بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

صدقات أم مسكنات للعدالة الاجتماعية؟!

2005/10/17

د.مجدي سعيد**

هل يكفي المنهج الخيري القائم على التبرعات والصدقات وحدها لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين أحوال الفقراء؟ أم أن الأمر يتطلب ثورة اجتماعية تعيد توزيع الثروات والدخول وتعيد تشكيل المجتمع بما يحقق حلم العدالة المنشود؟.

هذه التساؤلات وغيرها تبدو مهمة، خاصة أننا في شهر رمضان الذي تكثر فيه الصدقات والتبرعات تقربا لله عز وجل، غير أن أهميتها ازدادت بالنسبة لي بعد رسالة وصلتني بالميل الإلكتروني واستفزتني؛ حيث كانت تزف إلى أعضاء مجموعة إلكترونية بشرى قيام جمعية خيرية بالاتفاق مع المطاعم على جمع الطعام المتبقي من أفراح وولائم الأغنياء، وتعبئته في عبوات آمنة صحيا لتقوم بتوزيعه على دور الأيتام والفقراء.

وكان تعليقي على الرسالة أنه لمن الجميل أن نستفيد من مواردنا المهدرة في سد جوع الجائع، وكسوة العريان، لكن الأجمل أن نمنع هدر الموارد كسلوك استفزازي بأن نرشد السلوك السفيه للبعض ممن ينفقون أموالهم بهذا البذخ، بينما هناك من لا يكاد يجد قوت يومه.

إن ذلك دفعني لكي أجيب على التساؤلات الرئيسة السابقة، محاولا وضع تصوراتي في هذا الصدد.

الخيري أم الثوري؟

يعتمد أصحاب المنهج الخيري على عاطفة محبة لفعل الخير، تنطلق من العديد من الآيات والأحاديث التي تدعو الناس إلى التصدق والزكاة على الفقراء والمساكين، لكن لا يشغل بال الكثيرين منهم مسألة تحقيق العدالة الاجتماعية كنتيجة لسلوكهم الخيري ذلك.

ويبدو أنه غاب عن إدراك هؤلاء أن هناك ضابطا مهما لهذا السلوك الخيري، وهو أن الصدقة لا تجوز لذي مرة سوي كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن المنهج الخيري الذي يتبعونه يفسد الفقير أكثر مما يصلحه لأنه يجعل منه دائما يدا سفلى، وأن المنهج الخيري القويم هو الذي يعطي الفقير فرصة للعمل الكسبي كما علّم الرسول من جاءه يسأله العطية فعاونه على أن يحتطب.

أما أصحاب المنهج الثوري فينطلقون من السخط على الظلم الاجتماعي الذي تشهده المجتمعات البشرية في ظل المنهج الليبرالي الرأسمالي، والذي يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى، وزيادة التمايزات الطبقية في المجتمع.

ويمكنك أن ترى في تلك المجتمعات أمثال ذلك السلوك السفيه في إنفاق المال، وتجد سلوكيات أكثر استفزازا في كسب الأموال، تقوم على الاحتكار واستغلال حاجة الفقراء إلى العمل.

ويرى أصحاب ذلك المنهج أن العمل الخيري ليس إلا مسكنا يريح ضمائر الأغنياء ولا يحل مشكلة الفقر، ولا يحقق العدالة الاجتماعية المنشودة، ومن ثم فإن على الفقراء أن ينتظروا إلى أن تنجح النخب الاشتراكية، في تحقيق ثورتها الاجتماعية حتى يحصلوا على حقوقهم السليبة.

بين المنهجين

وفي الحقيقة أنه لا المنهج الخيري وحده، ولا الثوري وحده قادران على تحقيق العدالة المنشودة، والقضاء على مشكلة الفقر والتهميش الاجتماعيين، لكنني أتصور أن كل منهج منهما يمثل طرفا من أطراف سلسلة متصلة تقع بينهما العديد من المناهج والاقترابات، لحل تلك المشكلة، وأن علينا أن نجمع بين كل تلك المناهج جميعا، لنأخذ منها خير ما فيها لنحقق حلم العدالة الاجتماعية.

فعلى نقطة قريبة من المنهج الخيري يقع منهج آخر في التعامل مع المشكلة يلخص فلسفته مقولة "مساعدة الفقراء كي يساعدوا أنفسهم"، والذي يعتمد على إعطاء الفقراء قروضا صغيرة ومتناهية في الصغر توفر لهم رؤوس الأموال التي يفتقدون إليها، ليبدءوا مشاريعهم الخاصة المدرة للدخل.

ويقدم ذلك المنهج حلا لمشكلة عدم رغبة المؤسسات المالية التقليدية في إقراضهم لافتقادهم إلى الضمانات المادية التي لا تقرض تلك المؤسسات أحدا إلا بها، كما أنه يعتمد على نوع جديد من الضمانات تقوم على علاقات التضامن والتساند والضغط والضبط الاجتماعي التي توجد في الغالب في مجتمعات الفقراء، خاصة الريفي منها أكثر من مجتمعات الأغنياء.

والتطبيق الأبرز لهذا المنهج هو "بنك الفقراء" ونماذج أخرى أقل شهرة، ويثير هذا المنهج أمام فقهائنا سؤالا هو: لماذا لا تكون هناك صناديق للزكاة والصدقات تعطى منها قروض حسنة للفقراء والمساكين لنفس الغرض: مشاريع مدرة للدخل تساعدهم على إعانة أنفسهم على الخروج من دائرة الفقر، وبذلك تتحول الصدقات والزكاة إلى أداة تنموية.

