|
تحولت "الدعارة" في عصر العولمة وسيادة النموذج الرأسمالي الأمريكي من ممارسة "لاأخلاقية" محدودة ومنبوذة على الهامش، ولا يكاد يخلو منها مجتمع في الشرق أو الغرب، إلى تجارة عالمية عابرة للقارات ومتعددة الجنسيات، تدر على أصحابها مليارات الدولارات، وتعد لدى بعض الدول أحد أهم مصادر الدخل القومي، وأحد أكبر القطاعات المشغلة لليد العاملة -بشكل مباشر أو غير مباشر- وتستقطب اهتمام جماعات الضغط والقوة لفرض مزيد من الهيمنة والثروة.
إن تسليط الضوء على ظاهرة "الدعارة" قد تجاوز في السنوات الأخيرة حيز التحقيقات الصحفية إلى دوائر الحكومات والمنظمات الدولية، كما أصبحت قضيتها واحدة من أهم ثلاث قضايا دولية، إلى جانب قضيتي "الإرهاب" و"المخدرات"، خصوصا بعد أن أصبح الأمر يتعلق بنوع معاصر من الاسترقاق، وتهديد حقيقي لشرائح اجتماعية واسعة، من ضمنها شرائح وفئات غير مسؤولة يتوجب حمايتها كما هو شأن الأطفال والشباب القصر.
بهذا الصدد تشير بعض الوثائق الصادرة عن منظمات دولية غير حكومية مختصة إلى أن رقم معاملات تجارة الدعارة يتراوح بين 25 و70 مليار دولار سنويا؛ حيث يفسر المحللون الفارق الكبير بين الحدين الأدنى والأعلى بطبيعة هذه التجارة التي تعتمد السرية، وتعمد إلى اتباع أساليب ملتوية في توظيف وغسل عائداتها.
كما تقدر ذات المصادر عدد المومسات والقوَّادين وسائر العاملين بشكل مباشر في تجارة الرقيق الأبيض على الصعيد الدولي بين 15 و45 مليون شخص، وهو رقم يقبله البعض فيما يعترض عليه كثيرون، يعتقدون أن الكارثة أكبر بكثير، وأنه ليس بمقدور جهة تحديد الرقم بشكل تقريبي أو دقيق؛ لأن القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها هذه التجارة هي السرية المطلقة.
وتشير المصادر نفسها إلى أن تجارة الدعارة أو الجنس قد تحولت إلى مقوم أساسي لاقتصاديات عدد لا بأس به من الدول النامية، كما هو الشأن بالنسبة لتايلاندا ودول الاتحاد السوفيتي السابق وبعض دول أوروبا الشرقية كجمهورية التشيك وسلوفاكيا والمجر ورومانيا وبلغاريا ودول البلقان.
فيما يرى مختصون في قضية الدعارة أن دولاً فقيرة أخرى في أفريقيا السمراء وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية قد تحولت في زمن الانهيارات الاقتصادية الكبرى إلى دول جاذبة لسياح الجنس، أو مصدّرة للمومسات -من بينهن عدد كبير من القصرات- إلى دول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية واليابان وبعض الدول الخليجية؛ حيث يتم استغلالهن من قبل عصابات دولية ومحلية في شبكات الدعارة والترفيه الجنسي.
السبب.. الأزمات
ويقرن المتخصصون في دراسة الظاهرة بين الدعارة واستشراء الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحروب الأهلية والصراعات الإثنية والطائفية؛ فقد أفرزت حالة الانهيار التي شهدتها دول الاتحاد السوفيتي السابق ودول أوروبا الشرقية الحليفة لها -على سبيل المثال- انهيارات اجتماعية وأخلاقية خطيرة عصفت بالطبقات الاجتماعية العريضة في هذه المجتمعات، ودفعت بمئات الآلاف من الشابات -اللاتي أغلقت الأزمات أبواب العيش الكريم في وجوههن- إلى السقوط في براثن عصابات المافيا وجماعات القوادين التي واكبت بدورها العولمة؛ فتبدلت نطاقات عملها من المحلية إلى الدولية.
كما تشير العديد من التحليلات إلى أن استشراء ظاهرة الدعارة في دول أفريقيا السمراء وجنوب شرق آسيا وأمريكيا اللاتينية مرده بالأساس إلى عجز هذه الدول بعد عقود من نيلها الاستقلال عن المستعمر الغربي عن ربح رهان التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يضاف إلى ذلك التداعي المريع للمنظومات الأخلاقية والدينية والأيديولوجية في سنوات العولمة، بعد أن شكلت لعقود نوعًا من الوقاية المجتمعية حيال تفشي أمراض وأوبئة فتاكة ذات علاقة بالظاهرة، مثلما هو شأن مرض فقدان المناعة "الإيدز".
