بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

تكاملوا.. تفلحوا

2003/10/14

د. محمد شريف بشير- كوالالمبور  **

شعار قمة المؤتمر الإسلامي في ماليزيا

يعد العمل الاقتصادي من أهم المجالات التي يمكن من خلالها توحيد الدول والشعوب الإسلامية والانتقال بها من مجرد التعاون والتنسيق إلى مراحل متقدمة من التكامل والوحدة الاقتصادية، التي أضحت ضرورة حتى يستطيع المسلمون إيجاد موطئ قدم لأنفسهم في هذا العالم.

فالدول الصناعية والنامية تنتظم في تكتلات إقليمية وترتيبات تجارية جماعية، بغرض توفير بيئة أكثر ملاءمة لنموها الاقتصادي، والتكيف مع التغيرات العالمية التي تتجه نحو المزيد من التحرير الاقتصادي والعولمة وترابط المصالح بين الدول.

ومن شأن هذه التغيرات العالمية أن تفضي إلى زيادة حدة المنافسة في الأسواق الدولية؛ الأمر الذي يفرض على الدول الإسلامية العمل بجدية لتوسيع وتطوير أسواقها وزيادة قدرتها التنافسية، والعمل على إقامة تكتل اقتصادي وترتيبات تجارية مشتركة، حيث بات من المؤكد أن الدول التي لا تستطيع الدخول في تجمعات اقتصادية أو أي ترتيبات تجارية إقليمية ستتحول إلى سوق هامشية، وستصبح فريسة يسهل اقتناصها من جانب دول التكتلات الكبيرة، لأن عالم التجارة الدولية يحكمه قانون "الأسماك الكبيرة تأكل الصغيرة".

هذا الملف يحاول أن يناقش قضية التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية من حيث أهميتها وواقع المسلمين الاقتصادي والعوائق التي تعترضها، ويطرح أيضا جهود منظمة "المؤتمر الإسلامي" لتجاوز هذه العوائق، وكذلك تصورات لكيفية الوصول إلى أمة اقتصادية، واحدة في محاولة لتقديم رسالة للقمة العاشرة لمنظمة المؤتمر الإسلامي http://www.oicsummit2003.com/ التي تعقد في ماليزيا في الفترة من 16-18 أكتوبر 2003.

أولا: لماذا نتكامل؟

تكتسب الدعوة للتكامل الاقتصادي بين دول وشعوب العالم الإسلامي أهمية بالغة في الوقت الراهن وذلك للدواعي والمبررات التالية:

1- التكيف مع عولمة الاقتصاد والاستجابة لتحدياتها التجارية، والإنتاجية والتقنية. فالتقدم التقني أدى إلى الزيادة الإنتاجية كميًّا ونوعيًّا، مما ضاعف من حدة المنافسة الدولية في تسويق هذه المنتجات، ولا تستطيع الدول الإسلامية متفرقة -باعتبارها دولاً نامية- تنمية صادراتها بغير التعاون فيما بينها، وإقامة سوق مشتركة ومناطق تجارة حرة وتجمعات إقليمية، والانتظام في تكتل اقتصادي كبير.

2- مواجهة التجمعات الاقتصادية[1] المتنافسة على الأسواق الدولية، والتي سيتعاظم تأثيرها ويقوى نفوذها في العالم؛ وهو ما يضيق من فرص الأسواق المتاحة للدول الإسلامية، ويضعف من قدراتها الجماعية التنافسية في الأسواق الخارجية.

3- تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتي تمثل مطلباً ضرورياً للدول الإسلامية لكي تتمكن من استعادة مكانتها وترقية شعوبها، ولم يعد ذلك متيسراً في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، أو بالاعتماد على الخارج، فالدول الإسلامية يجب عليها أن تنظر إلى مصالحها في إطار منظومة تعاونية وتكاملية. وتعتبر الوحدة الاقتصادية في جميع صورها خطوات فعالة للوصول إلى وحدة حقيقية للأمة الإسلامية، وتقوية أواصر الأخوة والتعاون بين دولها وشعوبها وتحقيق تقدمها ورفاهيتها.