تكتيل الفقراء

أما المنهج الآخر -الذي يقع إلى اليسار من المنهج الفائت- فهو منهج تجبيه (عمل جبهة) وتكتيل الفقراء، والذي ينقسم بدوره إلى شكلين:

* التجبيه الاقتصادي، وعرفه العالم منذ ما يقرب من قرنين، عندما أسس المفكر والاقتصادي الإنجليزي روبرت أوين في الربع الثاني من القرن التاسع عشر أول تعاونية في تاريخ بريطانيا والعالم، ومن هناك انتشرت حركة "التعاونيات" إلى العالم لتصل إلى مصر عام 1905 على يد عمر بك لطفي أحد أهم رجالات الحزب الوطني "القديم".

وتقوم فكرة التعاونيات على تكتل اقتصادي حر، وطوعي لأصحاب الإمكانات الاقتصادية المحدودة يساعدهم على تحقيق الأهداف الإنتاجية والاستهلاكية والخدمية التي لا يستطيع أحدهم تحقيقها منفردا.

* التجبيه السياسي، وعرف تاريخيا باسم نظام "طوائف الحرف" الذي يعتبر تكتلا نقابيا لأصحاب كل حرفة يمثلهم أمام المجتمع والحكومة، ويضبط نظام الترقي المهني ويحقق التضامن والتساند والضبط الاجتماعي داخل الطائفة.

لكن هذا النظام ضعف في بلادنا حتى اختفى، وفي العصر الحديث عرف العالم شكلا جديدا من تلك التكتلات مستفيدا من التطور الهائل في ثورة الاتصالات والتكتل العالمي لصغار المنتجين من البيوت Home.Net والتكتل العالمي لتجار الشوارع Street.Net.

وتحقق هذه التكتلات الضغط على الحكومات من أجل تهيئة البيئة القانونية التي تتيح لطوائف "الأرزقية" حرية العمل الشريف، بدلا من أن يكونوا هدفا لحرب البلديات بشكل دائم.

مناهج أخرى

يأتي على نفس السلسلة المتصلة منهج التجارة العادلة، وهو عنوان لحركة عالمية تسعى من أجل تبادل تجاري عالمي قائم على مبدأ أن يحصل المنتج الصغير في بلدان العالم الثالث بصفة خاصة على أسعار عادلة لمنتجاته، يحميه من تحكم الشركات متعددة الجنسيات وابتزازها له.

وإلى اليسار منه تقف حركات أناس بلا أرض Landless Peoples، وهو اسم لعدد من الحركات الشعبية في بلاد العالم، تسعى من خلال النضال السلمي للحصول على حق الفلاحين والمزارعين الأجراء في العمل على استصلاح الأراضي التي تحتجزها الحكومات أو الأثرياء دون استصلاحها.

ويقوم الفقراء باحتلال تلك الأراضي واستصلاحها وإقامة مجتمعات تعاونية عليها، وأشهر تلك الحركات هي الموجود بـ البرازيل، المعروفة باسم MST، والتي نشأت عام 1984، ونجحت في إقامة المئات من المجتمعات التعاونية لصغار المزارعين، وهناك حركة مماثلة في جنوب أفريقيا، وأخرى في بنجلاديش.

وبجوار هذه الحركات تقف حركات عالمية تعمل على مناهضة العولمة في جانبها الاقتصادي المظلم التي ترعاها مؤسسات مثل البنك والصندوق الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، والتي تفرض أنظمة اقتصادية على بقية دول العالم تحقق مصالح الشركات المتعدية الجنسيات والدول الغنية.

ومنهج تلك الحركات قائم على إحداث ثورة عالمية ضد تلك المظالم من خلال الاحتجاجات والمظاهرات والمؤتمرات المتنقلة ضد اجتماعات تلك المنظمات.

التكامل بين المناهج

إننا في واقع الأمر نحتاج إلى الروح والمنهج الخيري لكي نساعد العاجزين عن العمل والمرضى والضعفاء، ومن لا يكفيهم كسبهم من أعمالهم على أعباء الحياة، كما أننا في حاجة إلى منهج ثوري جديد قائم على ضغوط شعبية لمقاومة سلوكيات الاحتكار واستغلال العمال والفساد، وكذلك مواجهة السلوكيات الاستفزازية للأثرياء في إنفاق أموالهم، وأن الذي يعيننا على ذلك:

- تعليم تحريري على طريقة باولو فريري يمكن الناس من الرؤية النقدية لأوضاعهم ومسبباتها محليا وعالميا، وطرق الوصول إلى علاجها.

- فهم جديد للتدين قائم على مبدأ المسئولية الاجتماعية في كسب المال وإنفاقه.

- منهج متكامل لحركة شاملة تجمع بين روح حب الخير والرغبة في تحقيق العدالة الاجتماعية، وبين التحرك الإيجابي من أجل أن يحصل الفقير والمهمش على حقه في رأس المال والعمل، وفي تكوين التكتلات النقابية والتعاونية الحرة للفقراء والمهمشين والأرزقية، والنضال ضد كل سلوكيات الظلم والسفه الاجتماعي/الاقتصادي محليا وعالميا.

بذلك كله يمكننا أن نحقق العدالة الاجتماعية المنشودة.. والله أعلم.

اقرأ أيضًا:


** مشرف وحدة البحوث بشبكة "إسلام أون لاين.نت".

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع