 |
|
شعار بنك جاك |
هل
تتخيل أن بنكا يعمل في قلب أوربا معقل
الرأسمالية في العالم، ويصر على اتباع نظام
القروض الخالية من الفوائد التي نسميها "القروض
الحسنة" التي تعني إعطاء شخص لآخر مالا
لينتفع به على أن يرده في وقت آخر دون زيادة،
وذلك على عكس القرض الربوي الذي يتضمن زيادة
محددة تسمى الربا؟!
من
السويد تأتينا الإجابة بـ"نعم"؛ حيث
يعمل هناك أحد البنوك، ويسمى "جاك" (JAK)
بنظام القروض الخالية من الفوائد لمساعدة
صغار المستثمرين. وبلغ حجم ما أقرضه هذا البنك
حوالي 42.5 مليون دولار في عام 2000، فيما وصلت
ودائع هذا البنك في نفس العام حوالي 49 مليون
دولار.
وفي
الوقت الذي يرفض هذا البنك السويدي منطق
البنوك الربوية في توليد الأموال؛ فإنه في
المقابل أسس رؤيته الاقتصادية على أن التنمية
تقوم على ثلاثة عناصر أساسية هي: الأرض،
والعمل، ورأس المال، بالإضافة للعنصر البشري
بالطبع، وهذه العناصر يجب أن تكون حرة، وغير
مقيدة أو مستغلة من خلال نظام ائتماني ربوي.
وقد اشتق اسم "جاك" من هذه العناصر
الثلاث للتنمية باللغة السويدية: رأس المال
Kapital، العمل Arbete، الأرض Jord.
نشأة
الفكرة
جاءت
نشأة الفكرة على يد كريستيان إنجلبرث ( kristian
Englebrecht ) الذي عانى هو وعائلته من وطأة دفع
الفوائد على قرض لمزرعتهم بالدنمارك، ودفعه
ذلك إلى تكوين جمعية في عام 1931 تدعى "جاك".
وانطلقت
هذه الجمعية من فكرة أساسية؛ مؤداها أن سعر
الفائدة على القروض يؤدي إلى تركز الثروة في
يد فئة قليلة بالمجتمع، وارتفاع نسبة البطالة،
وزيادة المديونية. إلا أن الجمعية لم يكتب لها
النجاح طويلا؛ لأن الطلب على القروض بمبالغ
كبيرة في فترات متتابعة، وقصيرة أدى إلى
إفلاس البنك، وانتهت الفكرة بعد وقت وقصير.
انتقلت
الفكرة من الدنمارك إلى السويد؛ حيث التقطتها
شاب سويدي يدعى "بير ألمجرين" (Per Almgren)
استطاع تكوين جمعية تعاونية للادخار
والإقراض الحسن عام 1965 تحمل أيضا اسم جاك. غير
أنه في عام 1997 تحولت الجمعية إلى شكل بنك رسمي
يخضع للبنك المركزي السويدي الذي يضمن
الودائع للعملاء.
ومع
تحول الجمعية إلى بنك جاك ارتفع عدد أعضائها
من 19 ألف في عام 1991 إلى 26 ألف عام 2004، وبلغ معدل
الزيادة في عضوية البنك خلال الـ12 شهرا
الأخيرة حوالي 7%. ويتعامل مع البنك أعضاء من
ديانات مختلفة منها المسيحية واليهودية.
وكذلك مسلمو السويد الذين يبلغ عددهم حوالي 400
ألف نسمة من إجمالي عدد سكان البلاد البالغ 8.5
ملايين نسمة.
طريقة
عمل البنك
تختلف
طريقة عمل بنك جاك عن البنوك الربوية في عدة
محاور رئيسية تتعلق بطريقة الإقراض، وعملية
السداد، والمشروعات التي يدخل فيها البنك
واشتراطات العملاء.
غير
أن الفارق الأهم الذي يجب فهمه هو أن بنك جاك
لا يقوم بعملية خلق أو توليد أو اشتقاق النقود
مثلما تفعل البنوك الربوية، وتتم هذه العملية
من خلال وسائل عدة، منها إعادة الإقراض؛ فمن
يودعون النقود لدى البنوك التقليدية لا
يسحبون في آن واحد ما أودعوا. بل يسحبون جزءًا
يسيرًا منه في أي يوم معين، وهنا يكفي البنوك
للوفاء بطلبات السحب أن تحتفظ باحتياطي صغير (مثلا
10%) من مجموع ما أودع لديها، وما زاد (وهو 90% من
الودائع في مثالنا) تقرضه، وتنتفع بفوائده
التي تتراكم ليصبح لدى البنك مال مشتق أو تم
توليده من المال الأصلي.
كما
تتم أيضا عملية خلق النقود من خلال ما يسمى
بالنقود الدفترية التي يمكن تعريفها بأنها
نقود مسجلة في الدفاتر كأرقام، ولا وجود
حقيقيا لها، ويمكن فهمها بالمثال التالي: إذا
اقترض شخص ألف دولار من أحد البنوك، ثم قام
بإيداع هذا المبلغ في بنك آخر؛ فهذا يعني أن
الألف دولار أصبحت ألفي دولار في الدفاتر.
لكن
بنك جاك لا يلجأ إلى هذا الأسلوب، إنما يقوم
بإقراض أمواله دون فائدة؛ فمن يودع فيه
أمواله يصبح عضوا، وعوضا عن دفع الفوائد على
تلك الودائع يعطي للمودع الحق في الاقتراض من
أموال المودعين الآخرين بالبنك ما دامت
أمواله متاحة أيضا للاقتراض من قبل أعضاء
آخرين بنفس البنك.
وعلى
سبيل المثال إذا أودع أحد الأفراد 1000 دولار
لمدة عام يمكنه ذلك من الاقتراض 1000 دولار لمدة
عام، أو 2000 دولار لمدة 6 شهور، أو 500 دولار لمدة
عامين، ويسمى هذا النوع من القروض "القرض
الأساسي للفرد". وقد يقوم البنك بإعطاء
قروض إضافية قد تصل إلى تسعة أو عشرة أضعاف
القرض الأساسي للمودع، لكن بشرط أن تكون نسبة
الراغبين في الإقراض أعلى من المقترضين من
البنك.
غير
أن الأمر لا ينتهي عن ذلك؛ فبنك جاك يضع شروطا
لعملية الإقراض؛ منها توجيهها إلى مشروعات
عائدها الاجتماعي أكبر، كما يعطي أفضلية في
الإقراض لأقارب المودع وعائلته. ويرفض أيضا
هذا البنك توجيه قروضه إلى استثمارات عملاقة
لا تمس حياة المودعين واحتياجاتهم المباشرة
بصلة، إنما توجه إلى مشروعات في النطاق
المكاني للبنك؛ وهو ما يؤدي إلى عدم تسرب
الأموال من المناطق الفقيرة إلى الغنية، أو
تركز الثروة في أيدي من لا يستفيدون منها.
السداد
وتغطية النفقات
 |
|
مبني بنك جاك |
سداد
القروض في بنك جاك يتم من خلال قيام المقترض
بدفع القرض الخاص به، وبعد إتمامه يقوم
بادخار إجباري لنفس مبلغ القرض؛ وذلك حتى
يمكن للأعضاء الآخرين الاستفادة بأمواله
المدخرة كما استفاد هو نفسه بتلك الأموال،
وبعد انتهائه من الادخار الإجباري يمكنه سحب
أمواله التي ادخرها.
وعلى
سبيل المثال لو اقترض أحد المودعين قرضا بـ20
ألف دولار لشراء منزل فسيقوم بتسديد القرض
للبنك، ثم يدخر مبلغا آخر مماثلا لما اقترضه،
وبعد انتهائه من ادخار المبلغ يستطيع أن
يسحبه من البنك إذا أراد ذلك، وما يحدث هنا هو
تداول للأموال والمدخرات بشكل ودي يساعد
الأفراد على قضاء حاجتهم.
أما
تغطية بنك جاك لنفقاته فهي تختلف أيضا عن
البنوك التقليدية التي تغطي مصروفاتها من
خلال ما تحصل عليه من فوائد، بينما في هذا
البنك السويدي الذي يعمل به 25 موظفا يتم
الحصول على النفقات من مقابل الخدمات التي
يقدمها البنك للقطاع العائلي والشركات،
وكذلك الاشتراك السنوي للأعضاء الذي يصل لـ40
دولارا. وهذا الاشتراك يدفع مقابل خدمات
حسابهم البنكي، والحصول على مجلة البنك التي
تجعل العملاء على اتصال بالبنك وأنشطته وكذلك
نظير ورش العمل التعليمية التي ينظمها البنك
لأعضائه. كما أن بنك جاك يفرض مصاريف إدارية
على القروض الخالية من الفوائد وتتراوح ما
بين 2.5-3%.
مشروعات
البنك
المشروعات
التي يمولها بنك جاك تعطي أولوية لتلك التي
يكون فيها العائد المجتمعي أكبر، وتتم عملية
التمويل من خلال إنشاء حساب مصرفي بالبنك
يفتح لمشروع معين، ثم يقوم المهتمون بالمشروع
بوضع مدخراتهم به لدعم المشروع.
فعلى
سبيل المثال قام البنك من خلال هذا الحساب
بتمويل مشروع مذبح
بيئي يراعي المعايير الأخلاقية في
معاملة الحيوانات، وبدأ الإيداع في حساب
المشروع مجموعة بيئية محلية وصغار الفلاحين
الذين يعيشون بالمنطقة التي أنشئ بها المذبح
بتحويل مدخراتهم لنفس الحساب.
ولا
يسعى بنك جاك إلى إنشاء فروع خارج السويد؛ حيث
يملك فرعا رئيسيا في مدينة سكوفدي غرب
العاصمة أستكهولم، ويقوم بالتعامل مع طلبات
العملاء في أنحاء البلاد من خلال التليفون
والبريد والإنترنت.
ولأن
قضيته هي لفت الأنظار للأضرار التي يخلفها
نظام الفائدة فالبنك يعلن أنه على استعداد
لمعاونة أي مجموعة ترغب في إنشاء بنك بنفس
الفكرة في دولتها، كما أنه يشارك في
المنتديات الدولية للدفاع عن نظام القروض
الخالية من الفوائد.
اقرأ
أيضًا:
المصادر:
باحثة
اقتصادية**