ثانيا: واقع المسلمين

يبلغ عدد الدول الإسلامية المنضوية تحت منظمة المؤتمر الإسلامي حالياً 57 دولة[2] وتمتد في أربع قارات، من ألبانيا في الشمال (أوربا)، وموزمبيق في الجنوب (أفريقيا)، وجيانا في الغرب (أمريكا اللاتينية) إلى إندونيسيا في الشرق (آسيا). وتحتل الدول الإسلامية 16.7% من مساحة العالم، ويبلغ عدد سكانها حوالي 20% من سكان العالم، وبذلك تعتبر منظمة المؤتمر الإسلامي أكبر منظمة دولية بعد هيئة الأمم المتحدة SESRTCIC: 2003)).

وحسب تصنيف البنك الدولي فإن جميع الدول الإسلامية تعد دولاً نامية

(World Bank: 2002)، وتتفاوت في أوضاعها الاقتصادية وهياكلها الإنتاجية تبعاً للتباين في مستوياتها التنموية وأدائها الاقتصادي، ويمكن رصد أهم ملامح الواقع الاقتصادي لهذه الدول كما يلي:

1- دول أقل نموا: وفقا للبنك الدولي فإن هناك 22 دولة إسلامية تقع تحت قائمة الدول الأقل نمواً، وهو ما يعادل 45% من إجمالي الدول الأقل نمواً، بينما يبلغ عدد الدول الإسلامية متوسطة الدخول 31 دولة من جملة 57 دولة إسلامية، وهو ما يعادل 54% من إجمالي الدول الإسلامية (World Bank: 2002).

أما نصيب الفرد من الدخل القومي فلا يتجاوز 655 دولارا في السنة أو أقل من ذلك في الـ31 دولة، التي يصل عدد سكانها إلى 67% من إجمالي سكان العالم الإسلامي ((SESRTCIC Statistical Database 2002.

ورغم زيادة معدلات النمو الاقتصادي في الدول الإسلامية خلال الفترة 2000-2001، فإنها تعد زيادة أقل مما حققته جميع الدول النامية (World Bank: 2002). كما أن توزيع هذا الناتج يعكس تفاوتاً مريعاً بين الدول الإسلامية مقارنة بالبلدان النامية، حيث يعد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي منخفضاً عن المتوسط في مجموعة الدول النامية، ومن ناحية أخرى هناك تفاوت كبير أيضاً داخل مجموعة الدول الإسلامية. (SESRTCIC: 2002)

2- ديون وفقر: حيث يصل عدد الدول الإسلامية المثقلة بالديون 18 دولة حتى يناير 2002، أما متوسطة الدين فعددها 9 دول (World Bank: 2002; IMF 2002).

ويعاني من الفقر في العالم الإسلامي ما لا يقل عن 338 مليون نسمة، وهو ما يشكل 31% من مجموع سكان العالم الإسلامي، هذا ما أشارت إليه إحصاءات برنامج الأمم المتحدة للتنمية ومؤشرات التنمية البشرية للعام 2002.

وتنخفض توقعات الحياة لهؤلاء السكان الفقراء إلى 50% ولا تتجاوز التوقعات العمرية لديهم 40 سنة، أما الذين لا يحصلون منهم على مياه شرب نقية فتصل نسبتهم إلى 50%، وتصل معدلات القيد المدرسي في حوالي 20 دولة إسلامية إلى درجات متدنية، وهي أقل من المعدلات المسجلة في مجموعة الدول النامية (UNDP: 2002).

3- الهيكل الإنتاجي والتجارة: تعد الزراعة والنفط أهم القطاعات التي يتركز حولها النشاط الاقتصادي في العالم الإسلامي، وتساهم بـ50% في الناتج المحلي الإجمالي للعالم الإسلامي. كما أن هناك 13 دولة مصدرة للنفط من بين الدول الإسلامية.

