 |
|
أحد أحياء الصفيح في الدار البيضاء |
يحتار
المواطن المغربي طويلا أمام التناقض بين
البذخ الذي يعيشه على صعيد الحريات السياسية
والحزبية، وبين تدني مستوى المعيشة الذي تبدو
علاماته جلية في أسعار لا تعرف الرحمة،
وبطالة ترتفع دون مكافحة حقيقية، وفقر يستشري
عاما بعد الآخر، وهو ما يجعل المواطنين
يغلقون التلفاز بمجرد أن يبدأ أحد الوزراء في
الحديث عن أنه حانت لحظة قطف ثمار الإصلاح
الاقتصادي التي يرى الخبراء الاقتصاديون أن
طعمها مر.
ورغم
أن معدل النمو الاقتصادي بلغ 4.2% خلال العام 2004،
مرتفعا بذلك عن العام 2003 الذي سجل 3.2%، فإن هذا
المعدل المرتفع يخفي وراءه تدنيا ملحوظا في
مستوى معيشة المواطن المغربي، فيشير تقرير
للمندوبية السامية للتخطيط في المغرب في
بداية 2005، إلى أن الحد الأدنى للأجور هو 150
دولارا في الشهر. غير أن هناك قطاعات واسعة من
العمال يتقاضون أقل من هذا المبلغ شهريا، وفي
المقابل فإن النفقات الشهرية للأسرة التي يصل
متوسط أفرادها 6 أفراد يتجاوز 400 دولار شهريا!.
وتتعمق
هذه الفجوة بين الراتب وتكاليف المعيشة
بمدخلات أخرى، أبرزها زيادة عدد الفقراء
الذين بلغوا وفق الأرقام الرسمية 6 ملايين شخص
يمثلون نحو 19% من إجمالي السكان البالغ عددهم
32.7 مليون نسمة. وكانت النسبة تقدر بنحو 13% في
مطلع تسعينيات القرن الماضي، وهذه النسب
يتحفظ عليها الخبراء، ويرون أنها تصل إلى
أضعاف ذلك على أرض الواقع.
وتعزو
مندوبية التخطيط ارتفاع الفقر إلى اهتزاز
الاقتصاد المغربي بفعل التقلبات الدولية؛
وهو ما يجعله عاجزا عن خلق المزيد من فرص
الشغل وهو ما يزيد من أزمة البطالة التي تصل
نسبتها في الحضر بالمغرب إلى 21%، بينما تتضاعف
في الريف لتصل إلى 45%.
ويبدو
أن أزمة البطالة مرشحة للتصاعد بحدة في
السنوات القادمة، خاصة بعد المشاكل التي
تواجه قطاع النسيج في المغرب الذي يستقطب 95
ألف منصب شغل، حيث تجبره المنافسة الصينية
الشرسة على التخلي عن أعداد كبيرة من العمال.
مشكلة
اقتصادية لا سياسية
هذه
المشاهد الاقتصادية البائسة تجعل الخبير
الاقتصادي المغربي مصطفى المؤدن يعتبر أن
المشكلة في هذا البلد ليست سياسية بل هي
اقتصادية في المقاوم الأول، ويقول: "المواطن
يعيش بذخا في حرية التعبير وغيرها من الحريات
السياسية مقارنة مع بقية دول المنطقة، ولكنه
لا يجد الماء الصالح للشرب، كما هو حال آلاف
المواطنين في مناطق جبلية وصحراوية مهمشة،
ولا يجد رغيف الخبز، ولا يجد مدرسة بالقرب منه
في عدة حالات ليرسل إليها أطفاله، ولا يجد
مستشفى يضمن حياة زوجته عندما يأتيها المخاض
ولا تجد سيارة إسعاف تنقلها لأقرب مركز صحي قد
لا تجد فيه الطبيب المختص".
ويضيف
المؤدن أنه من العيب أن نسمع عن "مسيرات
العطش" التي قادها قبل أسابيع مئات من
العطشى من قلب جبال الأطلس لمطالبة المسئولين
بتوفير الماء الصالح للشرب لهم ولحيواناتهم
بعد أن جفت آبارهم المتواضعة بسبب الجفاف،
ويتساءل: "في بلد لا يزال الماء الصالح
للشرب امتيازا لا ينعم به الجميع كيف نتحدث عن
تعميم التعليم وإرسال كل أطفاله إلى المدارس؟".
بدورها
فالصحة تثقل كاهل المعيشة، ويقول المواطنون
عادة عند الحديث معهم عن هذا الأمر: "إن صحة
المغاربة بيد الله"؛ فالميزانية المرصودة
للصحة لا تتجاوز 1.24% من الناتج المحلي
الإجمالي، وحسب تقارير وزارة الصحة فإن
المواطنين يدفعون ثمن العلاج، ويمولون
القطاع الصحي بنسبة 34%، ولا تتحمل الدولة سوى
24% من مصاريف العلاج، ويتكفل التأمين ومصادر
أخرى بالباقي.