ويستثني الخبراء من حقيقة الصلة القائمة بين الدعارة والأزمات والحروب حالة الدول الغربية المتقدمة واليابان؛ حيث ترتبط تجارة الرقيق الأبيض بالوجه الآخر للحضارة الإنسانية؛ فالظاهر السيئة الواحدة قد تنتجها مصادر متعددة. وكما قد يدفع الفقر المدقع النساء إلى طريق العهر فإن الترف الاجتماعي والرفاهية قد يقودان بدورهما إلى ذات الطريق، وبالقدر الذي تبدو فيه الدعارة ضرورة في مجتمعات الندرة تبدو فيه ترفيها في مجتمعات الوفرة.
رديفة الظل والظلام
لقد لعبت 3 قضايا مهمة في تحويل ظاهرة "الدعارة" من مجرد مشكلة اجتماعية أخلاقية تناقَش في أطر ضيقة على الصعيد المحلي إلى قضية دولية تناقَش في الأروقة الأممية ودوائر المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية على السواء، وهذه القضايا هي كما يلي:
1- سياحة الجنس إلى بلدان جنوب شرق آسيا، وخصوصا إلى تايلاندا، وتورط عصابات وجماعات شاذة فيما يسمى بـ"جنس الأطفال"؛ حيث يجرى استغلال قُصَّر في مجال الدعارة، بما يعتبر دوليا وحقوقيا انتهاكا صارخا لحقوق الأطفال.
2- تنامي نشاط عصابات المافيا في دول الاتحاد السوفيتي السابق وأوربا الشرقية والبلقان في مجال الدعارة، باستغلال ظروف الفتيات الفقيرات الاجتماعية والاقتصادية، ودفعهن تحت التهديد بالموت أو إلحاق الأذى بعائلاتهن إلى العمل كعاهرات، سواء في بلدانهن، أو من خلال تصديرهن إلى الملاهي الليلية والنوادي وبيوت الدعارة في الدول الغربية ودول أخرى غنية.
3- تفشي مرض الإيدز في دول القارة الإفريقية السمراء؛ نتيجة اتساع رقعة الممارسات الجنسية غير الشرعية، ودون التزام التدابير الوقائية اللازمة، وكذلك تحول عدد كبير من الفتيات الصغيرات والنساء إلى مومسات محترفات بفعل تردي الأوضاع المعيشية.
مواجهة العهر
وقد ساهمت منظمات محلية ودولية غير حكومية، بالتعاون مع أجهزة حكومية رسمية، خلال السنوات الأخيرة، في الكشف عن حقيقة المأساة الإنسانية التي تعيشها عشرات الآلاف من النساء اللاتي وقعن فريسة ظروفهن الاجتماعية والاقتصادية القاسية من جهة، وجشع وشراسة عصابات المافيا وجماعات القوادين التي وجدت فيهن مصدرا سهلا لمراكمة أرباح طائلة من جهة أخرى.
وتجد هذه المنظمات والأجهزة صعوبة كبيرة في التصدي لظاهرة الدعارة؛ جراء عوامل عديدة ومتشابكة، منها الطابع الدولي العابر للقارات الذي أصبحت تكتسي به، وكذلك ارتباطها بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية -وأحيانا كثيرة السياسية- المتأزمة التي تعيشها الدول المعنية بالأمر، والتي ترتبط في جوهرها بما يعرف بمأزق التنمية الذي يتخبط فيه العالم الثالث، وهو مأزق ليس بمقدور هذه الجهات معالجته؛ لأنه ببساطةٍ أكبرُ من قدراتها.
ويعتقد الكثير من النشطاء في مجال مكافحة الدعارة أن الحل الجذري لها غير متاح إلا من خلال مساعدة دولية للدول المعنية بها؛ لتحقيق قفزات نوعية على صعيد التنمية، وتوفير مصادر بديلة للدخل الكريم لملايين المرشحات للسقوط في عالم الرذيلة، وكذلك اتفاق المجتمع الدولي على إيجاد آليات للتصدي لعصابات الاسترقاق الجديدة التي تستغل التناقضات الموجودة في المنظومات القانونية للدول؛ لتحقيق أهدافها ومواصلة نشاطاتها.
ويرى هؤلاء النشطاء أن جهودهم في إنقاذ الواقعات في أَسر عصابات الدعارة، ستظل محدودة ما لم تتضافر مع جهود حكومية رسمية على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ فبالقدر الذي توجد فيه آلاف الحالات التي تثبت أن نساء كثيرات وقعن في أسر العصابات رغما عنهن فإن أخريات سلكن الطريق بإرادتهن، لاقتناعهن بأنه ليس ثمة سبيل آخر أمامهن لإعالة أنفسهن وعائلاتهن.
وتحاول منظمات غير حكومية في عدد من الدول الغربية، في إطار خطط مشتركة مع الشرطة.. تحرير بعض المومسات الصغيرات اللاتي يُقمن في البلاد بصفة غير شرعية، ويرتبطن بعصابات تعود في أصولها إلى دول بلقانية وأوربية شرقية، وتوفير فرص عمل شريف لهن، غير أن جهود هذه المنظمات تظل محدودة للغاية قياسا بحجم الكارثة.
تجارة الرقيق الجديدة
من الأمور التي تزيد الوضع تعقيدا -حسب مهتمين بظاهرة الدعارة- اختلاف المرجعيات القانونية والأيديولوجية التي تعتمدها الدول في التعاطي مع القضية؛ ففضلا عن الصلة الوثيقة للظاهرة بمسألة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن التباين التشريعي في النظر إلى الدعارة والتعامل مع الأطراف المتورطة فيها يصعب إيجاد حل لها في المدى المنظور على الأقل.
ويلاحظ المهتمون بالظاهرة في الغرب -على سبيل المثال- وجود 4 اتجاهات رسمية في التعامل مع القضية، هي كالتالي:
- اتجاه تجريمي يمنع ممارسة الدعارة، ويرتب لممارسيها عقوبة قانونية، كما هو الشأن بالنسبة للسويد مثلا.
- اتجاه تحجيمي يسعى إلى استيعاب الدعارة؛ باعتبارها ظاهرة إنسانية سلبية من جهة، لكنها من جهة أخرى غير قابلة للإلغاء؛ وهو ما يعني ضرورة إباحتها ووضع قيود وشروط على ممارستها في نفس الوقت، وهو الاتجاه الذي تتبناه دول كهولندا وبلجيكا، وتسير ألمانيا أيضا في طريق تبنيه.
- اتجاه إباحي يرى أن الممارسات الجنسية جزء من الحريات الفردية والجماعية، ويجب على المشرِّع عدم التدخل فيها، على النحو الموجود في بريطانيا وبعض دول أوروبا الشرقية التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى ما يُعرف باقتصاد السوق.
- اتجاه تهميشي يعتقد أنه من الأفضل ترك قضية الدعارة للمجتمع؛ لتحديد حجمها وسبل التعاطي معها. ويتجلى التهميش أحيانا في غض السلطات النظر عن المسألة، على الرغم من وجود تشريعات مانعة، على النحو السائد في بعض الدول الأوروبية كإيطاليا وأسبانيا.
ويؤكد مختصون في دراسة ظاهرة الدعارة أن واقع الانقسام الذي يَسِم التشريعات والتوجهات الرسمية إنما يخدم بالدرجة الأولى العصابات والجماعات المافيوية المسيطرة على سوق النخاسة الجديدة؛ حيث تعمد هذه الأخيرة إلى تكييف نشاطها حسب الواقع المحلي؛ فهولندا وبلجيكا مثلا تعمدان إلى الهيمنة على بيوت الدعارة القانونية المتوفرة، وفي الدول الغاضة للطرف تقيم سوقا سرية موازية للرقيق الأبيض، وفي دول الاتجاه التحريمي تعمد إلى السرية المطلقة، مسخرة تكنولوجيا الاتصال الحديثة لخدمة أغراضها الشريرة.
اقرأ أيضًا
مراجع:
- التقرير السنوي لمنظمة "هيومانيتاس" الهولندية المتخصصة في مقاومة ظاهرة الدعارة، لسنة 2001.
- تقرير البرلمان الأوربي الخاص بالظاهرة، والصادر عن مقر الاتحاد في بروكسيل، 2001.
- ملف مجلة "فراي نيدرلند"، عدد إبريل 2002، أمستردام
** مراسل "إسلام أون لاين.نت" في هولندا |