هذه البنية الاقتصادية الضعيفة تشكل عنصراً سلبيًّا يعيق من التكامل الاقتصادي، حيث لا تستطيع الدول الإسلامية تنمية التجارة البينية، كما تعجز عن تلبية حاجتها من التكنولوجيا والسلع الصناعية والمستوردات اللازمة لتحقيق التنمية الاقتصادية دون اللجوء إلى خارج العالم الإسلامي.

ويؤكد ما سبق معدلات التبادل التجاري المنخفضة بين الدول الإسلامية. فالتجارة البينية للدول الإسلامية لا تتعدى 10% للصادرات و13.4% للواردات، بينما تجارة الدول الإسلامية مع الدول الصناعية فتصل إلى 55.3% من جملة صادراتها، وحوالي 55.1% من جملة وارداتها  (SESRTCIC:2003).

إن التبادل التجاري بين معظم الدول الإسلامية ما يزال ضعيفاً. ويجب ألا تقودنا هذه النتيجة السلبية إلى القول بأن التكامل الاقتصادي بهدف الوصول إلى مراحل متقدمة من التكامل غاية صعبة المنال، وإنما يجب العمل المتواصل لإيجاد الوسائل الممكنة لتقوية الاقتصاديات القطرية، ووضع الخطوات الضرورية للتكامل الاقتصادي موضع التنفيذ.

ثالثا: العقبات والتحديات

الفقر أحد التحديات الكبيرة للمسلمين

هناك جملة من العقبات التي تعترض مسيرة الوحدة والتكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية منها ما هو سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي، لكن سنقصر الحديث هنا على العقبات ذات الطابع الاقتصادي ونوجزها فيما يلي:

1. التباين الاقتصادي والفروق التنموية بين دول العالم الإسلامي، وذلك نتيجة تخلف البنية التحتية في الكثير من هذه الدول، ونقص شبكات المعلومات؛ وهو ما يعيق من الاتصالات المباشرة بين الدول الإسلامية لدرجة أن الصلات والمعاملات بين هذه الدول تمر عبر أطراف أخرى ربما في قارات متباعدة مثل: خدمات الاتصالات والنقل والخدمات المالية والمصرفية. ويشكل ذلك عوائق حقيقية أمام المشروعات والتعاونية والمشتركة ما لم يتوجه الجهد الوحدوي إلى التنمية الاقتصادية بصورة مباشرة ومكثفة.

2. التفاوت والاختلاف الشديد بين الدول الإسلامية في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. وعلى وجه الخصوص من النواحي السكانية والهياكل الاقتصادية والأنظمة الاقتصادية والسياسية ومستويات ومراحل التنمية الاقتصادية وحجم الموارد الطبيعية والعلاقات الدولية والاهتمامات والأولويات القطرية. فهناك دول مكتظة بالسكان، مثل: إندونيسيا التي يبلغ عدد سكانها حوالي 200 مليون، وباكستان، وبنجلاديش، ونيجيريا، أكثر من 100 مليون نسمة لكل واحدة منها. وهناك دول صغيرة الحجم، مثل: بروناي وسورينام التي يقل عدد سكانها عن 500 ألف نسمة.

أما من جهة الناتج المحلي الإجمالي فنجد مثلاً السعودية التي يصل ناتجها إلى 167 مليار دولار مقارنة بجزر القمر التي لا يتجاوز ناتجها 220 مليون دولار. ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي لأكبر 6 دول في العالم الإسلامي ما نسبته 52% من إجمالي الدخل في العالم الإسلامي (إندونيسيا والسعودية وماليزيا وإيران وتركيا ومصر)  (SESRTCIC: 2002a).

3. التباين والفروق في الهياكل الاقتصادية والبنية الإنتاجية بين الدول الإسلامية ينعكس على مستويات المعيشة والدخول. فهناك 22 دولة إسلامية تصنف ضمن الدول الأقل نمواً، وتعتمد على عدد محدود من السلع الزراعية والمنتجات الخام. ووفقاً لإحصاءات عام 2001 يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لدولة فقيرة مثل سيراليون 150 دولارا، بينما في قطر كدولة غنية يصل 27918 دولارا. وينعكس التفاوت في مستويات الدخول على ميزان الموارد للعديد من الدول الإسلامية. معظم الدول الإسلامية لها ميزان سالب للموارد، وهذا يشير إلى أن الادخار الكلي أقل من الاستثمار الكلي، بمعنى أن الادخارات لا تكفي لسد الاستثمارات، وهذا يفسر المديونية المرتفعة التي تقع تحت وطأتها معظم الدول الإسلامية، حيث تمثل مديونية الدول الإسلامية 24.8% من إجمالي مديونية الدول النامية في عام 2000. ويؤدي ذلك في مجمله إلى تعويق التنمية الاقتصادية وإبطاء عجلة التعاون الاقتصادي، ويزيد من حدة المشكلات الهيكلية والمزمنة التي يعاني منها كل اقتصاد على حدة.

4. التماثل النسبي في البنية السلعية للتجارة الخارجية للدول الإسلامية، وفي بنية القطاع الصناعي، فضلا عن التباين في السياسات والتوجهات الاقتصادية. لذلك فإن العمل لتحقيق التعاون والتكامل الاقتصادي يتطلب إعادة النظر على نحو مشترك بالسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية والتجارية المطبقة في كافة الدول الإسلامية إلى إصلاحات شاملة وأساسية.

5. قد يظن أن تماثل البنية السلعية للتجارة الخارجية والبنية الصناعية ربما يؤدي إلى تضارب مصالح بعض الفئات في البلدين في الأجل القصير. ومع الاعتراف بضرورة عدم القفز فوق هذه المصالح؛ فإنه من الأهمية بمكان العمل على توسيع قاعدة المصالح المشتركة من خلال تشجيع رجال الأعمال في الدول الإسلامية للقيام بمشاريع مشتركة تعزز التكامل الاقتصادي والترابط الاقتصادي بينها، وأن يتم التخصص الاقتصادي في الدول الإسلامية ليس حسب القطاعات وحدها بل داخل القطاع الواحد، بحيث يحفز هذا التخصص النمو والتكامل ويقلل التعارض وتضارب المصالح.

والواقع أن نجاح عملية التعاون والتكامل الاقتصادي يتوقف على قدرتهما على تحفيز الاستثمار الإنتاجي على تحول تكاملي وليس تنافسيا. ومن هنا تأتي أهمية توفر رؤية مستقبلية مشتركة للتنمية الاقتصادية، وضرورة وضع الإستراتيجيات واعتماد الآليات الكفيلة بتحقيق ذلك.

هذه العقبات الناجمة عن التباين والتفاوت الكبير في أوضاع الدول الإسلامية تمثل في حد ذاتها تحديات مباشرة أمام أي مشروع للعمل الاقتصادي المشترك؛ وهو ما يدعو على وجه السرعة إلى استنهاض الهمم بجدية تامة لإيجاد المتطلبات الضرورية لتحقيق التعاون والتكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية.

إن التكامل الاقتصادي ابتداءً من المراحل الأولية ووصولاً إلى مرحلة السوق المشتركة يستلزم توفير الشروط الأساسية كما يتطلب اتباع سياسة الخطوات المتدرجة دون القفز على المراحل؛ لأن التسرع واختزال الخطوات سيفضي إلى إجهاض المشاريع الوحدوية وإرباك خطتها دون الوصول إلى نتائج مثمرة في نهاية المطاف، فالوحدة في أي شكل من أشكال التكامل الاقتصادي تتطلب قدراً كبيراً من التقارب الاقتصادي وأرضية ثابتة من السياسات المشتركة.

