريقي من جراء موجة الجفاف حَظِيَ
الصومال بناءً على بيانات منظمة الأغذية
والزراعة الدولية (الفاو) بالنصيب الأكبر
بنحو 327 مليون دولار من إجمالي 426 مليون
دولار. ويقدر مكتب تنسيق الشئون الإنسانية
التابع للأمم المتحدة قوة العمل في
الصومال بنحو 3.7 ملايين فرد، أي أن متوسط
الإعالة للفرد الواحد يصل إلى 2.7 في حالة
اعتماد تقدير عدد السكان بنحو 10 ملايين
فرد.
دور المجتمع الدولي والإقليمي
ويستطيع المجتمع الدولي
والإقليمي أن يساعد الصومال للخروج من
مشكلته الاقتصادية من خلال عدة وسائل في
مقدمتها ما يلي:
-
دعم عملية الاستقرار الأمني
والاتجاه نحو إقامة دولة مستقرة، وتخلي
دول الجوار عن ممارسات استنزاف إمكانيات
هذه الدولة الفقيرة في مواجهة متمردين،
ومنع دعم مثل هذه الجبهات سواء من دول
الجوار أو من بعض الدول التي لها دور واضح
في هذا الشأن ومنها أمريكا. فالأموال التي
كانت توجه لتمويل تسليح المليشيات،
بالإمكان دفعها لنظام أمني جيد من خلال
الدولة، حتى يمكنها استعادة الأمن
المفتقد، وهذا البديل الأمني استطاع
اتحاد المحاكم الإسلامية الضلوع به بشكل
جيد من خلال الأماكن التي سيطرت عليها،
على الرغم من عدم تلقيها لأموال من الخارج،
واعتمادها على التبرعات التي تلقتها من
الدخل من خلال الأفراد الذين وجدوا أن
تبرعاتهم يتم استخدامها للصالح العام.
-
مساعدة الحكومة الصومالية التي
يتم اختيارها من خلال انتخابات حرة ونزيهة
في الصومال على تبني برنامج اقتصادي،
يستهدف التخفيف من حدة الفقر والقضاء عليه،
وتبني برنامج للتشغيل، خاصة في برامج
التعليم والصحة، وتنمية الأنشطة
الاقتصادية المحلية من خلال تدعيم
مشروعات الزراعة والرعي، والثروة السمكية،
وتنظيم قطاع الخدمات الذي يسيطر عليه
القطاع الخاص بنسبة عالية، مع البدء في
تنشيط القطاع الصناعي، والذي قد يكون من
المناسب له في الأجل القصير تنمية وتنشيط
المشروعات الصغيرة.
-
تقديم المساعدات لإقامة مشروعات
البنية الأساسية، خاصة في مجال التعليم
والصحة، بإقامة المدارس والمستشفيات
والطرق. وسوف تساعد مثل هذه البرامج في
عمليات تشغيل واسعة لأبناء الشعب
الصومالي، على أن تتاح فرصة كبيرة لشركات
القطاع الخاص المحلية لتنفيذ هذه
المشروعات، من أجل وجود حراك اقتصادي
داخلي، يعظم من توطين العائد من عملية
التنمية. ولعل توفير مياه الشرب أو المياه
الصالحة للزراعة من الأمور التي يجب أن
تحتل مكانة بارزة في برامج البنية
الأساسية، فالتقديرات تشير إلى أن نحو 31%
فقط من السكان يحصلون على مياه آمنة صالحة
للشرب.
-
البدء في تبني عودة اللاجئين،
إلى ديارهم، خاصة من دول الجوار. فاليمن
وحده يستضيف نحو 90 ألف لاجئ صومالي بناء
على بيانات المفوضية العامة لشئون
اللاجئين. وسوف يساعد هذا البرنامج في
إضافة هؤلاء العائدين لقوة العمل
ومساهمتهم في تشييد بيوتهم وممارسة أنشطة
الزراعة والرعي أو الدخول في قطاع الخدمات
الذي استطاع أن يحافظ على أداء جيد حتى
خلال فترة الحرب الأهلية. وهناك جانب
إيجابي في عودة اللاجئين يتمثل في وصول
التحويلات التي كانت تصلهم من ذويهم في
الخارج إلى الصومال بدلاً من البلدان التي
كانوا لاجئين بها. ولا شك أن هذه التحويلات
سوف تمثل مدخلاً هامًّا للنشاط الاقتصادي.
-
أن تتبنى مؤسسات المجتمع المدني
الدولية والإقليمية برامج لمواجهة مشكلة
المصابين بالإيدز في الصومال، حيث تشير
التقديرات لوجود نحو 43 ألفا، وهو ما يعني
أهمية تبني برامج توعية للحد من انتشار
المرض، خاصة في ظل إمكانيات الصومال
الضعيفة.
-
استغلال فرص الاستثمار المتاحة
في الصومال، إذ تعتبر حرفة الرعي والزراعة
من الأنشطة الرائدة في المجتمع الصومالي،
ويشكل المجالان نحو 64% من حجم الناتج
المحلي الإجمالي والذي يقدر بنحو 4.7
مليارات دولار في عام 2004. ويتوقع البعض أن
تكون الصومال واحدة من الدول التي تتوافر
لها القدرة العالية على تصدير اللحوم
ومشتقات الألبان إذا ما توجهت إليها
استثمارات كافية للاستفادة من هذه الثروة،
وعلى جانب آخر فإن الشواطئ الممدة على
المحيط الهندي وخليج عدن، والتي تقدر بنحو
ثلاثة آلاف كيلومتر تتيح للصومال إمكانات
عالية في إقامة صناعة تصديرية للاستفادة
من الثروة السمكية.
-
أن يكون للمؤسسات الإقليمية
العربية دوراً في دعم برامج التنمية، خاصة
أن الصومال خارج دائرة الاستفادة من دعم
هذه المؤسسات على مدار الست عشرة سنة
الماضية، ويفضل أن يكون دور هذه المؤسسات
موجه لإقامة الجامعات والمستشفيات،
وإنشاء وتأهيل الأجهزة الحكومية، حتى
يتمكن الصومال من المشاركة في مؤسسات
العمل العربي المشترك.
-
يمثل الصومال مجالاً هامًّا
لوجود الاستثمارات العربية، خاصة في مجال
المواد الأولية مثل خام الحديد
والبوكسايت، والبترول والغاز الطبيعي،
وكلها مجالات للاستثمار يمكن أن تستوعب
المشاركات العربية بدلاً من أن تكون حكراً
على دول أخرى.
وكل ذلك مرهونا بنجاح الصوماليين
في ترسيخ نظام حكم ديمقراطي يعلي من شأن
الإنسان، لكي يشعر بأن حاجاته الأساسية (الأمن،
المأكل، المشرب، الملبس، السكن، الدابة)
مأمونة من خلال مصادرها الطبيعية وهى
العمل والكسب، وليس الحرب والقتل. وثمة
عامل آخر مهم وهو، الخروج من شرنقة
التبعية الإقليمية أو الدولية، حتى ينعم
المواطن الصومالي بالفعل بموارده
الطبيعية والاستفادة من الإمكانيات
المالية المتاحة محليًّا أو المستجلبة من
خلال الخارج في شكل استثمارات أو منح أو
قروض.
|