 |
|
عمال فلسطينيون ينتظرون أمام حاجز إيريز |
تمر
ذكرى الأول من شهر مايو في كل عام حزينة على
العمال الفلسطينيين الذين لا يعرفون كيف
يحتفلون بهذا اليوم ومعظمهم في خانة "بلا
عمل"؛ حتى إن أحدهم يعتبر أن هذا اليوم هو
عيد للتذكير بأحوال العاطلين الذين يدفعون
منذ انطلاق انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000
فاتورة الحصار المستمر الذي تمارسه حكومة
الاحتلال الإسرائيلي على مدن قطاع غزة والضفة
الغربية.
أبو
خالد من هؤلاء العمال الذين لديهم ظروف
مأساوية، ويروي قصته وهو غاضب قائلا: "كنت
أعمل في مهنة إصلاح السيارات في المنطقة
الصناعية إيريز (معبر بيت حانون الفاصل بين
إسرائيل وقطاع غزة)، ومع اندلاع انتفاضة
الأقصى تم فصل الكثيرين من العمل وأنا منهم".
ويواصل: "جلست في البيت دونما عمل.. زوجتي
تصرخ.. أولادي السبعة يصرخون.. الكل يردد: هات..
نريد.. لا يمكن أن نحتمل عدم وجود دخل".
تنهد
ليصارحنا بأنه بدأ يمتهن عدة أعمال؛ فاليوم
أبو خالد دهان، وغدا مزارع أو عامل نظافة،
وبعد غد عاطل لا يجد دولارا في اليوم يعطيه
لأسرته أو حتى ابنته التي جاءته تبكي لأن
المعلمة نادت اسمها من ضمن الطالبات اللواتي
سيحصلن على معونات تحت بند "للمحتاجين"،
وتشعر زوجته بالحرج أمام الجيران لأنها تسلمت
كوبونة (شيك يصرف مواد غذائية).
تلك
القصة التي تتشابه تفاصيلها مع قصص آلاف
العمال الفلسطينيين توصفها الإحصاءات التي
تتدفق من الأجهزة الرسمية الفلسطينية؛ فوفقا
لآخر مسح أجرته وزارة العمل الفلسطينية ارتفع
عدد الفلسطينيين الذين لا يعملون عام 2004 (سواء
كانوا يبحثون عن عمل أم لا) إلى287 ألفا؛ وهو ما
يشكل 32.3% من قوة العمل الفلسطينية. وقد أشارت
نتائج المسح إلى أن نسبة البطالة في الضفة
الغربية وصلت إلى 24.6%، في حين وصلت في قطاع غزة
إلى 29.8%.
تقرير
آخر صدر عن هيئة الاستعلامات الفلسطينية في
عام 2005 يشير إلى أن الحصار الإسرائيلي تسبب في
منع ما لا يقل عن 120 ألف عامل من العمال
الفلسطينيين الذين كانوا يعملون في إسرائيل
بمقابل يومي يصل إلى 27 دولارا تقريبا. وأشار
التقرير إلى أن آلافا من العمال أصبحوا بلا
عمل، بعد التدمير الشامل الذي تعرضت له
العديد من المصانع والمنشآت الفلسطينية.
انعكاسات
بكل النواحي
وكما
يقول محمد دهمان -رئيس مركز الديمقراطية
وحقوق العاملين بغزة- فإن هذه المؤشرات التي
تؤكد عمق مأساة العمال الفلسطينيين لها
انعكاسات على نواحٍ أخرى داخل المجتمع، لا
سيما أن كل عامل يعول في المتوسط 4 أفراد.
ويضرب
دهمان مثلا على تداعيات بطالة العمال بقوله:
"في آخر دراسات أجريناها في المركز تبين أن
جل الأطفال الذين يعانون من فقر دم وسوء تغذية
هم من أبناء العمال، وأن نسبة 30% من أطفال
العمال ينامون بدون عشاء، وأن الأغلبية
الساحقة من العمال غير قادرة على تلقي
الرعاية الصحية".
ويستدرك:
"وجود تأمين صحي مجان للعمال لا يكفي؛ فهذا
التأمين لا يوفر لهم شراء الكثير من الأدوية
المهمة، ولا يستطيعون من خلاله السفر للخارج
لتلقي العلاج، وعلى الصعيد التعليمي هناك 39%
من أبناء العمال توقفوا عن الدراسة الجامعية
بسبب عدم مقدرتهم على تسديد الرسوم".