رابعا: جهود "المؤتمر الإسلامي"[3]

جهود المنظمة تحتاج لدفعة كبيرة

بذلت منظمة المؤتمر الإسلامي طيلة 29 عاماً من عمرها -أي ما يقارب ثلاثة عقود- جهوداً كثيرة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية على مستوى الأطر المؤسسية والاتفاقات متعددة الأطراف وإتاحة تسهيلات تمويلية لدعم مشروعات البنية التحتية في الدول الإسلامية، وعلى سبيل المثال لا الحصر نورد أهم ما قامت به المنظمة على صعيد التعاون والعمل الاقتصادي المشترك بين الدول الإسلامية في الآتي:

1. تأسيس البنك الإسلامي للتنمية في ديسمبر 1973، والذي بدأ مباشرة أعماله في أكتوبر 1975، وتتبع البنك مؤسسات ووحدات بحثية وتنموية وتمويلية تهدف لتقوية دور البنك في تنمية الدول الإسلامية.

2. قيام مركز الإحصاء الاقتصادي والبحوث الاجتماعية والتدريب ومقره العاصمة التركية أنقرة وذلك في عام 1977، ويهدف إلى جمع ونشر البيانات والمعلومات الخاصة بالدول الإسلامية وإجراء البحوث والبرامج التدريبية لصالح الدول الإسلامية.

3. إنشاء مركز التدريب الفني والمهني والذي تطور لاحقاً ليصبح الجامعة الإسلامية التكنولوجية، ومقرها دكا في بنجلاديش، ثم إنشاء غرفة التجارة والصناعة الإسلامية، ومقرها كراتشي في باكستان عام 1979، وقيام المركز الإسلامي لتنمية التجارة ومقره في الرباط بالمغرب.

4. المصادقة على الاتفاقية العامة للتعاون الاقتصادي والفني والتجاري في عام 1977 وهدفت إلى تشجيع انتقال رءوس الأموال، وتبادل معلومات الاستثمار، وتبادل الخبرات الفنية والمهارات التكنولوجية بين الدول الأعضاء، وبدأ العمل بالاتفاقية في 1981 بتوقيع 41 دولة، بينما بقية الدول اكتفت بالموافقة المبدئية. وكذلك إقرار اتفاقية تشجيع وحماية وضمان الاستثمارات في 1981، وبدأ العمل بها في 1988 بتوقيع 31 دول من جملة أعضاء المنظمة.

5. مشروعات متعددة الأطراف تهدف لتقديم التسهيلات المالية لتمويل الصادرات تحت رعاية البنك الإسلامي للتنمية وتمويل التجارة الخارجية للدول الأعضاء.

6. تبني اتفاق إطاري لنظام التفضيلات التجارية عام 1991، وقع فقط من 23 دول وأقرته مبدئياً، 9 دول ويحتاج إلى مصادقة 10 دول أخرى.

ومع تقدير الدور الكبير للمنظمة فإن المتحقق من الأهداف الاقتصادية ما يزال بعيداً عن الخطة المرسومة، ولا يرقى إلى طموحات الشعوب الإسلامية في الوحدة والتكامل. لكن رغم النقص والقصور الذي يعتري المسيرة فإن المنظمة تظل الإطار المؤسسي الممكن لتحقيق وحدة الأمة الإسلامية من خلاله، وذلك لما لديها من خبرة تاريخية ومؤسسات قائمة، والمطلوب تفعيل دورها وتطوير مؤسساتها وتقويم خطتها وتكميل نقصها ودعم رسالتها بإرادة جماعية متحدة تستهدي بخطة إستراتيجية واضحة المعالم، مرسومة الخطوات. وعليه فليس من الحكمة البحث عن إطار بديل للمنظمة ربما لا يكون مؤهلاً للبقاء ولا تسمح الظروف الإقليمية والدولية الراهنة بصموده في وجه الهجمات التي تتعرض لها الأمة الإسلامية.

