 |
|
أسعار النفط في هبوط وصعود
|
سلكت
أسعار البترول في السوق العالمي سلوكا
غير متوقع حيث انخفضت هذه الأسعار
انخفاضا ملموسا مع توجيه الرئيس
الأمريكي إنذاره الأخير للقيادة
العراقية. ووصل سعر برميل النفط من نوع
برنت البريطاني إلى 27.69 دولارا وهو ما
يعد أقل سعر له منذ شهر يناير الماضي،
على الرغم من أن الجميع كان يتوقع اتجاه
الأسعار للارتفاع مع تأكد وقوع
العمليات العسكرية.
لكن
الأسعار عادت للارتفاع وإن بشكل محدود
بعد تأكد وقوع العمليات العسكرية
الأمريكية يوم الخميس 20 مارس 2003. وكان
البعض قد عزا الانخفاض إلى أن
المتعاملين في الأسواق أضحوا متأكدين
من أن الحرب سوف تكون حاسمة وقصيرة ودون
تأثير يذكر على الإمدادات النفطية من
المنطقة.
وهذا
التطور ربما يكون صحيحا بشكل جزئي نتيجة
لسيطرة القلق على الأسواق وازدياد
أهمية المضاربات في مثل هذه اللحظات
العصيبة، والواقع -رغم الصحة الجزئية
لمثل هذه الأنباء- أنها تنظر فقط للجانب
الذاتي من قضية الأسعار دون أن تعير
كبير اهتمام للعوامل الموضوعية الأكثر
أهمية في تفسير ما نراه من تقلبات في
الأسعار.
فقد
كانت أسعار النفط قد ارتفعت لأعلى مستوى
لها منذ عدة سنوات قبل اجتماع منظمة
الأوبك الأخير في 11 مارس، وبحيث بلغت
الأسعار ما يزيد على 34 دولارا للبرميل
من نوع برنت في أعقاب اجتماع الأوبك
بيوم واحد، لكن ما إن مر يوم آخر إلا
وبدأت أسعار النفط في الانخفاض على مدى
اليومين التاليين فانخفضت أسعار النفط
بشكل ملموس بحيث وصل سعر برميل النفط من
نوع برنت الخام البريطاني إلى ما يزيد
بقليل عن 30 دولارا للبرميل وهو ما يقل
بنحو أربعة دولارات عن مستوى الأسعار
التي كانت سائدة في السوق قبل وفي أعقاب
اجتماع الأوبك مباشرة. وقيل إن وراء هذا
الانخفاض الكبير والمفاجئ عدة تطورات.
الاحتياطي
الإستراتيجي
يأتي
على رأس هذه التطورات أن الولايات
المتحدة قد أعلنت أنها سوف تسحب من
الاحتياطي الإستراتيجي المتوفر لديها
بشكل منفرد. إذ من المعروف أن هذا
الاحتياطي قد تم تكوينه بناء على
الاتفاق الذي تشكلت بمقتضاه وكالة
الطاقة الدولية في عام 1974, وهي الوكالة
التي تضم كبار الدول المستهلكة للنفط في
العالم باستثناء فرنسا في أعقاب فرض
الحظر النفطي العربي في عام 1973.
وكان
الاتفاق يتضمن تكوين مخزون احتياطي
إستراتيجي من النفط يبلغ ما يكفي نحو
ثلاثة أشهر من الاستهلاك في كل دولة من
دول الوكالة، على أن يتم السحب من هذا
الاحتياطي في حالات الطوارئ فقط وبعد
التشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.
حيث من المفترض أن يتم تداول هذا
الاحتياطي بين الأعضاء في الحالات
الطارئة مثل الحروب والإضرابات أو أي
تطورات غير متوقعة تؤدي إلى انقطاع
ملموس في الإمدادات النفطية. ومن هنا
فإن الولايات المتحدة بإعلانها أن لها
كامل الحق في استخدام احتياطياتها من
النفط، وإن كانت قد قالت إنها ستتشاور
مع الوكالة، فإن هذا يبدو على أنه مجرد
إبلاغ للوكالة فقط ومن ثم فالقرار
باستخدام الاحتياطي هو قرار أمريكي
منفرد سيتم اللجوء إليه في حالة إذا
قررت الإدارة الأمريكية ذلك.
وكانت
اليابان في حقيقة الأمر قد سبقت
الولايات المتحدة في هذا الصدد، حيث
إنها تعتمد على منطقة الخليج في تزويدها
بنحو 85% من حاجاتها النفطية مقابل نحو 20%
فقط للولايات المتحدة. ويشار إلى أن
الاحتياطي الإستراتيجي بلغ أعلى معدل
له منذ بدء تكوين هذا الاحتياطي في عام
1974 حيث وصل حجم الاحتياطي الإستراتيجي
إلى نحو 599.2 مليون برميل من النفط.
أوبك
على الخط
التطور
الثاني وراء انخفاض الأسعار هو الإعلان
من قبل عدد من الدول المنتجة أو من
المصادر المستقلة في سوق النفط عن رفع
طاقة الإنتاج لدى دول منظمة الأوبك.
فعلى حين كان قرار منظمة الأوبك في
اجتماعها الماضي هو المحافظة على سقف
الإنتاج الراهن مع الوعد بمد السوق
بالمزيد من حاجته من النفط إذا ما نشبت
الحرب، فإن بعض الأعضاء ذكروا أن هناك
تفاهم غير مكتوب على أن تقوم الدول
الأعضاء بإنتاج كامل ما ترغب فيه من
كميات. أي إنه تم عمليا إسقاط نظام الحصص
وسقف الإنتاج القائم في منظمة الأوبك.
وقد
عزز من هذه الإعلانات ما ذكرته مصادر
نفطية كويتية عن رفع طاقة البلاد
الإنتاجية إلى 2.4 مليون برميل يوميا وهي
الطاقة الإنتاجية القصوى للبلاد. كما
أُعلن أن المملكة العربية السعودية
ومنذ شهر فبراير الماضي تقوم بضخ ما يصل
إلى 9.5 ملايين برميل يوميا أي أعلى بكثير
من حصتها المقررة في الأوبك.
كما
ضاعف من هذه الآثار الإعلان عن أن
المملكة السعودية قد طلبت استئجار 14
ناقلة نفطية لتمد الولايات المتحدة
بنحو 29.5 مليون برميل إضافية يوميا من
النفط (أي نحو مليون برميل يوميا) خلال
شهر مايو القادم.
وأضافت
إلى ذلك بعض المصادر السعودية أن لديها
50 مليون برميل من النفط مخزنة لمد
الأسواق بها فورا وقت الحاجة. وهو ما
يعني توافر كمية إضافية من النفط لدى
المملكة السعودية وحدها تزيد عن
الصادرات العراقية لمدة شهر ونصف الشهر.
وتعد
هذه الكمية الإضافية أكثر من كافية
لتعويض الولايات المتحدة بالذات عن
غياب النفط العراقي، حيث يبلغ متوسط
الواردات الأمريكية من النفط العراقي
قرابة 12 مليون برميل شهريا. ثم أعاد وزير
النفط السعودي التأكيد على أن بلاده
بوسعها زيادة كمية إنتاجها في وقت
اندلاع الحرب، وذلك عند زيارة الوزير
السعودي لروسيا الاتحادية للتباحث حول
التطورات المرتقبة في سوق النفط. وأعادت
بعض المصادر التأكيد على أن طاقة
الإنتاج القصوى لدى المملكة تبلغ نحو 10.5
ملايين برميل يوميا بما يعني أنها
بمقدورها وحدها إنتاج نحو مليون برميل
إضافي وقت الأزمة.
نفط
فنزويلا
وفي
نفس الاتجاه جاء إعلان الرئيس
الفنزويلي هوجو شافيز عن بلوغ الطاقة
الإنتاجية لبلاده نحو 2.95 مليون برميل
يوميا وهو ما يزيد على الحصة الإنتاجية
المحددة لفنزويلا ضمن سقف إنتاج الأوبك
-ليزيد من الانخفاض في الأسعار. فمن
المعروف أن الارتفاع الكبير الذي شهدته
أسعار النفط طوال الشهور الثلاثة
الماضية كان يعود جزئيا إلى موجة
الإضرابات العمالية في فنزويلا، وخاصة
عمال النفط حيث نزلت هذه الإضرابات
بكمية الإنتاج إلى حدود 400 ألف برميل
يوميا في بعض الأحيان، وهو ما دفع
فنزويلا إلى استيراد منتجات نفطية من
جارتها البرازيل لتغطية استهلاكها
المحلي.
إضافة
إلى كل ما سبق فإن العديد من البلدان
المستوردة للنفط ليس فقط في البلدان
المتقدمة بل أيضا في بعض البلدان
النامية قد أعلنت أنها زادت من كمية
المخزون النفطي لديها خلال الفترة
الماضية تحسبا لوقوع الحرب في العراق
وانقطاع الإمدادات النفطية والزيادة
الكبيرة المتوقعة في أسعاره وقتها. حيث
إن بعض البلدان كالمغرب أعلنت أن لديها
كمية مخزونة من النفط تساوي نحو ثلاثة
أشهر من الواردات.
من
هنا فإن الارتفاع في أسعار برميل النفط
ثم الانخفاض السريع لها خلال الأسبوع
الماضي يدفع للتأكيد من جديد على أن ما
سيعقب الحرب من تطورات في سوق النفط قد
يكون خطيرا في انعكاسه على الأسعار.
خاصة إذا جاءت هذه الحرب وفقا للسيناريو
الأمريكي المتفائل الذي يراها حربا
قصيرة خاطفة يتم فيها إقصاء نظام الرئيس
العراقي صدام حسين، ودون أن تتجاوز
الآثار العسكرية لهذه الحرب حدود
العراق.
لذلك
فإن الأسعار ستظل محل مراهنات ومضاربات
متعددة مع اندلاع العمليات العسكرية،
فأمد الحرب وطبيعتها هما اللذان
سيحددان سلوك الأسعار في الأسابيع
القليلة القادمة. فلن يكون أمرا مدهشا
أن تعود الأسعار للارتفاع من جديد أو
تنخفض انخفاضا آخرا كبيرا تبعا لتطورات
العمليات العسكرية.
اقرأ
أيضًا:
**
خبير اقتصادي بمركز الأهرام للدراسات
السياسية والإستراتيجية بالقاهرة
|