ويشير
دهمان إلى أن هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة
جعلتهم يعيشون في فراغ وقلق دائمين؛ بسبب عدم
قدرتهم على توفير لقمة العيش لأفراد أسرهم
كثيرة الأفراد؛ الأمر الذي يجعل أجورهم
بالكاد تكفي لمعيشتهم اليومية حال استمرارهم
في العمل؛ فكيف بهم وقد انقطعوا عن العمل منذ
سنوات؟
وفي
الوقت الذي طالب بإقرار قوانين لحماية العامل،
وتخصيص صندوق للتشغيل والرعاية الاجتماعية؛
فقد أكد دهمان على أن الحل الجذري يكون من
خلال سياسة وطنية إقليمية دولية تشخص
الوضع الاقتصادي الفلسطيني جيدا على أسس
علمية؛ بمعنى تشخيص الداء بقدر الإمكان لوصف
الدواء المناسب حسب الإمكانيات المتاحة.
لا..
للأحلام
وعن
الأوضاع المستقبلية لعمال فلسطين ذكر مازن
العجلة -الخبير الاقتصادي الفلسطيني- أنه على
المدى القريب والمتوسط لا يمكن لوضع العمال
أن يتحسن؛ فالنشاط الاقتصادي يرتبط بالوضع
السياسي والأمني. وبحسب رأيه فإن القطاع
العمالي بحاجة إلى 7 سنوات قادمة حتى يبدأ في
الانتعاش، والوقوف من جديد.
وأضاف
العجلة أنه يجب على الفلسطينيين ألا يحلموا
أحلاما وردية بشأن الانسحاب من غزة، واستدرك:
"عندما جاءت السلطة عام 93 الكل أكد أن غزة
ستصبح سنغافورة وسيزدهر الاقتصاد، ولكن ما
حدث هو العكس، وهذا ما لا نريد تكراره بعد
الانسحاب؛ فالأمر يحتاج إلى دراسة وسياسيات
إستراتيجية واضحة يضعها رجال الأعمال لكيفية
استثمار الأيدي العاملة والحد من البطالة".
وأكد
أن هذه الأمور تحتاج إلى تعاون وتنسيق إقليمي
ودولي حتى تحقق الهدف المنشود، مشيرا إلى أن
العامل الذي يعمل لا تكفيه أجرته لتسديد
فواتير الكهرباء أو الماء أو حتى توفير لقمة
العيش، فكيف بالعامل الذي توقف عن العمل.
ونوه
العجلة إلى وجوب إعداد هياكل شاملة للسياسات
الهادفة للتشغيل، وخاصة فيما يتعلق بخلق
المشاريع الصغيرة التي يجب أن تكون منهجية
المرحلة القادمة، مشددا على ضرورة تطوير أطر
التدريب والتوجيه المهني والتعليم الجامعي،
حسب متطلبات سوق العمل الفلسطينية في المرحلة
الحالية والمستقبلية.
نماذج
تتحدى
ورغم
الصورة الصعبة للعمال الفلسطينيين ففي
المقابل نجح البعض منهم في التغلب على
المشكلات الاقتصادية من خلال ابتكارات
وأفكار جديدة وفرت له رزقا جديدا؛ فذلك عامل
انقطع رزقه بعد الانتفاضة حيث كان يعمل داخل
فلسطين 48، ففكر أن يستغل حديقة منزله في غزة
ليزرع فيها خضراوات وفواكه يطعم بها أسرته.
وتلك
أم فلسطينية تفتق ذهنها عن مشروع منزلي لصنع
المفتول تساعد من خلاله أبناءها وزوجها الذي
توقف عن العمل قبل سنوات. كما ظهرت على الساحة
الفلسطينية عدد من الحرف والمهن التي شكلت
مصدر دخل لكثير من العائلات، وأبرزها صنع
الملصقات ورسم صور الشهداء والحفر بالليزر (للمزيد
من التفاصيل حول تجارب فلسطينية في مواجهة
الأوضاع الاقتصادية انظر: إبداعات
اقتصادية للانتفاضة).
إن
هؤلاء البسطاء والعمال تحايلوا على الظروف
الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها تحت الحصار
الإسرائيلي.. فعلينا ألا ننساهم في عيد العمال،
ولا ننسى العاطلين.
اقرأ أيضا:
**
صحفية فلسطينية بمكتب
الجيل للصحافة.