خامسا: سبل وأطر التكامل

يعد خيار التكامل الاقتصادي عبر التنمية من أكثر الخيارات ملاءمة للعالم الإسلامي؛ لأنه يؤسس للتعاون والتكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية من المنظور التنموي الذي يربط بين التجارة والإنتاج والاستثمار في منظومة تكاملية واحدة كنموذج للوحدة الاقتصادية الإسلامية، بمعنى أن التجارة الحرة المشتركة تقوم على سياسات إنتاجية واستثمارية وجمركية مشتركة، وتستند على سياسات مشتركة ومتناسقة في مجالات: التوظيف والضرائب والرسوم والمساعدات والأسعار والصرف والملكية والعملة والضمان الاجتماعي.

وهناك 6 أشكال للتكامل والتكتل الاقتصادي الإقليمي بين الدول يمكن تصنيفها على النحو التالي:

1- منطقة التجارة التفضيلية: تمثل أبسط صور التكامل الاقتصادي، تظهر على هيئة اتفاقية تجارة تفضيلية تتمتع فيها الدول الأعضاء بتخفيض الرسوم الجمركية على أصناف محددة من السلع، بينما تخضع السلع الأخرى لرسوم جمركية عالية.

2- منطقة التجارة الحرة: تهدف إلى زيادة التبادل التجاري بين الدول الأعضاء من خلال تخفيض الرسوم والقيود الجمركية على السلع التي تنتجها الدول الأعضاء. وعندما تضم عدداً من الدول وتأخذ شكل مشروعات مشتركة متعددة الأغراض فإنها يطلق عليها منطقة حرة إقليمية.[4]

3- الاتحاد الجمركي: يعتبر أعلى سقفاً من منطقة التجارة الحرة، لعدم اكتفاء الدول الأعضاء بتخفيض وإزالة الحواجز الجمركية والقيود التجارية فحسب، وإنما تتوحد المعاملة الجمركية من جانب الدول الأعضاء تجاه الأطراف غير الأعضاء لحماية السلع الوطنية من المنافسة الخارجية وتضيق السوق على السلع المستوردة.

4- السوق المشتركة: تهدف إلى إطلاق حرية تبادل السلع والخدمات وانتقال العمال ورءوس الأموال بين الدول الأعضاء. وتزال كافة القيود أمام مواطني الدول الأعضاء لممارسة التجارة والاستثمار والعمل مع تنسيق السياسات التجارية والاستثمارية والصناعية.

5- الاتحاد النقدي: يقوم على تأسيس سلطة نقدية واحدة للدول الأعضاء، ويكون لها عملة موحدة يتم تداولها بين الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي.

6- الاتحاد الاقتصادي الكامل: يتم من خلال اندماج الاقتصاديات القطرية للدول الأعضاء في كيان واحد، وتصل السياسات الاقتصادية والاجتماعية إلى درجة عالية من التكامل والوحدة، وتتوحد للدول الأعضاء في بنك مركزي وعملة واحدة وخطة إستراتيجية شاملة.

وبياناً لأشكال التكامل الاقتصادي آنفة الذكر يوضح الجدول التالي الحالة التي عليها بعض التجمعات الاقتصادية التي تضم دولاً إسلامية.

حالة التكامل الإقليمي لمجموعات دول إسلامية

شكل التكامل الإقليمي

عدد الأعضاء

اسم المجموعة

اتحاد جمركي

12

مجلس الوحدة الاقتصادية العربية

منطقة تجارة تفضيلية

10

منظمة التعاون الاقتصادي

1- اتحاد جمركي

2- سوق مشتركة

6

مجلس التعاون الخليجي

1- اتحاد جمركي

2- سوق مشتركة

5

اتحاد المغرب العربي

1- سوق مشتركة

2- اتحاد نقدي

6

الاتحاد النقدي والاقتصادي لغرب أفريقيا

سادسا: السوق الإسلامية المشتركة

تعود فكرة السوق الإسلامية المشتركة إلى مؤتمر القمة الإسلامية الثانية لدول منظمة المؤتمر الإسلامي التي عُقدت عام 1971 في مدينة لاهور في باكستان. ودعت وثيقة (إعلان لاهور) الصادرة عن المؤتمر إلى اعتبار السوق الإسلامية المشتركة هدفاً طويل الأجل للمنظمة يجب الإعداد السليم والدقيق لتحقيقه (SESRTCIC: 2002a).

