بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

"الجوع صفر".. بجمهوريات الموز!

2005/08/03

مجدي صبحي**

الرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا

تتنوع التوجهات الاقتصادية لدول أمريكا اللاتينية ما بين حكومات تتبنى بشكل تام اقتصاديات السوق الحر بما تحمله من مزايا وعيوب، ودول أخرى ترى ضرورة بناء الاقتصاد في ظل وجود قوي للدولة، خاصة في حالة أن معظم الثروة الوطنية تتمثل في مصدر أولي مهم (النفط في فنزويلا على سبيل المثال).

ويكاد لا يوجد اختلاف بين أغلب دول أمريكا اللاتينية (التي كان يطلق عليها جمهوريات الموز تعبيرا عن ضعفها وتبعيتها لأمريكا)، وأيا كان توجهها الاقتصادي لضرورة أن تحقيق نهضة اقتصادية ومعدلات نمو مرتفعة هي السبيل الأولى لمكافحة الفقر ومساندة المعوزين، فإن توفير فرص العمل والقضاء على البطالة هو الشرط الأهم للتعامل مع مشكلة الفقر.

ففي أغلب هذه البلدان برامج اجتماعية نوعية أو شاملة لحماية الفقراء وتمكينهم لكي لا تعصف بهم قوى السوق الطليقة التي لا تعرف الرحمة بالفئات الاجتماعية الضعيفة اقتصاديا. وتتفاوت هذه البرامج من حيث المدى والتمويل والأهداف.

ولعل التعرف على هذه الأنماط من مكافحة الفقر في دول أمريكا اللاتينية يساعد الدول النامية على أن تضع نصب أعينها أهمية تخفيض التكلفة الاجتماعية لعمليات الإصلاح الاقتصادي، حتى يتحقق مستوى معيشي أفضل للمواطنين.

البرازيل.. الفقراء أولا

البرازيل تقدم نفسها كنموذج نجح في إيجاد توازن نسبي بين الإصلاح الاقتصادي وتداعياته الاجتماعية خلال السنوات الماضية، فقد حققت معدل نمو اقتصادي بلغ ‏5.2%‏ في عام 2004، وهو أعلى معدل للنمو تشهده البلاد منذ عام‏ 1991.

كما تمكنت خلال عامي 2004 و2005 من فترة حكم الرئيس لولا دي سيلفا من توفير مليونين ومائتي ألف فرصة عمل جديدة‏،‏ وهذا بدوره كان أعلى رقم لفرص العمل الجديدة منذ عام ‏92، حيث شهدت البلاد نموًّا صناعيًّا بمعدلات أسرع، مما كان عليه هذا النمو خلال السنوات الثماني عشرة السابقة‏.‏ وفيما يتعلق بالحجم الكلي للأجور فقد زاد هو الآخر في حالة القطاع الأكثر تنظيما من العمال‏.‏

وبجانب هذه النجاحات، فقد شرعت حكومة دي سيلفا في تنفيذ سياسات اجتماعية مترابطة لم تشهدها البلاد من قبل‏، فتم إنشاء برنامج باسم "صفر جوع" وهو برنامج متعدد الأبعاد يشمل الإصلاح الزراعي‏، كما يشمل برنامجا للقروض الصغيرة وبرنامج المساعدات المالية للأسرة‏.‏

وعلى سبيل المثال فحتى ديسمبر 2004 كان برنامج المساعدات المالية للأسرة قد نجح في تغطية ‏6.5‏ ملايين أسرة‏، وسيزيد هذا العدد إلى ‏8‏ ملايين عند نهاية عام 2005، و‏11‏ مليونا عند نهاية عام ‏2006‏، وبهذا الرقم الأخير يكون قد تم وصول البرنامج إلى كل الأسر البرازيلية التي تعيش تحت خط الفقر، مع الأخذ في الاعتبار أن عدد الأسر تحت خط الفقر في البرازيل سيكون في تناقص خلال تلك الفترة؛ نظرًا لارتفاع معدل النمو الاقتصادي بوجه عام‏.‏

ومن خلال البرنامج تحصل الأسر الفقيرة على مساعدة مالية‏ (‏تبلغ نحو‏ 30‏ دولارا في الشهر‏)‏، وترتبط هذه المساعدة بعدد من الشروط ذات الأبعاد الاجتماعية الأوسع نطاقا‏، فلكي تحصل الأسرة على المساعدة المالية لا بد أن يكون كل أطفال الأسرة حتى سن الرابعة عشرة منتظمين في المدارس‏.