وما
يعكس ما آلت إليه الأوضاع الصحية المغربية أن
المستشفيات العمومية بدأت تسير في اتجاه
إلغاء المجانية، وأصبح المواطن المتوجه إلى
أقسام المستعجلات بمدينة الرباط، مطالبا
بتوفير مبلغ 6 دولارات لتقديمها في مدخل
المستشفى العمومي مهما كانت درجة خطورة حالته
قبل أن يصل إلى الطبيب مما يثير استياء واسعا،
ويهدد التنمية البشرية المغربية بمزيد من
الانهيار.
أيضا
فإن الأحياء العشوائية أو الصفيح أضحت تمثل
علامة من علامات الفقر في المغرب، فتشير
الإحصاءات الرسمية إلى أن 230 ألف أسرة تضم
مئات الآلاف من الأفراد يعيشون في هذه
الأحياء التي تمتد من شمال المغرب إلى جنوبه.
وتقول
أسماء البجوجي المتخصصة في علوم التسيير
المالي: إن اختلال الفوارق الاجتماعية تزداد
مع مرور الوقت؛ حيث إن وزارة المالية
والخصخصة اعترفت من خلال مذكرة أصدرتها عام
2003 بأن أعلى أجر في الوظيفة العمومية في
المغرب يمثل 73 ضعفا لأصغر أجر، في حين أنه لا
يتجاوز في دول مماثلة 10 أضعاف لأصغر أجر.
وتضيف
أن هناك تقارير أخرى تكشف أن المستفيد
الحقيقي من خدمات الصحة العمومية هم الطبقات
الميسورة لا الطبقات الفقيرة التي إن استطاعت
توفير تكاليف الاستشارة الطبية قلن تتمكن من
توفير مصاريف الدواء، خصوصا أن أسعار الأدوية
في المغرب هي الأعلى بين دول المنطقة.
مقترحات
للخروج
أمام
هذه الأوضاع المعيشية المتدنية تحاول
الحكومة المغربية القيام بعدد من الخطوات
ومنها مشروع "المغادرة الطوعية من الوظيفة
العمومية" حيث تمنح الدولة لعدد من
الموظفين تعويضات مالية مهمة مقابل مغادرتهم
الطوعية من سلك الوظيفة العمومية، من أجل
تخفيف عبء الأجور على ميزانية الدولة، ومن
أجل خلق مشاريع جديدة في القطاع الخاص من طرف
الموظفين الذين يعقد عليهم الأمل لخلق مناصب
شغل جديدة.
ورغم
أن هذه العملية ما تزال في بدايتها فقد أعلنت
أرقام وزارة تحديث القطاعات العمومية أن عدد
المستفيدين منها وصل إلى 95 ألف موظف تنتظر
منهم الدولة خلق مقاولات (مشروعات) صغيرة،
خصوصا أن التعويضات التي منحت لهم كانت مهمة.
كما
يراهن المغرب على القروض الصغرى من أجل إنشاء
مشاريع صغيرة، وهذا ما جعله يشجع المؤسسات
التي تمول المشاريع الصغيرة بنسبة فوائد
ضعيفة. وفي هذا الإطار أيضا، أعلن العاهل
المغربي في يوم 18 مايو 2005 عن خطة وطنية
لمكافحة الفقر، رصد لها 114 مليار درهم، وألح
على الأحزاب المغربية أن تكيف برامجها
الانتخابية للانتخابات المقبلة عام 2007 مع هذه
الخطة المستعجلة.
وسيتم
إنشاء صندوق اجتماعي لتمويل "المبادرة
الوطنية للتنمية البشرية" التي تهدف إلى
تقليص معدلات الفقر في المغرب، وتحسين
مستويات معيشة سكان الأرياف والمناطق
النائية. وسيقتطع 60% من رأسمال الصندوق من
موازنة عام 2006، بينما ستوزع بقية المساهمات
بين البلديات والمساعدات الدولية.
وما
يسجله المراقبون هو أن هذه المقترحات وغيرها
لا تزال في بداية الطريق ولم تقدم بعد نتائج
ملموسة لرفع مستوى المعيشة، ويضرب هؤلاء
المراقبون المثل بالاستياء الذي عم البلد
خلال شهر يوليو الجاري (2005)، بعد أن وافق
النواب المغاربة على مشروع القانون المتعلق
بمعاشات البرلمانيين والذي يتم بموجبه زيادة
رواتبهم الشهرية إلى 6 آلاف درهم (حوالي 600
دولار).
وأدى
ذلك إلى احتجاجات من قبل المنظمات الحقوقية،
وبعض الأحزاب السياسية، خاصة أن قرار الزيادة
جاء في وقت تطالب فيه عدد من القطاعات
الاجتماعية بالزيادة في رواتبها دون أن يتحقق
لها ذلك بنفس السهولة.
اقرأ
أيضًا:
**
صحفية مغربية.