وأكدت مؤتمرات القمة اللاحقة إضافة إلى اجتماعات وزراء خارجية الدول الإسلامية أهمية قيام السوق الإسلامية المشتركة، خاصة مؤتمر القمة الثامن الذي انعقد في ديسمبر عام 1997، حيث أصدر قرارات بتأسيس السوق الإسلامية المشتركة. واتخذت خلال العقود الثلاثة من عمر منظمة المؤتمر الإسلامي خطوات عملية عديدة وذلك بهدف تقوية العلاقات التجارية وتحسين الترتيبات المؤسسية، وتطوير التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية. ويعد أهم تقدم في هذا المجال هو تبني خطة عمل لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري في عام 1981 وكونت لغرض تنفيذ هذه الخطة اللجنة الفنية للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول الإسلامية والمعروفة اختصاراً بـ(كوميسك).

وقد عدلت خطة العمل للتعاون الاقتصادي والتجاري في عام 1994، وذلك لاستيعاب التغيرات الاقتصادية والسياسية في العالم، وتضمن التعديل تبني إستراتيجية جديدة وآلية للمتابعة والتنفيذ، وما تزال الخطة المذكورة معمولا بها ولم تصل إلى تحقيق أهدافها، وذلك لما يكتنفها من بطء في التطبيق، وقصور في المتابعة والتنفيذ، وعقبات أخرى من أبرزها تعارض المصالح والسياسات بين الدول الأعضاء القطرية، وضعف الالتزام الجماعي بالمقررات المتفق عليها.

شروط السوق الإسلامية:

1. تحرير التجارة: وتتوفر هذه البيئة عندما توافق جميع الدول الإسلامية على إزالة كافة الحواجز والقيود الجمركية وغير الجمركية أمام تدفق السلع والخدمات وتطبق نوعا من السياسة الجمركية الموحدة تجاه الدول غير الأعضاء.

بمعنى أن السلع والخدمات التي يعد مَنْشؤُها دولة إسلامية سيتم تبادلها في أسواق جميع الدول الإسلامية بحرية تامة. بينما السلع والخدمات الأجنبية يتم التعامل معها بوضعية أخرى. هذا يعني حماية الصناعات المحلية للدول الإسلامية من المنافسة الأجنبية.

2. تحسين المنتجات في دول العالم الإسلامي وتقوية أوضاعها التنافسية، وستؤدي السياسات التجارية والمزايا نتيجة السوق المشتركة إلى زيادة حجم التجارة الخارجية بين الدول الإسلامية، وبالتالي زيادة الطاقة الإنتاجية وزيادة الطلب على المنتجات الصناعية لهذه الدول، وتستطيع تعظيم منافعها من تحرير التجارة داخل التجارة البينية أكثر من تحرير التجارة على المستوى العالمي.

3. حرية انتقال عوامل الإنتاج: وهذا يؤدي إلى اتساع وزيادة الإنتاج؛ وهو ما يعني زيادة الاستثمارات، وتستوعب الطاقات الإنتاجية، ويمكن توظيف الموارد الاقتصادية لأكثر استخدامات الموارد نفعا وتخصيصها بطريقة مثلى. ويعني هذا أن الموارد الاقتصادية خصصت بكفاءة؛ وهو ما سينعكس على زيادة الكفاءة والإنتاجية والقدرة التنافسية للعالم الإسلامي.

وهذا من جهة ثانية يتيح للدول الإسلامية الاستفادة من الحجم الكبير والتخصص والمزايا النسبية في التجارة واقتصاديات الحجم الكبير، وستؤدي المنافسة بين الشركات المحلية في العالم الإسلامي إلى الجودة الإنتاجية والتجمع في شكل شركات كبيرة ومندمجة لمواجهة الشركات الأجنبية.

4. الخطوات التنسيقية: وتشمل المجالات التشريعية والقانونية والنقدية والمالية والإدارية والتجارية. إن المستوى الجيد من تنسيق السياسات المالية والنقدية والصناعية والتجارية بين الدول الأعضاء سيساعد في قيام سوق قوية ومستدامة، خاصة عندما يقبل الأعضاء بتطبيق قواعد ونظم موحدة للتجارة والإنتاج والاستثمارات، وهذه ليست مهمة سهلة بين 57 دولة وتحتاج إلى أطر مؤسسية راسخة، وسياسات مرنة وفعالة.

ولا بد من إجراء إصلاحات اقتصادية هيكلية في الأجل الطويل، وأخرى في الأجلين القصير والمتوسط لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في العالم الإسلامي.

5. التدرج في تنفيذ السوق الإسلامية المشتركة: إن نجاح السوق المشتركة وأي مشروعات للتكامل الاقتصادي تعتمد بالدرجة الأولى على الالتزام السياسي لكل دولة إسلامية والوفاء بتعهداتها في تطبيق ما يتفق عليه من خطوات التكامل الاقتصادي، وأن تتنازل الدول عن مصالحها القطرية الآنية في سبيل تحقيق مصالح الأمة، والتي هي من مصالح الدول جميعها.

وهناك إدراك بين الدول الإسلامية بأهمية التكامل، وأن يتم ذلك وفق التدرج والواقعية المطلوبة لذلك، وتطبيق سياسة الخطوة فخطوة على أساس التكامل الإقليمي. وهناك أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي داخلة في ترتيبات تجارية إقليمية ومنظمات أخرى، وهي مفيدة بحيث ستؤهل الدول الإسلامية للدخول تحت سقف تكتل إقليمي أكبر وتزيد من حجم التعاون التجاري والاقتصادي بين الدول الإسلامية. ويلاحظ أن الدول العربية والأفريقية لها أكثر من عضوية في تجمعات قطرية وشبه إقليمية، وسيستفاد من ذلك في التجربة بتفادي الأخطاء وتقوية التعاون المشترك بين الدول الإسلامية.

إن السوق الإسلامية المشتركة ستؤدي بلا شك في الأجل الطويل إلى الاستقرار والازدهار والسلم والأمن للدول الإسلامية على المستوى الإقليمي، وسيزيد ذلك من رفاهية العالم الإسلامي بمزيد من الإنتاج والاستثمارات وزيادة الدخول واستدامة النمو الاقتصادي وجلب الاستقرار والسلام في ربوع العالم الإسلامي.

طالع:  


* أستاذ بجامعة العلوم الإسلامية الماليزية- كوالالمبور   

[1]  من أبرز هذه التكتلات الاقتصادية: الإتحاد الأوربي، ومنطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، ومنطقة التجارة الحرة لدول الآسيان (آفتا)، ومنتدى التعاون لدول آسيا والباسيفيك (أبيك).

[2]  يقصد بالدول الإسلامية الواردة في هذه الدراسة جميع الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي.

[3]  أسست منظمة المؤتمر الإسلامي في سبتمبر عام 1969 كمنتدى سياسي للدول الإسلامية ثم صادق الأعضاء على ميثاقها الأساسي في فبراير  1972. وتم توسيع أهدافها لتشمل جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية. 

[4]  تختلف منطقة التجارة الحرة عن المنطقة الحرة متعددة الأغراض (Free Zone) والتي تقتصر على وظائف التخزين والتصنيع والتجهيز والتصدير وإعادة التصدير وغيرها من الأنشطة الاستثمارية والتصديرية والصناعية.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع