 |
|
حكم الرئيس بوتفليقة يتحمل مسئولية تدهور المعيشة للجزائريين |
تواجه
الحاجة "شريفة" مشكلة يومية مزمنة لا
تعرف لها حلا، وهي ارتفاع أسعار السلع بشكل
يعجز دخل أسرتها عن تغطيتها؛ فهي لا تجد سلعة
في سوق حي البلكور الشعبي، أحد الأحياء
الشعبية في العاصمة الجزائرية إلا وقد أصابها
جنون الارتفاع.
وراحت
هذه السيدة تجري مقارنة بين الأسعار قبل عشر
سنوات واليوم، حيث كان سعر لتر الحليب دينارا
واحدا، واليوم أصبح بخمسة وعشرين دينارا (الدولار
= 80 دينارا جزائريا)، والخبز كان بنصف دينار،
فأصبح 8.5 دينارات، ويبيعه الخبازون بعشرة
دنانير، بعد إضافة الحبة السوداء عليه. ولم
تنج سلع أساسية أخرى من هذه الارتفاعات مثل:
السكر، وزيت المائدة، والأرز وغيرها.
ولا
تعرف الحاجة "شريفة" وغيرها من
الجزائريين البسطاء أن ارتفاع الأسعار الذي
أدى لتدهور مستوى معيشتهم، يرجع إلى أن
بلادهم شرعت خلال السنوات العشر الأخيرة في
إصلاح اقتصادي والانتقال من نظام اقتصادي
موجه إلى انتهاج آليات السوق، تمهيدا
للاندماج بالاقتصاد العالمي.
تخفيض
الكلفة الاجتماعية
ولأن
أبرز بنود عملية الإصلاح الاقتصادي هو تخفيض
تكلفة تدخل الدولة على الصعيد الاجتماعي؛ لذا
فقد كان على الحكومة أن تتخذ عدة إجراءات منها:
1-
تخفيض قيمة الدينار بنحو 47%، كي تعيد التوازن
النسبي للأسعار. ومما لا شك فيه فقد انخفضت
القيمة الشرائية للأجور بأكثر من نسبة تخفيض
سعر صرف الدينار.
2-
رفع الرسوم على القيمة المضافة، خاصة
المنتجات البترولية عام 1997، فارتفعت أسعار
البنزين والمازوت، فتضرر العاملون في قطاع
النقل والمزارعون، وانعكس ذلك على جيوب
المواطنين.
3-
إلغاء إعانات الاستهلاك واتباع سياسة نقدية،
قلصت فيها نفقات الدولة، حيث تعاونت مع البنك
العالمي عام 1996 في مراجعة النفقات العامة،
والنتيجة تقليص العجز الكلي للخزينة من 8.7% من
الناتج الداخلي الخام 1993 إلى 2.4% عام 1997، حسب
تقرير البنك العالمي لنفس العام.
4-
حررت الدولة معظم الأسعار، منها أسعار المواد
الزراعية والوسيطة ومواد البناء، كما ألغت
الدعم عن جميع السلع، باستثناء خمس مواد (السكر،
الحبوب، الزيت، اللوازم المدرسية، والأدوية)
عام 1994، وفي عام 1995 تم إلغاء دعم أسعار السكر
والحبوب عدا القمح، والزيت والأدوات
المدرسية. وعليه بين 1994-1996 ارتفعت أسعار
المنتجات الغذائية والبترولية إلى ما يقارب
200%، لتُجاري الأسعار العالمية، بعدما كانت
هذه المنتجات قبل 1994 تحظى بدعم الدولة.
5-
إصلاح مؤسسات القطاع العام وتشجيع القطاع
الخاص الناشئ، حيث أقر قانون المالية
التكميلي لعام 1994 السماح للرأسمال الأجنبي
بالشراكة في البنوك التجارية، والترخيص ببيع
مؤسسات القطاع العام، والسماح للقطاع الخاص
في المشاركة بحدود 49% من رأسمال المؤسسات
العمومية. وفي عام 1996 صدر قانون يسمح بمشاركة
مفتوحة للقطاع الخاص بالقطاع العام حتى 100%.
6-
تم خصخصة 200 مؤسسة عمومية محلية في مجال
الخدمات كمرحلة أولى لتتخلى الدولة عن القطاع
العام، واستبدلت نظام تسييرها من صناديق
المساهمة إلى شركات قابضة، حيث أصبحت الشركات
ذات الطبيعة الاقتصادية المتقاربة، تسيرها
شركة قابضة، مثل الشركة القابضة للصناعات
البتروكيماوية. كما تم حل 825 مؤسسة، منها 696
مؤسسة أصبحت ملكا لــ 10 آلاف عامل من أصل 50 ألف
عامل يعملون في 1323 مؤسسة عمومية محلية حتى عام
1998.
نتائج
الإصلاح
وقد
كان لهذه الإجراءات -التي اهتمت إلى حد كبير
بتخفيض الإنفاق العام والحد من عجز الموازنة-
نتائج سلبية على مستوى المعيشة من جوانب
عديدة في الجزائر، ومنها:
1-
عدم تناسب زيادة الأجور مع مستوى المعيشة،
وهو ما أدى لاتساع دائرة الفقر، حيث يشير مركز
الإحصاء الجزائري عام 2005 إلى أن الحد الأدنى
للأجور ارتفع بنحو 9 آلاف دينار جزائري (112
دولار أمريكي) خلال 1990 – 2004، وفقا للمركز
الجزائري للإحصاء.
إلا
أن الواقع يبدو غير ذلك حسب عبد المجيد سيدي
السعيد أمين عام المركزية النقابية الذي يشير
إلى أن للأجور ثلاثة مستويات أولها يتراوح
بين 10 و20 ألف دينار، وثانيها ما بين 21- 40 ألف
دينار، أما المستوى الثالث والأعلى، فيزيد عن
40 ألف دينار جزائري.
