بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

نحو صحافة اقتصادية للمواطن *

2005/05/10

القاهرة- خالد حنفي علي

مطلوب كسر الحاجز بين الصحافة الاقتصادية والمواطن العادي

ظلت الصفحات الاقتصادية في الجرائد المصرية على اختلاف مشاربها الفكرية ونوعية ملكيتها تمثل لونا من ألوان الكتابة التي لا يقبل على مطالعتها القراء مقارنة بانجذابهم للمواد المنشورة في صفحات، مثل: الرياضة، والحوادث، والسياسة الفنون، وغيرها.

ورغم أن الصحافة هي أداة اتصال تخاطب جمهورا عاديا يفترض فيه قدرته فقط على القراءة، ومن ثم وجب أن تكون رسالتها الإعلامية معبرة عن الشريحة الكبرى من احتياجات المواطنين، فإنه نشأ حاجز بين جمهور القراء والإعلام الاقتصادي؛ بسبب نزوع هذا الأخير لاستخدام مصطلحات فنية لا يعرفها معظم القراء، بل حتى قطاع كبير من المثقفين، وكأن الصحافة الاقتصادية أصبحت مرادفا لمواد الاقتصاد المدرسية.

فضلا عن ذلك فإن المواطن المصري يكاد يكون قد سقط من أولويات وقضايا هذه الصفحات، في مقابل تكريسها، إما لنمط صحافة الإنجازات في الجرائد الحكومية، أو صحافة الفساد في جرائد المعارضة.

كما أن الأخطر الذي برز في العقد الأخير هو ازدياد نفوذ رجال الأعمال في الصفحات الاقتصادية التي بدأت تنحاز لهذه الفئة على حساب قضايا المواطن العادي؛ وهو ما يدفع إلى ضرورة مراجعة الصحافة لما تطرحه من قضايا والبحث عن بديل يكسر الحاجز الذي يرتفع يوما بعد يوم.

خريطة القضايا

وتختلف القضايا الاقتصادية المطروحة في الصحف المصرية؛ فعلى سبيل المثال تهتم الصحف القومية (كالأهرام والأخبار وغيرهما) بأخبار أسواق المال والبورصات وأسعار العملة والاستثمار وغيرها، كما تمتلئ بتصريحات المسئولين الحكوميين في المجالات الاقتصادية المختلفة سواء أكان حفز استثمار أو تبادلا تجاريا أو موازنة عامة وبيع شركات عامة وتقارير البنك المركزي وبعض أخبار حول دور الحكومة في التنمية المحلية وغيرها.

أيضا فإن أخبار الاتفاقات بين الشركات ومشروعات رجال الأعمال تجد هي الأخرى مكانا لها في هذه الصفحات، وما يتفرع عنها من قضايا مثل مناخ الاستثمار والضرائب وغيرهما. وتخلو المساحة من أي رأي أو حتى تعليق على التقارير والأخبار المنشورة، باستثناء عمود رأي قد يكتبه أحد الصحفيين من ذوي الخبرات حول قضية معينة.

أما صحف المعارضة خاصة الحزبية فتميل صفحاتها الاقتصادية إلى الرأي وخاصة تقييم الأداء الاقتصادي الحكومي في الخصخصة والفساد والعلاقات التجارية بين مصر والعالم الخارجي، فضلا عن بعض القضايا الداخلية مثل سياسات سعر الصرف وغيرها.

الصحف الاقتصادية المستقلة بدورها تركز بشكل أكبر على مخاطبة قضايا فئة رجال الأعمال وعلاقتهم بالقطاعات الاقتصادية المختلفة داخل المجتمع، وذلك لاعتبارات منها أن ملكيتها تعود إلى تلك الفئة، غير أن لديها مساحة من الرأي والتفسير أكبر مقارنة بالصحف القومية.

وكما يقول الدكتور محمد إبراهيم منصور أستاذ الاقتصاد بجامعة أسيوط جنوب مصر فإن هذه الخريطة من القضايا تبعد عن هموم المواطن العادي في دولة تعاني من الفقر والبطالة وتداعيات اجتماعية خطيرة لعمليات الإصلاح الاقتصادي، ومن ثم يجب أن يلعب الإعلام الاقتصادي دورا في مواجهة هاتين الظاهرتين المستشريتين في مصر ودول عربية أخرى.

فالمواطنون في منطقتنا العربية يهتمون أكثر بالبحث عما يوفر المعيشة الكريمة ويساعدهم عليها، ولا يبحثون عن تصريحات رسمية تزين أوضاعا اقتصادية بائسة أو تقارير عن الفساد تحبط القراء؛ وهو ما يجعلهم غير مهتمين بما ينشر بالصفحات الاقتصادية، على حد قول منصور.

الاحتكار وعدم المنافسة

الحديث مع الصحفيين الاقتصاديين خاصة ذوي الخبرة في هذا المجال يكشف عن مشكلات ممتدة الجذور تفسر الحاجز الذي نشأ بين الناس والإعلام الاقتصادي بشكل عام في مصر؛ فخليل رشاد أمين عام شعبة المحررين الاقتصاديين في نقابة الصحفيين المصريين يضع أول محور يفسر الحالة الراهنة للصحافة الاقتصادية المصرية، وهو احتكار الدولة لحق إصدار الصحف، فضلا عن ملكيتها لصحف قومية تمثل غالبية أعضاء المجتمع الصحفي في مصر.

يرى رشاد أن احتكار الدولة أدى لأن تسعى المؤسسات الصحفية لتجميل وجه الحكومة التي تملك القرار في بقاء أو عدم بقاء القائمين على هذه المؤسسات، ومن هنا ركزت الصفحات الاقتصادية في الجرائد القومية على الإنجازات أكثر من ميلها للتقويم الموضوعي للأداء الاقتصادي الحكومي بما فيه من سلبيات وإيجابيات.

كما أن الاحتكار خلف وراءه قضية أخطر، وهي عدم وجود منافسة على رضا القارئ، بل على رضا الحكومة، وبالتالي تصبح تصريحات المسئولين الرسميين لدى القائمين على الصفحات الاقتصادية أهم من قضايا تمس المواطن المصري في معيشته اليومية، وفقا لرشاد.

وبسبب مراعاة الصحافة بشكل عام للمسئولين والحكومة في المقام الأول، فإننا نجد أن إدارة الصحف لا تتغير، ومن ثم يصبح التغيير في محتوى الاهتمامات بطيئا وضئيلا، وتتعمق الأزمة في ظل غياب رقابة شعبية مدنية أو لوبي شعبي يصوب من اتجاهات الصحف ويجعلها أكثر تعبيرا عن اهتمامات الناس الحقيقية.

نفوذ رجال الأعمال

بالإضافة لما سبق فمع التحول في الاقتصاد المصري من نظام قائم على التخطيط المركزي إلى سوق حرة، بدأ يتغلغل نفوذ طبقة رجال الأعمال في الصفحات الاقتصادية، حيث يتم استقطاب صحفيين للدفاع عن قضاياهم ومصالحهم، فمثلا تجد أخبارا أو تقارير تطالب بتغيير قرار معين لصالح استثمارات فلان من رجل الأعمال.

وفي هذا الصدد يرى رشاد أن المشكلة هي أنه لم يتواكب مع التحول على المستوى الاقتصادي الكلي للدولة تحصين للصحافة ضد إغراءات رأس المال، لا سيما أن العلاقة بين الصحف ورجال الأعمال متشابكة، فهؤلاء يعطون الصحف إعلانات تدر عليها عوائد مالية؛ وهو ما يجعل على عاتق إدارة الصحف بشكل غير مباشر أن تخصص لهؤلاء مساحات للدفاع عن مصالحهم وقضاياهم المختلفة أو على الأقل عدم مهاجمتهم حتى يستمر تدفق الإعلانات.

وهو ما يؤكده أيضا ممدوح الولي الصحفي الاقتصادي عضو مجلس نقابة الصحفيين المصريين، حيث يقول: ثمة مشكلة مستفحلة في الصحافة الاقتصادية وهي التداخل بين الإعلاني والتحريري، وهو ما يظهر بشكل واضح في الصفحات الاقتصادية المتخصصة التي انتشرت في الجرائد المصرية سواء أكانت قومية أم مستقلة مثل السيارات والبترول والسياحة وغيرها؛ فهذه الملاحق يتم تقديمها للقارئ باعتبارها صفحات تحريرية رغم أن لها أهدافا إعلانية.

اللافت أن إحدى الصحف الاقتصادية في مصر يقسم فيها الصحفيون بحسب علاقتهم برجال الأعمال، فهذا فلان يدافع عن قضايا رجل الأعمال فلان... وهكذا؛ لدرجة أن مستشارا إعلاميا سابقا لأحد رجال الأعمال المصريين -طلب عدم ذكر اسمه- يقول: "بعض رجال الأعمال يرسلون هدايا باستمرار لصحفيين في المواسم لتوطيد العلاقة، وتختلف حجم ونوعية هذه الهدايا بحسب موقع الصحفي في الجريدة".

مندوب الحكومة أم الناس

ولا يقتصر الأمر عند حدود الإغراءات المالية والتداخل ما بين إعلاني وتحريري؛ فالمستوى المهني للصحفيين الاقتصاديين في مصر عليه الكثير من الاستفهامات التي أدت إلى عزلة ما يكتبونه عن القراء. فرغم أن لغة الاقتصاد هي رقمية ومصطلحية فإنه لا توجد جهود تذكر لتيسير هذه اللغة للقراء؛ فالتقارير والأخبار اليومية المنشورة في الإعلام الاقتصادي تنشر دون أدنى مجهود في تعريف أبرز المصطلحات التي يحتويها.

كما أن بعض بيانات الوزارات الحكومية تنشر أيضا دون أدنى تعليق أو تمحيص في مدى صدقية المعلومات الواردة بها، وكأن الصحفي مجرد ناقل أو مروج أو مندوب لدى الحكومة وليس عين المجتمع على أداء الحكومة.

أيضا الصحفيون المصريون لا يرغبون في النزول للمحافظات لمعرفة الأوضاع الاقتصادية للناس عن قرب، وما هي المشاكل التي تواجههم، فلا يمكن لصحفي أن يفهم الاقتصاد المصري ومشاكله بشكله الكلي، دون فهم الاقتصاديات المحلية.

من جهة أخرى فثمة انفصال واضح بين الإدارة والتحرير في الصحف المصرية ينعكس بالسلب على أداء الجريدة بشكل عام ومنها الصفحات الاقتصادية، وربما أبرز نموذج حدث في هذا السياق هو الأزمة التي وقعت في يناير 2005 بصحيفة "المصري اليوم" المستقلة، بسبب رفض رئيس التحرير نشر إعلانات الخمور، بينما أيدت الإدارة ذلك؛ وهو ما أدى إلى استقالة رئيس التحرير الذي تمسك بموقفه الرافض لهذه الإعلانات. أما دور نقابة الصحفيين فيرى الكثير من الصحفيين أنه ما زال يقتصر على تقديم خدمات للأعضاء دون النفاذ لمساحة تطوير المهنة نفسها وحمايتها من إغراءات رأس المال.

غياب الرأي

غياب الرؤية التي هي الموجه لاختيار القضايا والأولويات في أي صحيفة تمثل سببا في أزمة الصفحات الاقتصادية خاصة في الجرائد القومية، كما يرى الصحفي الاقتصادي مصباح قطب مساعد رئيس تحرير صحيفة الأهالي التابعة لحزب التجمع الذي يقول إنه يجد أحيانا أخبارا منشورة لا معنى لها في بعض الصفحات الاقتصادية، مثل: هيئة كذا تمول المشروع الفلاني، دونما تفسير للقارئ لماذا يتم التمويل وما فائدته، وأضراره.

ويرى قطب أن الصحافة الاقتصادية خاصة في الصحف القومية تخلو من الرأي المطلوب خاصة في الصفحات الاقتصادية لتفهيم المواطن العادي ما يحدث، باستثناء وجود مقالات اقتصادية لبعض الخبراء في صفحات الرأي، بل المشكلة أن المحررين في الصفحات الاقتصادية انشغلوا بالدفاع عن حيازتهم الصحفية، أي القطاعات والوزارات التي يقومون بتغطيتها أكثر من اهتمامهم بما يكتبونه.

مقترحات..

الخروج من الحالة الراهنة للصفحات الاقتصادية وجعلها أكثر قربا من المواطن المصري يتطلب من وجهة نظر الصحفيين الاقتصاديين العمل على محاور مختلفة، من أبرزها تأسيس ميثاق شرف صحفي ينظم العلاقة بين المصدر والمحرر، وذلك لتحصين الصحفيين من إغراءات رأس المال، ويمنع التداخل بين الإعلاني والتحريري، كما يقترح البعض أن تخصص صحف خاصة لقضايا رجال الأعمال، حتى لا تضيع أولويات المواطن في الصفحات الاقتصادية.

أيضا مطلوب إعادة النظر في أولويات الصفحات الاقتصادية، حيث من المهم زيادة مساحة الرأي في الصحافة الاقتصادية؛ لأنها كفيلة بإيضاح الكثير من الألغاز الاقتصادية للجمهور؛ فعلى سبيل المثال بعدما ارتفع سعر الدولار أمام الجنيه المصري تواكب معه ارتفاع في الأسعار، ولكن لما انخفض الدولار لم يتواكب مع ذلك انخفاض في الأسعار، وهنا من المهم أن تقوم الصحافة الاقتصادية بدور المفسر للمواطن.

ومن الضروري كذلك أن يتم تشكيل لوبي مدني من الجمعيات الأهلية لممارسة رقابة شعبية على الصحف الاقتصادية، حتى لا تطغى اهتمامات الدولة على المواطن، كما أنه من المهم تحسين الوضع الاقتصادي للصحفيين حتى لا يتم إغراؤهم من قبل رجال الأعمال.

يظل أنه من المهم أن تعكس الصفحات الاقتصادية أحوال الناس اليومية ومشكلاتهم جنبا إلى جنب مع الاهتمامات بالأداء الاقتصادي للحكومة في القطاعات المختلفة؛ فأسعار البورصات مهمة، ولكن قد تكون أسعار الطماطم أهم بالنسبة للمواطن العادي.


* الموضوع ينشر مختصرا باتفاق مع مجلة "أحوال مصرية" مايو 2005، الصادرة عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية في الأهرام.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع