 |
|
أمريكا تعيش على السلاح ودماء الفقراء
|
بدا
الإصرار الأمريكي على خوض حرب ضد العراق
مع فجر الخميس 20-3-2003 محيرًا وغير مبرر؛
فالأساسان اللذان بنيت عليهما جل
التحليلات الأمريكية ظهرا من جوانب
كثيرة قابلين للاهتزاز والتشكيك في
مصداقيتهما بسهولة نسبية: النفط الذي
أعلن النظام العراقي عن استعداده
لتمكين الأمريكيين منه شرط الإبقاء
عليه، وأمن إسرائيل الذي تدرك واشنطن أن
العراق لم يعد مهددًا حقيقيًا له، بعد
تقسيمه عمليًا، وتجريده من سلاحه، وفرض
حصار مدمر عليه لما يزيد عن عقد من
الزمان.
إن
الشرط الوحيد المستحيل -بحسب عدد كبير
من الخبراء الغربيين- الذي لم يكن
لبغداد القدرة على توفيره، ضمن علاقتها
المضطربة المتجهة نحو الحرب مع واشنطن،
أن تتحول بإرادتها ساحة لتجريب الأسلحة
الجديدة المتطورة ومجالاً لاستهلاك
الأسلحة التقليدية التي تمتلك الشركات
الأمريكية الحصة الكبرى عالميا في
تصنيعها، والتي يدرك الجميع أن ماء
الحياة بالنسبة لها ليس سوى ماء الموت
بالنسبة للآخرين، أي الدمار والخراب
والدماء.
لقد
خلق الإنسان السلاح في البدء دفاعًا عن
النفس قبل أن يتحول مع دوران عجلة
التاريخ إلى وسيلة هجومية لتحقيق مصالح
أو الحفاظ عليها، ليصل في الزمن
الإمبراطوري الأمريكي إلى صناعة لعلها
الكبرى من نوعها مقارنة بأي صناعة أخرى،
يقدر حجم معاملاتها على الصعيد الدولي
بما يقارب التريليون دولار (ألف مليار
دولار)، تستأثر الولايات المتحدة بما
يناهز ربعه، فيما يقدر عدد العاملين بها
-بشكل مباشر وغير مباشر- بما يزيد عن 100
مليون شخص.
وقد
كان ضروريا بالنسبة لدوائر صناعة
السلاح الأمريكية وغيرها، بحسب القوة
السياسية والعسكرية، تأمين شروط
استمراريتها، ومن ذلك تأمين اندلاع
الحروب، التي لا تشكل مجالاً لاستصدار
براءات الكفاءة لأنواع السلاح الجديد
فحسب، بل معرضًا واقعيا للترويج له، وحث
المحيط الإقليمي والدولي على الإقبال
على شرائه.
إن
حالة السلم هي العدو الأول لشركات تصنيع
الأسلحة في الولايات المتحدة –باعتبارها
الكبرى في العالم- وليس خافيا على
المتابع لتاريخ الولايات المتحدة منذ
بروز النزعة الإمبراطورية لديها بعد
الحرب العالمية الثانية، أنها قد خاضت
بنفسها -أو عن طريق حلفائها ووكلائها-
حربًا كبيرة خلال كل عشر سنوات،
بالإضافة إلى عشرات النزاعات المسلحة
والحروب الصغيرة.
الصانع
الأول للقرار
يدرك
جل المتخصصين في الشأن الأمريكي أن
الولايات المتحدة الأمريكية هي بالدرجة
الأولى مشروع اقتصادي كبير يهدف إلى
تحقيق الأرباح ومراكمتها، قبل أن تكون
مشروع أمة بالمعنى القومي والسياسي. كما
لم يكن خافيا على هؤلاء المتخصصين أن
"السياسي" كان على الدوام صنيعة
"الاقتصادي" وتابعًا له، كما أن
المؤسسات السياسية ما هي إلا انعكاس
لإرادة اللوبيات الاقتصادية وأصحاب رأس
المال.
فإذا
ما عرف أن صناعة الأسلحة والمصاريف
العسكرية قد هيمنت منذ الحرب العالمية
الثانية، على السياسة الاقتصادية
الأمريكية، وبالتالي على المؤسسات
السياسية، فسيفهم إلى أي مدى تبدو حرب
الخليج الثالثة حاجة أمريكية داخلية
بحتة لم تقو الاعتراضات الدولية
واحتجاجات الرأي العام العالمي على
الوقوف في وجهها، كما ساق القدر والحظ
العاثر لنظام الرئيس صدام حسين، العراق
لكي يكون الضحية التي تقرر إراقة دمها
على أعتاب تنين الحرب الأمريكي الذي لا
يعيش إلا على امتصاص دم الأبرياء.
