في
مقدمة لكتاب عن الصواريخ التكتيكية وصف مهندس
الصواريخ الأمريكي "فوسير" شعوره عند
بداية التحاقه بالعمل بقوله: "عندما التحقت
بشركة ريثون للصواريخ شعرت بروح دافقة لم
أشعر بها من قبل، لقد شعرت أنني محمول في جو
حماسي محفز، تشتعل فيه الرغبات المشتركة في
مواجهة تحد خارق، وفي هذا الجو العام أصبح كل
نجاح يضيف إلى رصيد الزهو والبهجة عند الجميع،
وما زلت أذكر أول تجربة للصاروخ لارك المضاد
للطائرات في عام 1951 ضد نموذج لطائرة بدون طيار،
والجمهور يرنو إلى السماء متابعا المراوغة
بين الطائرة والصاروخ، حتى إذا اصطدم الصاروخ
بالطائرة كان صوت تصفيق وتهليل الجماهير قد
غطى تماما على صوت الاصطدام في السماء".
ويتابع
فوسير قائلا: "ولفترة طويلة كنت أعزو هذا
الحماس الدافق لروح الشباب، ولكنني مع الوقت
وجدت أن هذا الحماس يزداد مع الأيام ولا يخبو،
ووجدتني أبحث عن تفسير آخر غير متعلق بالسن
لهذا الأمر، وإذ بي أدرك أن هذه الروح
الحماسية كانت وليدة التحدي الفعلي للمجهول،
كلما تجاوزنا تحديا وجدنا أنفسنا في مواجهة
تحد آخر، ذلك هو طبيعة عملنا في مهنة الهندسة".
هنا
وفي هذه الفترة -أوائل الخمسينيات- كانت صناعة
الصواريخ وتطويرها من الأولويات التنموية
للولايات المتحدة الأمريكية، ومن هنا مضت
خططها التنموية في تخليق مجموعة من المشاريع
البحثية والتطويرية ليحتشد حولها العلماء
والمهندسون في مراكز البحوث والجامعات
والمراكز الصناعية.
بل
إن الولايات المتحدة -في تلك الفترة- فتحت
أبوابها لكل العلماء من شتى بقاع الأرض
ليهاجروا إليها بذكائهم وعلمهم. وفي الفترة
التي عشتها هناك -في الستينيات- رأيت آلاف
المهاجرين يصبون في بواتقها العلمية، كل منهم
يحمل أشواقه الخاصة، قلوبهم شتى وأفئدتهم طيف
قزح، ولكن جو السباق المحموم من أجل إنجاز
تنموي يرتبط نجاحه بحياتهم وبقائهم، يصهرهم
فيركضون كالعاديات ضبحا فيورون الحياة
التنموية في أمريكا قدحا.
مشروع
أفراد
إن
تخطيط التنمية وتوصيفها في النهاية إلى
مشروعات للأفراد والجماعات تحمل لهم طابع
التحدي المهني والوطني يعتبر من الفروض
العينية التي يجب أن تنشغل بها الدولة، ثم إن
اندفاع البشر نحو تحقيق أي فكر تنموي يتطلب
بعثا ثقافيا، وإعدادا عقليا، وتدريبا سلوكيا،
وإقناعا مصلحيا. فالبعث الثقافي يستنفر في
الإنسان طاقاته في البذل والعطاء في سبيل
مجتمعه، ويضبط العلاقة بين الأخذ والعطاء على
قاعدة "لا تظلمون ولا تُظلمون".
والإعداد
العقلي للقوة البشرية المنوط بها القيام على
خريطة التنمية أمر بالغ الأهمية، والناس
خُلقوا درجات في قدراتهم العقلية، وفي الوقت
نفسه فإن الأعمال تتدرج في مطالبها العقلية،
فهناك أعمال تحتاج إلى عقل عظيم، وأخرى تحتاج
إلى مهارات يدوية أكثر، وغيرها يحتاج إلى شحذ
الوجدان وتنمية الروح، فينبغي والأمر كذلك أن
يتوجه كل امرئ إلى ما يجد نفسه فيه، وألا نسرف
في الإعداد العقلي لبشر لن يكون أمامهم -طيلة
حياتهم- سوى القيام بأعمال بسيطة.
وفي
هذا الصدد فقد فقدت الحِرف القادرين عليها،
واتجهنا باندفاع شديد نحو التعليم الجامعي
غير المرتبط بأي منظومة تنموية، ولم يعد
يطعمنا إلا هؤلاء الفلاحون الشرفاء الذين
أخطأهم التعليم الرسمي، أما الذين لم يخطئهم
التعليم الجامعي فمعظمهم ينتظرون وظائف
الدولة التحنيطية!! وحتى ذلك الحين فهم يتكئون
على الأرائك، يتيهون بين الفضائيات والفيديو
كليب وكرة القدم.