وفيما
يمثل المستوى الثالث حوالي 10% من العمال، فإن
المستوى الأول يزيد عن 50%، وهؤلاء يحصلون على
زيادة سنوية قليلة لا تتناسب مع تضاعف أسعار
الاستهلاك في عام 2004 الذي تراوح ما بين 500 و900%
مقارنة بعام 1990؛ مما يجعل زيادة الأجور غير ذي
بال بالنسبة لغالبية العاملين.
2-
اتبعت الحكومة برنامج نظام الشبكة
الاجتماعية لمساعدة المعوزين بمنح شهرية أو
نفقات شهر رمضان أو حقيبة المدرسة في بداية
العام الدراسي، أو منحة البطالة. ويهدف ذلك
إلى تخفيف الآثار الظرفية للإصلاحات، غير أن
ذلك لم يحل مشكلة الفقر، أو البطالة. فقد
تسببت إعادة هيكلة الاقتصاد بتسريح 360 ألفا
فقدوا مناصب عملهم بين 94-98. هذا في وقت يُقدر
عدد الداخلين الجدد لسوق العمل سنويا بين 250
ألفا و300 ألف تُضاف إلى خزين البطالة القائم،
وفقا للمركز الجزائري للإحصاء في عام 2004.
وكان
رئيس الحكومة الجزائرية أحمد أويحيى قد صرح
في فبراير 2004، بأن نسبة البطالة انخفضت من 29%
عام 1999 إلى 24% عام 2003، وقال في معرض حديثه عما
تحقق في العهدة الرئاسية الأولى للرئيس
الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، بأن حجم
الاستثمار قد بلغ 46 مليار دولار أمريكي خلال
الفترة 1999 – 2003، أدت إلى استحداث مليون
ومائتي ألف منصب عمل، وإنشاء 60 ألف مؤسسة
صغيرة ومتوسطة، وبلغت نسبة النمو 6.8%.
وهذه
المؤشرات جاءت في سياق الترويج للرئيس
بوتفليقة الذي فاز بولاية ثانية في عام 2004،
لكن الخبير الاقتصادي عبد المجيد بوزيدي
المستشار الاقتصادي السابق برئاسة الجمهورية
رد عليها بالقول: "إن حجم الاستثمار المعلن
عنه كان بمقدوره تحقيق نسبة نمو تفوق 11% لو
استخدمت تلك الأموال بعقلانية".
ويشير
الخبير بوزيدي إلى "أن بلوغ معدل البطالة
الـ 24% حسب ما تقوله الحكومة، يعني أنها
استطاعت توفير 450 ألف منصب عمل سنويا على مدى
خمس سنوات، وهذا غير معقول؛ لأن ما تحقق –حسب
الإحصائيات الرسمية- لم يتجاوز 120 ألف منصب
عمل سنويا".
3-
عدم عدالة توزيع الثروات، حيث بلغ دخل
الجزائر من العملة الصعبة نحو 55 مليار دولار
أمريكي عام 2005 بعد ارتفاع أسعار النفط في
السوق الدولية، لكن هذه الوفرة المالية لم
تنعكس على تحسن مستوى معيشة المواطن.
ولعل
تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2004
الصادر عن برنامج الأمم المتحدة يعطي دلالة
على ذلك، حيث كشف عن وجود 12.2 مليون جزائري تحت
خط الفقر، وتعادل نحو 40% من عدد سكان الجزائر
البالغ 31 مليون نسمة. كما بلغت نسبة البطالة
29.8% من القادرين على العمل بعد أن كانت نسبتها
24% عام 1994، وذلك جراء غلق المؤسسات العمومية
المفلسة، والتخلص من العمالة الفائضة من
المؤسسات الباقية.
ويوضح
الخبير الاقتصادي الدولي عبد المالك سراي في
حديثه لشبكة إسلام أون لاين.نت عدم التوزيع
العادل لثروات الجزائر بقوله: إن "200 ألف
شخص يحوزون على 80% من الثروة، وباقي
الجزائريين 30.8 مليونا لهم 20% من الثروة"،
ويفسر سراي الأمر ببطء الإصلاحات التي مكنت
فئة من الاستفادة دون رقيب، خاصة في سنوات
أزمة العنف، وقدرت خسائر الجزائر خلالها بـ 30
مليار دولار أمريكي حسب تصريح الرئيس
بوتفليقة.
4-
ارتفاع مستمر للأسعار مع تحريرها، ويتوقع
المحللون الاقتصاديون أن يتدهور مستوى
المعيشة في الأيام القادمة، حيث تقبل البلاد
حاليا على موجة جديدة من ارتفاع الأسعار،
نتيجة ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز بين 4.9 و10.5%
بدءا من شهر يونيو 2005، وسبقتها زيادة بأسعار
الماء بأكثر من 65% وهي مرشحة للارتفاع بعد
السماح للقطاع الخاص بالاستثمار في الموارد
المائية، كما ارتفعت أسعار مشتقات النفط (بنزين،
مازوت، غاز البوتان) منذ بداية العام الجاري.
إن
هذه نتائج الإصلاحات الاقتصادية التي طالت
المواطن العادي في معيشته أكثر مما طالت
غيره، وهو ما يتطلب حلولا جذرية وليست ظرفية
حتى لا تنفجر قنابل موقوتة، ربما تكون أشد من
تلك التي انفجرت في موجات العنف التي شهدتها
علي مدار أكثر من عقد.
اقرأ
أيضًا:
**صحفية
عربية تعمل في الجزائر.