‏ كما أن على الأسرة المتلقية للمعونة أن تعطي أطفالها كل التطعيمات المقررة، وعلى الأسرة أيضا أن تكفل حصول المرأة الحامل من بين أعضائها على كل الفحوصات الطبية المقررة لها‏.‏

وتم كذلك إنشاء برنامج للقروض الصغيرة وبرنامج آخر لإقراض العمال والأخير تشرف عليه الحركة النقابية، حيث قامت بعقد اتفاقات مع البنوك لإقراض العمال لمدد تتراوح بين سنة وثلاث سنوات بمعدل للفائدة أقل من نصف نظيره في السوق‏.‏ ‏وتم توسيع نطاق هذا البرنامج ليشمل العمال على المعاش أيضا‏.‏ ويتوقع خلال هذا العام أن يبلغ عدد أصحاب المعاشات الحاصلين على قروض من هذا النوع نحو ستة أو سبعة ملايين‏.‏

وفيما يتعلق بالإصلاح الزراعي كان البرنامج الانتخابي للرئيس لولا قد ذكر أن القضية الأكثر أهمية في هذا المجال هي جعل الملايين من أبناء الشعب البرازيلي ممن يعيشون على الأرض الزراعية قادرين على الإنتاج‏، عبر توفير القروض لهم ومدهم بمظلة تأمينية لإنتاجهم‏، وبهذا كله تم إحداث نهوض كبير بالزراعة العائلية‏.‏‏ بل إن هذه البرامج تتصدى لقضايا نوعية تمس الفقراء لم يتم الالتفات لها أبدا ربما في العالم كله.

ففي البرازيل لم يكن الفقراء يمتلكون حقًّا في الحصول على علاج لأسنانهم‏.‏ إذ كانت رعاية الأسنان تعد نوعًا من البذخ‏، وهي باهظة التكلفة للغاية‏.‏ ولم تكن برامج الرعاية الصحية تشمل علاج الأسنان فكان المواطن الفقير إذا ما عانى من مشاكل في أسنانه عادة ما يفقدها‏.

‏ومن ثم فقد شرعت الحكومة في إنشاء ‏400‏ مركز لعلاج الأسنان يغطي كل منها منطقة من نصف مليون مواطن، وتقدم كل خدمات رعاية وعلاج الأسنان، وسيتم تغطية البرازيل بأسرها في منتصف العام القادم.‏

شيلي.. الدعم للمحتاجين فقط

أما في شيلي فبينما كان نحو‏ ‏42%‏ من عدد السكان يعيشون تحت مستوى خط الفقر في عام 1990‏ فإن نحو ‏18%‏ فقط من السكان الآن يعيشون تحت هذا الخط‏، وإذا بقيت البلاد تسير بالمعدلات نفسها في النمو الاقتصادي‏، وظلت تطبق السياسات الاجتماعية نفسها‏، فإنه من المتوقع تخفيض نسبة الفقراء إلى مستوى أقل من هذا بكثير‏، وهذا سيحدث بمواجهة مشكلة البطالة وأيضا بتطبيق سياسات اجتماعية وتطوير التعليم وتوفير المزيد من الفرص للمواطنين‏.‏

وتقوم السلطات في شيلي بعمل مسح اجتماعي كل عامين‏، حيث يتم توجيه أسئلة مختلفة للعائلات تتناول كل جوانب حياتها‏.‏ فيتم توجيه أسئلة حول الدخل العائلي‏، ونوع المنزل‏، ونوع وعدد الأجهزة الكهربائية المتوافرة بالمنزل‏، وهكذا يمكن تصنيف العائلات ضمن فئات محددة من حيث مستوى الدخل‏، ثم ينظر إلى ما تتلقاه كل فئة من هذه الفئات من الدعم الحكومي‏.‏

وهذا المسح الاجتماعي يساعد على إعادة توجيه الدعم؛ لأن الفلسفة الحاكمة هي توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجا له‏، ولهذا فإن الإحصاءات التي يتم الحصول عليها من المسح هي التي توجه السياسات‏.‏

فعلى سبيل المثال يتم توجيه الدعم في مجال التعليم للمرحلة قبل الابتدائية والابتدائية والثانوية‏، ولكن لا يتم دعم التعليم العالي‏.‏ حيث إن هناك دلائل على أن هؤلاء الذين يتقدمون للتعليم العالي ينتمون إلى عائلات تصنف ضمن الفئة العليا من الطبقة الوسطى‏، وهم ليسوا أغنياء ولكنهم ليسوا فقراء أيضا‏.‏ ولهذا فإنه إذا ما وجه الدعم للتعليم العالي فإنه بذلك لا يتم مساعدة الفئات الأكثر احتياجًا لهذا الدعم‏.‏ أضف إلى هذا أن خريجي التعليم العالي يحصلون على دخول أعلى عند انتهائهم من التعليم والتقدم لسوق العمل‏.‏

