|

|
|
المول إحدى وسائل زيادة النهم الشرائي
|
انتقلت
الحضارة الغربية من المقولات المرتبطة
بالرفاهية والتقدم والعمل، والتي كانت تحمل
لواءها كشعارات معلنة إلى النوايا المضمرة
والفعلية، وهي زيادة الاستهلاك بمنطق "استخدمه
ثم تخلص منه" كضرورة اقتصادية يقوم عليها
البناء الاقتصادي الرأسمالي الذي يتم تروجيه
في بقاع العالم ومنها العالم العربي
والإسلامي.
ولم
يتم هذا الانتقال بشكل فوري، فقد بدأ مع إرساء
الثورة الصناعية قواعد الاستهلاك القائمة
على مبدأ الإنتاج الجماهيري الذي يعتبر
المصنع بشكله الحديث أحد ملامحه الأساسية،
ويعتمد هذا المبدأ على التنميط والتكرارية
بدءاً من الأحذية حتى المنازل، فالملابس
تتشابه وتتوحد من أجل زيادة التوزيع إلى
درجاته القصوى، وهكذا تم وضع فلسفة خاصة
لبناء المنازل تعتمد على الاستفادة القصوى من
تلك الوحدات السكنية وتنميطها وجعلها عبارة
عن "مستنسخات متشابهة" الغرض منها توفير
مجرد المبيت وإيهام المُقيمين فيها
بالرفاهية.
واستتبع
هذا النمط من الإنتاج الصناعي ضرورة وجود
تغيرات في السلوك البشري والعلاقات
الاجتماعية، واللذان تم تسخيرهما لخدمة هذا
الإنتاج وعمليات تزايد الاستهلاك لاستمرار
النظام الرأسمالي في العالم.
التغيير
السريع
فالنمط
الاقتصادي الرأسمالي اعتمد مبدأ التغير
السريع المتلاحق الذي تجلى في أواسط القرن
العشرين في المجتمعات الصناعية الغربية التي
قامت بتحطيم نمط اقتصادي قائم على الورش
الصغيرة أو حتى على الاقتصاد الزراعي من أجل
بناء عالم جديد يتواءم مع "عالم المصنع"
والإنتاج الكبير.
ودعم
هذا النمط الإيمان بالآلة والطابع الآلي
للحياة كحل أمثل، وذلك ما يراه "ألفين
توفلر" في كتابه صدمة المستقبل: "فالتكنولوجيا
الجديدة التي يرتكن عليها مجتمع ما بعد
التصنيع التي خرجت الكثير من تصميماتها من
معامل البحث الأمريكية تأتي معها بتسارع حتمي
في تغيير المجتمع؛ يلازمه بالضرورة تسارع في
إيقاع الخطوة بالنسبة لحياة الفرد".
إن
هذا التغيير الناجم عن وجود التكنولوجيا في
حياة الإنسان الغربي كان لا بد من إيجاد مبرر
لوجوده وسرعته، وهكذا أصبح نمط التصنيع يعتمد
في وجوده على ضرورة غرس وزرع رغبات واحتياجات
جديدة ومتنوعة بشكل دائم؛ لإقناع المستهلكين
بضرورة شراء واقتناء هذه المنتجات المتلاحقة
والمتتالية، كما لو كان لا مجال للحياة
بدونها، أو أن المعيشة من غيرها ستكون أسوأ.
الإيمان
بالتسارع
والفرد
الذي استوعب مبدأ التسارع وأصبح يحسه بعظامه،
كما يدرك بعقله أن الأشياء تتحرك بسرعة أكبر
فيما حوله، حري بأن يحقق أوتوماتيكيًّا، وبلا
وعي، التعويض المناسب لضغط الوقت، فهذا الفرد
عليه أن يتكيف بسرعة مساوية لسرعة التغير
الحادث بالواقع من أجل تخطي الصدمة الناتجة
عن سرعة التحولات والتغيرات الاجتماعية
والسلوكية، وإلا أصبح خارج منظومة الحياة،
وبذلك يمسى كائنًا غير مرغوب فيه، بل وغير
متوافق اجتماعيًّا.
ولذلك
فعلى هذا الإنسان الغربي أن يكون مؤمنًا
بمبدأ الزوال، الذي يعرِّفه توفلر في نفس
الكتاب قائلا: "الزوال هو الموقوتية
الجديدة في الحياة اليومية التي ينجم عنها
مزاج أو شعور اللاثبات"، وهذه الحالة (اللاثبات)
هي بشكل عام مبدأ الحداثة في منظومة وجودها
الغربي، وأصبحت مكونًا أساسيًّا في كل ما
يتعلق بأمور الحياة العادية.
في
الوقت نفسه لم يَعُد للموروث أية قيمة تذكر في
ظل هذا العالم المتبدل، فأصبح انتشار شفرة
الحلاقات البلاستيكية ذات الثلاث شفرات،
التي تستخدم لعدد محدود من المرات، النمط
السائد الذي أوجب التخلص من شفرة الحلاقة
المعدنية التي كان يتم طيها والتي تمتاز
باستخدامها لسنوات عديدة قد تصل لعمر الإنسان
ذاته، وكان التخلص منها بحجة أن الشفرة
الثلاثية أفضل وأسرع في عملية الحلاقة.
سيارة
كل عام
فالسرعة
هي العامل المؤثر في استخدام الأشياء، بل لقد
أصبح التغيير لمجرد التغيير هو الشكل السائد.
فالسيارات يتم تغييرها سنويًّا بشكل دوري.
فبعد أن كانت السيارات يتم استبدالها لأسباب
تتعلق بالجودة والسرعة والمتانة، أضحى
التغيير يتم لأسباب تتعلق بالشكل وانسيابيته
أو كونه يمتاز بصفة الرياضية! أو الشبابية!
دون أي علاقة جوهرية بقوة السيارة أو كفاءتها.
كل
ذلك يتم عن طريق تحريك [شهوة الاقتناء] لدى
المستهلك من أجل شراء كل ما هو جديد حتى ولو لم
يكن المشتري في احتياج له، وذلك بعد أن تم وصم
كل ما هو قديم بالتخلف والقِدم وعدم مواكبة
العصر!.
إن
هذا النهم الشرائي يرتبط بعقلية التخلص من
الأشياء التي تتكون لدينا لتتلاءم مع منتجات
الاستهلاك السريع. فبعد أن كان الاستهلاك يتم
لضرورة استخدام الشيء أمسى الاستهلاك يحدث من
أجل الاستهلاك ذاته، وذلك من أجل أن ينفي
الفرد عن ذاته كونه مرتبطًا بأشياء قديمة، أو
كونه شخصية متحجرة، وبذلك يصبح مثالاً للتطور
والمواكبة لكل ما هو حديث وجديد.
وأصبحت
مقولة "استخدمه ثم تخلص منه" هي السائدة.
فالأقلام ذات الحبر الجاف أتت لكي تزيح أقلام
الحبر السائل، التي كانت راسخة من جهة
الاستخدام اليومي والتاريخي، والتي كان يتم
استخدامها لزمن طويل، إلا أن استبعادها أتاح
استخدام القلم الجاف على أنواع الورق الرديء
دون أن يُكتشف هذا وأن تلقى بعد ذلك ويتم شراء
غيرها بعد ذلك. فالعامل الاقتصادي كان هو
المسيطر في استبعاد ارتباط الإنسان الغربي
بأي نوع من أنواع الثبات، وكما يقول توفلر في
الكتاب المشار إليه سلفًا: "فبدلاً من أن
نظل مرتبطين بشيء واحد لمدة طويلة، فإننا
بدلاً من ذلك نرتبط لمدة قصيرة بعدد متتابع من
الأشياء البديلة".
الآلة
والتحديث
وأدت
سيطرة الآلة إلى إطلاق عمليات تحديث
المجتمعات الغربية، وقد استلزم ذلك وجود
ونشوء التجمعات الصناعية الكبرى التي ولدت
تراكم الأرباح وسطوة المال بالمفهوم
الرأسمالي. عندها أصبحت العديد من العواصم
الأوربية مراكز صناعية وتجارية ضخمة.
فقد
سيطرت لندن وباريس وبرلين على ما يزيد على نصف
ما ينتجه العالم من صناعات، وبدأ الاتساع
الطردي في الصناعات من أجل مزيد من السيطرة،
ويصف كل من برادبري وماكفارلن في كتابهما "الحداثة"
حال تلك المدن: "كانت تلك العواصم مراكز
للمهاجرين من الريف، فقد ازداد فيها النمو
السكاني ومن ثَم الضغوط النفسية. في تلك المدن
نجد التكنولوجيا والأساليب الجديدة والنزعة
للتحرر. فقد تحولت العواصم إلى مراكز جذب
هائلة لليد العاملة، واستوجب هذا ازدياد
السيطرة على عنصر الوقت والتحكم في كافة أوجه
الحياة من أجل الحصول على أكبر فائدة ممكنة،
وتم التوسع في توفير الخدمات (القطارات،
السفن، المحركات، شق الطرق، التلغراف).
إن
هذا الفائض من التراكم السلعي أوجد حالة من
التنافس الضاري بين الدول الصناعية؛ لذا أصبح
إنتاج آلات الحرب وأسلحتها ضرورة اقتصادية
للحفاظ على تلك المكاسب؛ لذلك أمست كثافة
إطلاق نيران المدفعية ودقة إصابتها،
بالإضافة إلى سرعتها مطلبا أساسيا لتلك القوى
الاقتصادية من أجل فرض سيطرتها على الأسواق
والتحكم في نسبة ما تحوزه كل منها.
السعار
الآلي
وانتقل
السعار الآلي من مجتمع المصنع إلى المجتمع
الغربي بأكمله، فقد سيطر منطق القوة على كافة
الطوائف، الكبير يلتهم الصغير، والقوي يصرع
الضعيف، ولم يَعُد هناك مساحة إنسانية لوجود
الكيانات الصغيرة. فالمنشآت الصناعية الكبرى
تمحو من الوجود تلك الورش الصغيرة المتناثرة،
والتي لا قبل لها بالمقدرة الآلية والتنظيمية
والمالية لتلك القوى الصناعية التي أصبحت
تحتكر الأسواق وتتحكم فيها وفي أذواق
المستهلكين.
إن
المخترعات والآلات عندما ظهرت لم تكن مجرد
آلة للاستخدام وفقط، إنما كان لها تداعياتها
في المجتمعات الغربية. فعندما ظهرت السيارة
إلى حيز الوجود لم يكن وجودها بديلاً عن
العربة التي تجرها الأحصنة أو غيرها من
الدواب، فظهور السيارة استوجب إعادة تخطيط
المدن الغربية من جديد، فلم تَعُد تلك
الطرقات الضيقة أو الترابية أو حتى ذات
الانحناءات الكثيرة تصلح لاستخدامها، حيث
إنها تحد من سرعتها الفائقة.
ويرى
مارشل بيرمان في كتابه حداثة التخلف "أن
الهندسة المعمارية والتخطيط الحديثين خلقا
طبعة محدثة مما هو رعوي، خلقا عالما ممزقا على
الصعيدين المكاني والاجتماعي، الناس هنا،
وحركة المرور هناك، العمل هنا، والمساكن
هناك، الأغنياء هنا والفقراء هناك. فالحواجز
المؤلفة من المروج الخضراء والإسمنت فاصلة
بين هنا وهناك، فقد تم تقسيم المكان
الاجتماعي للعالم الغربي وإنسانه بطبيعة
الحال وفق الضرورات التي أوجدتها
التكنولوجيا في المجتمعات الغربية والتي أدت
إلى ردود فعل متباينة حول دور عمليات التحديث
في هذه المجتمعات وأثرها.
هندسة
الفراغات
إن
إعادة هيكلة الواقع الغربي لم تقتصر على
سيطرة مجتمع المصنع أو إعادة تخطيط الطرق
والمدن، بل امتد أيضًا إلى عمليات البيع
والشراء للمستهلك العادي. أصبح وجود المحال
المتفٍرقة والمكونة من طابق أو طابقين على
جانبي الطريق عبئا، فهي لا تصلح لعمليات
البيع. فالمخزون السلعي أصبح أكبر من طاقة
استيعابها، عندها ولدت الهندسة الإنشائية
مفهوم "المراكز التجارية أو المولات"
الضخمة والتي تعتمد على فكرة "الفضاء
التجاري المتسع"، وهذا الفضاء يشكل فرصة
أعظم لتحريك شهوتي الشراء والاقتناء.
فكلما
زادت مساحة المعروض زاد الاستهلاك. ومن هنا
كان لا بد أن يلعب تصميم تلك المراكز التجارية
وأن يكون لتنمية هذه النزعات الاستهلاكية،
فبعد أن كانت المقاهي والمطاعم تطل على
الطرقات، أصبحت موجودة بهذه المراكز، فلا
مجال للإفلات، فبداخل تلك البنايات يمكنك أن
تأكل وتشرب وتشاهد العروض السينمائية وتمارس
الرياضة.
ففي
المراكز التجارية يفقد المستهلكون قدرتهم
على الإحساس بالزمن، فلا يمكن إلا أن تكون في
عالم نهاري دائم، حتى ولو كان اصطناعيًّا،
فهذا يعطي الإحساس بأن الوقت ليس متأخراً
ويجب العودة إلى المنزل، إلا أن بطء سرعة
الحركة بداخل هذه البنايات نتيجة لتصميمها
أوجد حالة من التناقض مع السرعة القائمة في
عالم المصنع أو عالم الحياة الخارجية واللذين
يستوجبان السرعة الفائقة من أجل الإنجاز،
ولكن البطء في المراكز التجارية الغرض منه
زيادة الاستهلاك لتحقيق الربح المطلق فقط.
قصارى
القول: إن وقود النمط الاقتصادي الرأسمالي هو
فك الارتباط بين الإنسان وأشيائه، فالذاكرة
لا ترتبط بأي منتج وإنما بالتسارع الزمني حتى
يدخل الإنسان في دائرة النهم الاستهلاكي التي
لا تنتهي.
اقرأ
أيضا:
**
أكاديمي مصري