لقد
تعهدت الدولة الأمريكية منذ الحرب
العالمية الثانية على الأقل، من خلال
وضع سياسات اقتصادية ملائمة، بأن تكون
الزبون الأول والأكبر لشركات صناعة
الأسلحة، مثلما تعهدت بأن تعمل من خلال
سياستها الخارجية على أن تكون المروج
الأول أيضا لمنتجات هذه الشركات.
من
هذا المنطلق، بدا طبيعيا أن تبحث الدولة
الأمريكية باستمرار على افتعال الحروب
وخلقها؛ إذ الحرب وحدها قادرة على أن
تيسر تحقيق الوظيفتين في الآن نفسه،
فخلال الحرب تستهلك القوات الأمريكية
ما جرى شراؤه سابقا، وما سينتج حاضرا
ومستقبلا، مثلما ستخلق الحرب بدورها
زبائن خارجيين، حيث ليس أفضل من الحرب
للترويج للأسلحة.
وكما
هو متوقع، فإن تكلفة الحرب قد تبلغ ما
يفوق 100 مائة مليار دولار، سيعود ثلثاها
على الأقل لشركات الأسلحة، فيما ستدر
عمليات إعادة بناء الجيش العراقي بعد
الحرب، فضلا عن جيوش الكثير من دول
المنطقة المحيطة بالعراق، عائدات لن
تقل في حجمها عن تلك التي حصلت بمناسبة
الحرب نفسها.
ولا
شك أن العراق بثرواته وموقعه
الإستراتيجي قد عد هدفا مثاليا بالنسبة
للسياسة الأمريكية، فهو لن يكون فحسب
سوقا ومعرضا ومناسبة لترويج السلاح، بل
كذلك مجالا للتحكم في سوق النفط وتأمين
مصالح الدولة العبرية؛ وهو ما جعل لوبي
صناعة السلاح لا يقف منفردًا في الواجهة،
بل مسنودا بأهم لوبيين اقتصاديين في
البلاد: لوبي النفط، واللوبي اليهودي،
اللذين تتشابك ارتباطاتهما ومصالحهما،
ويراهنان بدورهما على الحروب عامة
لتحقيق فوائد لا يمكن جنيها أوقات السلم.
وسيلة
لمواجهة الأزمة
الجانب
الآخر في مسألة الحاجة إلى الحرب، أن
عددا ليس بقليل من الملاحظين قد أشار
إلى أن حروب الولايات المتحدة
الأمريكية، قد جاءت في مجملها بعد حالة
ركود وأزمة اقتصاديين تكون الولايات
المتحدة الأمريكية قد مرت بهما، ويدفع
خبراء مراكز القرار بأن وضع حلول لها لا
يمكن إلا أن يمر عبر حروب كبيرة.
ويضرب
هؤلاء الملاحظون مثلا بالحربين
الأخيرتين اللتين خاضتهما الولايات
المتحدة، فحرب الخليج الثانية سنة 1991،
كانت قد عقبت أزمة اضطراب وركود عاشها
الاقتصاد الأمريكي، تماما كحرب
أفغانستان، وتابعتها في العراق، اللتين
تجريان في وقت عصيب، لم يسبق للمؤشرات
الاقتصادية الأمريكية أن تردت إلى
المستوى التي وصلته اليوم.
ويشير
الخبراء بهذا الصدد، إلى أن موقف الرئيس
جورج بوش الابن أمام شعبه ضعيف جدا، حيث
ما يزال الدولار يتقهقر أمام العملة
الأوربية، فيما تزداد نسبة البطالة
ويتواتر إعلان الشركات عن إفلاسها،
فيما تنذر شركات أخرى بذلك، ويُكشف بصدد
أخرى عن تجاوزات محاسبية وضريبية خطيرة.
ولعل
كثيرا من مستشاري الرئيس بوش الابن،
القادم بدوره من ولاية "النفط
والسلاح"، قد أشاروا عليه بالحرب
محررا له من المأزق، فيما أشاروا عليه
بالوقوف إلى جانب شركات السلاح التي
تملك قدرات كبيرة -في حال فتحها أسواقا
جديدة لها- على المساعدة في مكافحة
البطالة، من خلال تشغيل آلاف العاطلين،
فيما تملك حظوظا كبيرة أيضا في تنشيط
حركة التصدير، والرفع من قيمة عائدات
الصادرات الأمريكية إلى الخارج.