وفي مجال الإمداد بالمياه‏، فإن المسوحات الاجتماعية بينت أن كل الدعم الموجه في هذا المجال يذهب للطبقتين الوسطى والغنية‏؛ لأن الفقراء لا تتوافر لديهم في منازلهم التجهيزات اللازمة للحصول على المياه‏. ‏وفي مجال الإسكان كانت السياسة التقليدية منذ ‏30‏ سنة هي دعم الأرض وتسهيل الحصول على قروض للبناء‏، ولكن ثبت أن الفقراء لا يتعاملون مع البنوك‏؛ ولذا تم إعادة توجيه الدعم بحيث تقوم الحكومة ببناء مطبخ وحمام صغيرين على قطعة أرض، وتترك الأسرة لتبني حولها المنزل الذي تريده؛ لأن هذا ما كان ينقص الطبقة الفقيرة‏، وبالطبع فإن الفئات الوسطى والغنية لن ترضى بمثل هذه النوعية من السكن، ويوجه الدعم من ثم للفئات الأكثر حاجة إليه‏.‏

فنزويلا.. والخدمات الاجتماعية

فنزويلا هي الأخرى تضع الأهداف الاجتماعية في المرتبة الأولى، خاصة قضية مكافحة الفقر، وفي هذا المجال تم خفض معدل الأمية‏، كما يتم العمل على إدماج المرأة وهو واحد من أهداف الألفية‏، وفي مجال التعليم تم تحقيق تقدم كبير بحيث تتجاوز فنزويلا بحلول عام ‏2008‏ أهداف الألفية التي يفترض تحقيقها عام 2015‏.‏ وفي مجال معالجة المياه وتوفير مياه الشرب النقية والصحية تم تحقيق نحو ‏90%‏ من أهداف مشروع الألفية‏.‏

وبحلول عام ‏2008‏ أو ‏2009‏ سيكون هناك استقرار أفضل بالنسبة للفقراء في مجال القطاعات المالية، رغم التطور الكبير الذي حدث مؤخرًا. ففي مجال منح الائتمان على سبيل المثال فإن ما تم منحه من قروض صغيرة خلال الأعوام الخمسة الماضية‏ (2000-2004)، يزيد عما تم منحه في هذا الشأن خلال ‏45‏ عامًا‏ حسب التقارير الحكومية.‏

وتهتم الحكومة الفنزويلية بشدة بالقضاء على الفقر من خلال برامج اجتماعية واسعة وخاصة في مجالي الصحة والتعليم. فالإنفاق على الصحة يبلغ ‏3%‏ من الناتج المحلي الإجمالي‏، وقد توصلت الحكومة لاتفاق مع كوبا على مدها بالأطباء بحيث يوجد طبيب مقيم في وحدة صحية بكل قرية، وهناك طموح لتوفير مستشفى مجهز في كل منطقة تضم عدة قرى بحلول العام القادم.

ويبلغ الإنفاق في فنزويلا على التعليم الأساسي والثانوي ‏7%‏ من الناتج. وبذلك يبلغ الإنفاق في مجالي الصحة والتعليم 10% من الناتج‏ (أي نحو 10 مليارات دولار في العام الحالي).‏ وإلى جانب هذا فهناك موارد إضافية‏ تتوافر من بعض الصناديق الخاصة كتمويل إضافي لهذه البرامج.‏

إن هذه التجارب بدول أمريكا اللاتينية تطرح أساليب مختلفة وجدية في التعامل مع قضايا الفقر والدعم الحكومي والخدمات الاجتماعية الأساسية للمواطنين، فلا يمكن للدولة في مجتمعات فقيرة ذات مستوى معيشي متدنٍ أن تتخلى تماما عن دورها، حيث يظل هذا الدور هو الذي يحدث التوازن المطلوب ما بين حل مشكلات اقتصادية ذات طبيعة اجتماعية، وعمليات إصلاح اقتصادي وإطلاق لقوى السوق قد تحمل تكلفة باهظة على مجتمعاتنا.

اقرأ أيضًا:


** خبير اقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وقد قام خلال عام 2005 بجولة صحفية في عدد من دول أمريكا اللاتينية، والتقى عددا كبيرا من المسئولين الرسميين في هذه الدول.

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع