 |
|
نواب الخدمات الأوفر حظًّا في انتخابات مصر |
من
ترجح كفته في انتخابات مجلس الشعب المصرية
للعام الجاري (2005)؟.. هل هو النائب الذي يعتبر
الخدمات اهتمامه الأول؟ أم النائب المهموم
بقضايا الوطن والمصلحة العامة، أكثر من
اهتمامه بتقديم الخدمات لأبناء دائرته؟ أم أن
النائب الذي يجمع بين الأمرين سيكون الأكثر
حظًّا في الفوز بالمقعد النيابي؟.
الإجابة
على هذه التساؤلات اقتضت الاقتراب من مجموعة
من الناخبين كانوا يجلسون في سهرة رمضانية
بمدينة الباجور بمحافظة المنوفية (شمال
العاصمة القاهرة).
كانت
الأحاديث الدائرة خير إجابة على السؤال الذي
جئت من أجله، فقد دارت معظمها حول تأييد مرشح
الحزب الوطني الحاكم الوزير كمال الشاذلي
للخدمات العديدة التي يؤديها لأبناء دائرته
بحكم منصبه، ونفوذه وعلاقاته الواسعة.
إلا
أنني فضلت أن أعرف هوية هذه الخدمات، فاقتربت
من أحدهم، ويُدعى الحاج محمد صالح، فسألته:
وما هي طبيعة تلك الخدمات التي يؤديها
الوزير؟، قال: يكفي أنك لا تجد شابًّا عاطلاً
بمدينة الباجور.
سألته:
وهل هذا يكفي لأن نختاره؟ قال: وما الذي
أحتاجه سوى أن أجد مرشحًا يحل لي مشكلة تؤرق
كل بيت مصري، وهي مشكلة البطالة، فهذا أفضل
عمل يجعلني أنتخبه.
نفس
الكلام قاله لي أحمد زهران "بكالوريوس
تجارة" ومحمد فتحي "دبلوم صنايع"
وخالد صابر "مزارع"، ولكن زادوا عليه أنه
يكفي أن مدينتنا والقرى التابعة لها أن دخلها
الغاز الطبيعي في الوقت الذي توجد فيه بعض
القرى بالجمهورية لا تزال تعاني من مشاكل
تقليدية كالكهرباء.. تركت هذه الجماعة، وقلت
لنفسي الأمانة تقتضي أن أستطلع أكثر من جماعة.
فما
إن بدأت أغوص داخل شوارع هذه المدينة حتى
تراجعت عما كنت أنوي فقد كانت اللافتات
المعلقة على واجهة كل منزل، وفي مدخل كل شارع
وفي وسط كل ميدان خير إجابة على سؤالي، حتى إن
أحد اللافتات حملت شعارًا وهو أن "أهالي
الباجور يؤيدون الشاذلي نائبًا أبديًّا"!.
غادرت
مدينة الباجور، وقد خرجت باعتقاد أنه ربما
لبُعْد المدينة عن العاصمة، كانت قضية توفير
فرص العمل هي المُلحَّة عند الأهالي،
وبالتالي حلها يمثل بطاقة مرور للمرشح.
ولكن
حتى أتأكد من صحة اعتقادي كان من الضروري أن
أستطلع آراء الناخبين بدوائر أخرى، فذهبت إلى
دائرة الجيزة (جنوب العاصمة القاهرة) لأجد أن
رجل الأعمال محمد أبو العينين أو "الحاج
محمد" كما يحلو لأهالي الدائرة كتابته
بلافتات التأييد قد حسم المعركة قبل أن تبدأ.
وبالسؤال
عن سبب ذلك أجمع كل الأهالي على أن أبو
العينين يهتم بحل مشاكل المواطنين، هذا
بالإضافة إلى أنه يقدم إعانات مالية
للمحتاجين من أبناء دائرته.
ووفقًا
للمؤشرات الرسمية خلال عام 2004 فإن معدل
البطالة يصل إلى 10.5%، أما الفقر فيصل نسبته
إلى 17%، كما لا يتجاوز دخل الفرد في مصر 1200
دولار سنويًّا، وهذه المؤشرات تقول المعارضة
إنها تجميلية، وإن حقيقتها هي الضعف.
شراء
الأصوات
ما
سبق يشير إلى أن الأوضاع الاقتصادية لها
الكلمة العليا في الانتخابات، وهو ما جعل
توفير فرص العمل وتقديم الإعانات وسيلتين
يلجأ إليهما النواب كورقة رابحة في المعركة
الانتخابية.
إلى
جانب ذلك، يشير الواقع إلى وسيلة ثالثة يلجأ
إليها النواب، وإن كان الأهالي يخجلون أن
يذكروها بالطبع، وهي وسيلة شراء الأصوات
وتوزيع البطاطين والملابس التي تشترى في
الدوائر الفقيرة.
وتشير
دراسة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
بجامعة القاهرة أجريت على انتخابات عام 2000 أن
ما يتراوح بين 3 إلى 5 مليارات جنيه (الدولار =
5.80 جنيهات مصرية) أنفقها رجال الأعمال
المستقلون لهذا الغرض، وهو ما جعل 17% من أعضاء
المجلس رجال أعمال، حيث وصل عددهم إلى 77
نائبًا.