لقد
أثبتت حرب الخليج الثانية للإدارة
الأمريكية مصداقية هذه النظرية، وإن
كانت إرادة الناخبين الأمريكيين قد
حرمت الرئيس جورج بوش الاب من حصاد
ثمار جهوده الحربية، حيث استفاد من تلك
الثمار الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون،
الذي تمكن من توظيف عائدات شركات
الصناعة الحربية في تحقيق نهضة في قطاع
الرعاية الاجتماعية، عبر اقتطاعات
ضريبية متواترة، تسعى الإدارة
الجمهورية الحالية إلى إلغائها.
ولا
ريب في أن الوضع الاقتصادي الحالي في
الولايات المتحدة، يدفع الرئيس جورج
بوش إلى تكرار أسلوب والده في تحريك
الاقتصاد من خلال دعم شركات الأسلحة
بافتعال الحروب والتصميم على خوضها،
غير أن ضمانات الربح مع ذلك لا تبدو
مضمونة، خصوصا مع عجز الابن عن تشكيل
تحالف دولي كبير، قادر على بناء سوق
كبيرة للسلاح.
آفاق
ما بعد الحرب
إن
كثيرا من الخبراء الاقتصاديين، يتوقعون
أن يعود الاقتصاد الأمريكي بعد انقضاء
حرب العراق، إلى سالف حالة الانتعاش
التي كان يعيشها قبل أحداث 11 سبتمبر 2001،
وأن تتمكن بورصة "وول ستريت" من
تدارك أوضاعها الخانقة، بعد أن أصبحت
تعيش منذ شهر مارس/آذار 2003، حالة أزمة
أشبه ما يكون بأزمات سنتي 1929 و1987.
ويستند
الخبراء في وضعهم لتقديرهم هذا، على
جملة من الأسس، في مقدمتها الثلاثة
الآتي ذكرها:
1-
حسم المنافسة مع شركات السلاح الروسية،
لصالح نظيرتها الأمريكية، من خلال
الدفع بأسلحة جديدة تعتمد على التطور
التقني الهائل الذي حققته في السنوات
الأخيرة دوائر البحث الأمريكية، خصوصا
في مجال تطويع منتجات الثورة في عالم
الاتصالات والمعلوماتية لصالح الصناعة
الحربية.
2-
توفير فرصة ذاتية لدعم الصناعة
العسكرية، من خلال ما ستشهده معدلات
الطلبات على أنواع الأسلحة التقليدية
كالقنابل والصواريخ والطائرات
المقاتلة، من ارتفاع، في ظل إحساس عارم
لدى دول منطقة الحرب بعدم الاستقرار
والقلق حيال المستقبل.
3-
منح الاقتصاد الأمريكي الراكد، ضربة
منبهة ومحفزا على النهوض، عبر ضخ مزيد
من الاستثمارات في القطب الصناعي
الرئيس فيه، وهو قطب الصناعة الحربية،
حتى وإن كان الثمن عسكرة الاقتصاد
الأمريكي برمته.
إن
انبناء الواقع الأمريكي على شكل دائري،
تنتج معه سلسلة قاتلة من حلقات منيعة،
يصعب قطع حتى الأضعف منها -على الأقل في
المدى المنظور- يبشر الإنسانية بمستقبل
قريب مليء بالحروب، فمع مطلع الأزمة
الاقتصادية القادمة، ومع انقضاء
الحاجات التي خلقتها حرب الخليج
الثالثة، سيتحرك عفريت صناع السلاح
للبحث عن فريسة قادمة في بلد، آخر، ربما
يكون مجاورا للعراق، وربما كان محور
الشر الثالث -كما زعم جورج بوش الابن-،
هناك في الجزء الشمالي لشبه الجزيرة
الكورية.
عفريت
السلاح الأمريكي، يفضل أعداء محاصرين
وجياعا، لأن لحومهم ألذ ربما، كما يفضل
أيضا أن تتم الجرائم البشعة في إطار من
الشاعرية والرومانسية، حيث يجب أن تحلم
الضحية بغد أفضل، تكون معه أكثر إتقانا
للعبة الديمقراطية.
** مراسل "إسلام أون لاين .نت" بهولاندا.
|