بقرة
أم حاسب آلي
أعرف
فلاحا مصريا مسكينا باع بقرته ليشتري لابنه -خريج
معهد ثانوي تجاري- حاسبا آليا حتى يتدرب عليه
انتظارا للأعمال التي ستأتينا عبر البحار كما
جاءت لأهل الهند من قبلنا، ولم يعلم المسكين -كما
لم يعلم أولو الأمر من قبله- أن الهند دولة
صناعية متقدمة تستخدم الحاسوب، وتطور برامجه
من أجل صناعتها هي أولا، ثم تبيع هذه البرامج
زيادة في الخير، أما نحن فما دور الحاسب في
أمة لا تحسُب، وليس فيها مركز تطوير واحد يعتد
به في أي صناعة؟!.
أما
الإعداد السلوكي للقوى البشرية فأمر يحتاج
إلى بحوث متصلة، خاصة أن كثيرا من المهن يحتاج
إلى أنواع من السلوكيات والأخلاقيات تصحبها،
وكل مهنة تحتاج إلى تدريب سلوكي بحسبها،
والأمر كله يحتاج إلى نظر بصير وبحوث متصلة.
والناس
في النهاية يحتاجون إلى رؤية مصلحية تظهر لهم
أن ما سيقومون به من أعمال سوف يؤدي بهم إلى
الفلاح في الدنيا والآخرة، ويجعل حياتهم أكثر
يسرا، ويخرجهم من الضيق إلى الفرج القريب.
ودور
الدولة في كل هذا بالغ الأهمية، ويمكن تلخيصه
في عبارة واحدة: "التخلية بين الإنسان
وترابه الوطني ليتفاعل معه في ظل عقيدة
وشريعة ونظام؛ ليصنع طعامه ولباسه وشرابه
وسكنه، وما يستدعيه ذلك من نشاط إنساني هادف"،
وهو الأمر الذي يتطلب من الدولة:
1-
فلسفة راشدة، وتخطيطا حكيما يؤدي إلى ترجمة
التنمية إلى خريطة مشروعات حقيقية يمكن
القيام بها من خلال مؤسسات وطنية حقيقية.
2-
تصميم وتنفيذ البنية الأساسية الضرورية جدا،
بحيث يقوم أصحاب المشاريع بتوسيعات لمصلحتهم،
كل في اتجاهه.
3-
ارتباط التعليم والتدريب الأساسيين بمشاريع
التنمية الأساسية، على أن يترك أمر التعليم
المتقدم للجهد التنموي ليحقق متطلباته من
التعليم والتدريب من خلال برامج خاصة.
4-
تبني منظومة للترجمة ترتبط بمنظومة التنمية،
تختار بعناية ما يُترجم، وتعيد صياغته ليناسب
المتعلم العربي.
5-
دراسة العوائق الدولية، وحماية السوق
الوطنية، من خلال فلسفة راشدة للاستيراد
والتصدير في توازن لكل القطاعات التنموية
المرجوة.
6-
إدارة الخدمات والمشروعات التي تقوم بها
الدولة بالمفاهيم الإدارية التي تقوم على
العدل، مثل "الثواب والعقاب" و"الأجر
والحياة الكريمة" و"المسئولية والأجر"...
إلخ.
7-
الصياغة التنموية لكل مشروعات الدولة.
8-
إنشاء المنظومة البشرية التي تخطط للتنمية،
وتتأكد من اندفاع البشر إلى تحقيقها، ومتابعة
ذلك وقياس عائده الحضاري. وينبغي رعاية هذه
المنظومة والعمل على استقرارها ونموها
العلمي والمعرفي.
الذئاب
التنموية
إن
إنشاء المنظومة البشرية القادرة على التخطيط
والتنمية وبلورة فلسفتها المتراكمة من خلال
التجارب القومية والعالمية في قطاعات الحياة
المختلفة، يعد من الأمور العاجلة لعملية
الإنقاذ، وهي منظومة غائبة تقوم مؤسسات
مختلفة في قطاعات مختلفة بمهامها دون تنسيق
أو ترابط، وفي كثير من الأحيان ينتج عن هذه
السياسات المتفرقة أذى تنموي يؤدي إلى تقليص
قطاع على حساب آخر وقتل توجه على حساب آخر.
وفي
غياب هذه المنظومة تتسلل إلينا الذئاب
التنموية الأجنبية لإيهامنا باحتياجات غير
حقيقية، أو يحورون في احتياجاتنا الحقيقية،
حتى نُحرم فرصة القيام عليها بإمكانياتنا
الذاتية ونتركها لهم طائعين.
والقرآن
العظيم يضع لنا الغاية الجوهرية من أي عمل
تنموي: الإطعام من الجوع، والأمن من الخوف..
وكل تنمية لا تؤدي هذه الرسالة فهي تنمية
بتراء لا خير فيها، كما أن التنمية الحقة لا
يقوم على أمرها إلا الأحرار والأقوياء، وليس
الخائفون والمذعورون والمنبوذون، ولا بد أن
يكون للتنمية غاية كلية مرتبطة بالتوجه إلى
الخالق جل وعلا، فهي ليست تنمية للعلو في
الأرض والفساد فيها كما تفعل القوى العظمى في
هذه الأيام، ولكنها تنمية متجهة إلى الله في
مقاصدها ليعبد الناس رب هذا البيت، الذي
أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.
اقرأ
أيضًا: