 |
|
|
بعد
انتهاء مشهد الحرب في السودان بتوقيع اتفاقية
السلام في يناير 2005 بين الحكومة والحركة
الشعبية لتحرير السودان، بدأت تلوح في الأفق
مشاهد من نوع آخر تتصل بالأوضاع الاقتصادية،
وأبرزها مشكلة البطالة التي تتراوح معدلاتها
ما بين 15 و20%، وذلك وفقا للمسئولين الرسميين
الذين يؤكدون في الوقت نفسه غياب إحصائيات
دقيقة حول هذه المشكلة.
ولا
تعود البطالة إلى ضيق فرص العمل فنحن أمام بلد
متنوع في موارده وبكر من حيث الاستثمارات،
ولكن الخبراء يرجعونها إلى أسباب تتعلق برغبة
الشباب في الوظيفة العمومية أكثر من الإقدام
على العمل الحر، وذلك رغم أن مرتب الموظف
الحكومي لا يتجاوز خمسين دولارا (الدولار= 245
دينارا سودانيا تقريبا)، وهو دخل لا يكفي
حاجات الأسرة في ظل ارتفاع الأسعار.
كما
أن بعض الشباب تعود على كفالة أهله له حتى بعد
الزواج، خاصة مع وجود نمط الأسرة الكبيرة في
المجتمع، فضلا عن أن قيمة العمل نفسها تكاد
تكون متدنية في المجتمع السوداني، فمن الصعب
أن تجد شابا يعمل أثناء دراساته، فثمة شيوع
لحالة من الكسل الإنتاجي بين الشباب الذين
يمثلون 40% من المجتمع، ويوعز البعض ذلك إلى
حالة الحرب التي استمرت لأكثر من عقدين.
وفي
محاولة لتغيير هذه القيم نشأت مؤسسات في
المجتمع المدني تسعى إلى دفع الشباب للعمل
الحر المنتج الذي سينتعش خاصة في أجواء
الانفتاح الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب،
حيث إن ثمة توجها لدى الحكومة في زيادة رقعة
القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، وهو ما
أكده ألسون مناني مقايا وزير العمل السوداني
في تصريح سابق له بأن الدولة ستجد صعوبة في
استيعاب 50 ألف خريج سنويا؛ ولذا ستقوم بتحويل
الخريجين لعمل مشروعات صغيرة.
كسب
العيش
اتحاد
الشباب الوطني السوداني هو منظمة طوعية لها
فروع في كل ولايات السودان، وتهدف لخلق كادر
شاب قادر على التعاطي مع فرص العمل الحر، وذلك
لمواجهة أزمة البطالة في قطاع الشباب.
وحتى
تغير هذه المنظمة طريقة تعامل الشباب مع سوق
العمل، تقول "إنتصار خلف الله" مديرة
مشاريع استقرار الشباب التابعة لاتحاد
الشباب: "كان لا بد من تأهيل الشاب أولا عبر
مشروع أنشأه الاتحاد يسمى سبل كسب العيش
قبل أن تخلق له فرصة العمل". وتضيف: "لدينا
ثلاثة أشياء للشاب في مشروع سبل كسب العيش،
وهي التدريب، وعمل دراسة جدوى لمشروعه، وخلق
فرص العمل".
أيضا
فإن مشروع استقرار الشباب يساعد في عملية
تمويل مشروعات الشباب، وتقول إنتصار: "عندنا
اجتماع دوري مع مديري الاستثمار في البنوك
لتمويل الشباب بعد التدريب الجيد، وتقديم
دراسة الجدوى لمشروعه، حتى وصلنا إلى أن
الشاب يستطيع أن يمول نفسه من البنوك".
ووفقا
لمديرة المشروع، فقد تم تدريب 2000 شاب وفتاة
على 13 مجالا حرفيا، وتم إعطاؤهم أدوات الحرفة
وهاتفا نقالا، فضلا عن توفير فرص لهم في شركات
مختلفة، وإنشاء مراكز طبية لـ250 شابا. يضاف
إلى ذلك، فقد اتفق اتحاد الشباب الوطني
السوداني مع الجهاز المركزي للإحصاء على أن
توفر لهذا الأخير 50 ألف شاب من كل ولايات
السودان، للعمل في إجراء التعداد السكاني عام
2007.
ولأن
الاستثمارات الزراعية هي أهم قطاع بالسودان
حاليا؛ لذا تقول إنتصار: "إن الاتحاد اتفق
أيضا مع وزارة الزراعة على أن تخصص له 38 ألف
فدان صالحة للزراعة، بحيث يتم تسليم كل شاب 5
أفدنة، وعليه السداد بعد المحصول الأول،
ورصدنا 7 آلاف شاب لهذا المشروع الكبير".
شباب
بالاتحاد
الشباب
الذين كانوا يملئون الاستمارات في مقر
الاتحاد هم من الباحثين عن فرصة عمل أو تكوين
مشروع يبدءون به حياتهم، فيقول "أحمد جبارة":
عندي 23 عاما، وأتيت هنا أنا ومجموعة من
أصدقائي لمساعدتنا في مشروعنا الصغير بتسويق
ملابس قطنية، وعندنا أمل كبير في أن يساعدنا
الاتحاد وننجح، ولدينا تصور مبدئي للمشروع".
أما
فضل المولى هارون البالغ من العمر 27 عاما
فيقول: "سمعت أن هنا مشروعا جديدا لتدريب
سائقي التاكسي بأن يقدم لكل شاب سيارة، وأن
هناك تدريبا لكل متقدم على كيفية التعامل مع
السياح لمعرفة معلومات عن السودان، وبعدها من
الممكن أن أتملك هذه السيارة، وهذا المشروع
يعجبني لأن مثل هذه الأفكار غير موجودة في
بلدنا، وستكون ناجحة بالتأكيد".
الموبايل
والإنترنت
ومع
الدفع نحو العمل الحر في السوق السودانية،
وخاصة في العاصمة في الخرطوم، ظهرت أنواع من
الاستثمارات الصغيرة التي يقبل عليها
الشباب، وهي محلات الموبايل والكمبيوتر
والإنترنت، ومراكز الاتصالات الدولية
والعقارات.
ويعتبر
مرتضى هارون -25 عاما- أن الاستثمار في مجال
أجهزة الموبايل "مضمون"، فقد بدأ مشروعه
قبل عامين ويقول إنه "مربح لأن الموبايل هو
موضة الشارع السوداني إلى الآن"، ولكن عيب
السوق هنا هو كثرة تقليد المشروعات "فعندما
تبدأ أي مشروع وتنجح يقلدك فيه الجميع،
فينهار الكل بعد ذلك، ويدخل في دائرة الركود".
المشروعات
المرتبطة بالإنترنت وبالاتصالات تطرح هي
الأخرى نفسها بقوة في سوق العمل الحر، فيقول
"معتز الهادي"، وهو صاحب محل إنترنت
بالسوق العربية بالخرطوم: "اشتركت مع
مجموعة من أصدقائي في هذا المحل بعد تخرجنا،
وهو يعمل بصورة جيدة على مدار اليوم؛ بسبب
تلهف الشباب ورجال الأعمال عليه، فساعة النت
لدينا بدولارين أمريكيين".
أما
العقارات فباتت كذلك تجتذب المشروعات
الصغيرة وفقا لـ"إشراقة كمبال" صاحبة
محل اتصالات وعقارات بضاحية العمارات
بالخرطوم، والتي ترى أن فلسفة السودانيين
بدأت تتغير في التعامل مع العقارات، فسابقا
لم يكن هناك ما يعرف بشقق الإيجار؛ لأن الجميع
في هذا البلد يملك البيت الكبير، أما الآن
ففكرة الشقة أصبحت موجودة بعد فتح الأبواب
للمستثمرين الأجانب.
أيضا
فإن الاستثمارات في الأطعمة تغزو المجتمع،
حيث انتشرت محلات الأطعمة السريعة، وهو ما
يعتبره البعض أحد مؤشرات الانفتاح الاقتصادي
على الخارج خاصة الغرب، وإن كانت المطاعم
العالمية في الوجبات السريعة لم تقتحم بعد
السوق السودانية.
أين
المشروعات الإنتاجية؟
ورغم
أن هذه الأفكار التي ظهرت كتداعيات ما بعد
الحرب تمثل أحد مداخل معالجة البطالة، فإن
البعض يرى أن الشباب السوداني عليه أن يهتم
بالمشروعات الإنتاجية عالية القيمة المضافة،
لا سيما أن هذا البلد لديه من الموارد الكثير،
وإن كان ذلك لا يقلل من أهمية المشروعات
الخدمية والاستهلاكية.
وهنا
تقول مديرة مشروع استقرار الشباب: "عندنا
ما يزيد عن 1500 مهنة دخلت السوق السودانية من
خلال مشروعنا، مثل تصنيع الزراير من داخل
نبات الروم الذي نشتهر به، وتصنيع أدوات
البناء؛ فالمواد الخام موجودة عندنا، ولكن
ليس عندنا الخبرة، ونناشد الدولة ألا تستورد
مثل هذه المنتجات، حتى لا تتنافس مع مثيلتها
الوطنية".
يظل
أن المجتمع المدني خاصة المهتم بتنمية الشباب
وتأهيلهم عليه أن يتضافر معهم ليرسم لهؤلاء
الشباب الفرص الاستثمارية التي تقع في نطاق
قدرتهم والتي تعود بالنفع على الاقتصاد
السوداني ككل.
اقرأ
أيضًا:
**صحفية
تتابع شئون السودان