وينقسم
هؤلاء إلى 12 عضوًا يملكون شركات صناعية، و13
يملكون شركات مقاولات، و10 يملكون شركات
تجارية و15 أعمال حرة، و6 يملكون شركات سياحة،
بالإضافة إلى 21 آخرين في أعمال مختلفة.
ويقول
بعض الخبراء إن هذه الأموال التي تنفق في
الدعاية الانتخابية كفيلة بتخفيف حدة بعض
المشكلات المزمنة في الدوائر التي يمثلها
النواب أنفسهم أمام مجلس الشعب، سواء من حيث
توفير فرص عمل أو القضاء على الفقر.
الأعضاء
يعترفون
المفارقة
أن نوابًا بالبرلمان المصري يتفقون مع ما
قاله الناخبون من أن نائب الخدمات يربح، وأنه
لولا قيامهم بتقديم خدمات للناخبين ما
استطاعوا الفوز بالانتخابات، فسألت د. شوقي
السيد عضو مجلس الشورى وأحد الذين استطلعت
آراءهم: ما الذي يجعل
تقديم الخدمات للناخبين بطاقة المرور
للمرشح؟.
أجاب
بلهجة يملؤها الأسى أن السبب في ذلك، هو
اعتماد الانتخابات على النظام الفردي، وليس
نظام القائمة، وهذا يجعل النائب أسير خدمات
الدائرة والناخبين، ولا يجعله يتفرغ
للمصالحة القومية الممثلة في الدور التشريعي
والرقابي المفترض أن يكون على قائمة أولوياته.
ويتفق
فتحي نعمة الله عضو مجلس الشعب عن دائرة
المعهد الفني بالقاهرة، مع ما ذهب إليه د.
شوقي من أن نائب الخدمات يكون مفضلاً عند
الناخبين، ولكنه يؤكد أنه لو وجد نائبًا يجمع
بين القدرة على تقديم الخدمات، ولعب دور
تشريعي ورقابي مؤثر، فسيكون له الأولوية عن
النائب المهتم فقط بالخدمات.
عمر
الطاهر خلف الله عضو مجلس الشعب يشير إلى بُعد
آخر في القضية وهو ضرورة أن نربطها بالمستوى
الاقتصادي والاجتماعي، فالدوائر الانتخابية
التي يدخل ضمنها الكثير من المناطق الراقية
اقتصاديًّا واجتماعيًّا، تفضل النائب الذي
يكون له في التشريع والرقابة عن النائب
المهتم بالخدمات؛ لأن قاطني هذه الدوائر لا
يعانون من أوضاع اقتصادية متردية تجعلهم في
حاجة إلى نائب الخدمات.
ويتابع
قائلاً: إن معظم الناس في هذه الدوائر ذات
المستوى الاقتصادي العالي في الغالب من
الفئات المثقفة التي ترى في اهتمام النائب
بالمشروعات القومية فائدة ستعود على
الدائرة، ولو بشكل غير مباشر، كما أنها تدرك
جيدًا أن النائب الذي يهمل في القيام بدوره
التشريعي والرقابي، سيهمل في متابعة أمور
دائرته.
دور
الدولة وتفعيل القانون
ولكن،
كيف يرى الخبراء هذه الظاهرة؟
الدكتورة أماني قنديل الأستاذة بالمركز
القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ترى أنه
لتردي الأحوال الاقتصادية وانسحاب الدولة من
مجال الخدمات الاجتماعية وتفاقم مشكلة
البطالة أثر كبير في نجاح نواب الخدمات
اعتقادًا من الناخبين أن المرشح صاحب الصلة
الوثيقة بالدولة هو القادر على تلبية طلباتهم.
ومن
هنا يأتي للمجلس مرشحون غير قادرين على أداء
الدور التشريعي والرقابي وكل مقوماتهم أنهم
يملكون المال مما يفرغ البرلمان من مضمونه
التشريعي كما تقول د. أماني التي ترى أنه لا
بديل عن تعظيم دور الدولة في أداء الخدمات
الاجتماعية وتوفير فرص العمل لحل المشكلة.
إلى
جانب ذلك، يشدد د. جمال زهران أستاذ العلوم
السياسية بجامعة قناة السويس على ضرورة تفعيل
القانون للحد من فوضى الإنفاق الانتخابي
وظاهرة شراء الأصوات كشكل من الأشكال غير
المباشرة لتقديم الخدمات، حيث يحدد القانون
مبلغ 10 آلاف جنيه كحد أقصى للإنفاق على
انتخابات عضوية مجلس الشعب.
لكن
الدكتور زهران يشير إلى أنه لا يوجد مرشح
يلتزم بهذا القانون، مما يفرغ مجلس الشعب من
مضمونه، ويجعل هناك تداخلاً بين السلطة
والثروة، حيث تحرص السلطة الممثلة في الدولة
على رعاية مصالح رجال الأعمال، لتضيع مصالح
المواطنين الذين جاءوا برجال الأعمال إلى
المجلس.
اقرأ
أيضًا:
برلمان
مصر غير كاف للانتقال الديمقراطي