|
في
ظل حملة "الإرهاب" التي
تقوم بها الإدارة الأمريكية
أُحكمت الضغوط على الدول
العربية لتقوم بدورها في
المساندة، وبما أن الدول
العربية لم ترسل جيوشها
وقواتها إلى أفغانستان، فقد
انصبّ الضغط الأمريكي على حثِّ
الحكومات العربية على ملاحقة
الجمعيات والمؤسسات المالية
والتجارية التي تدَّعي واشنطن
بأنها تمول الجماعات المتشددة.
وكانت
دول الخليج من أوائل الدول
التي اتخذت إجراءات أمنية
واقتصادية بحق العديد من
الأفراد والمؤسسات؛ فقد جرى
تجميد العديد من حسابات
الأفراد والشركات، حيث جمَّد
المصرف المركزي الإماراتي
حسابات أكثر من مائة شخص
ومؤسسة، ومحلات بقالة وخياطة
بدعاوى إما تمويلها لجماعات
متشددة أو تورطها في عمليات
غسيل الأموال، كما ألزم البنوك
وشركات الصرافة بالحصول على
بيانات تفصيلية عن كل من يقوم
بتحويل أكثر من ألفي درهم
للخارج (حوالي 543 دولارًا)،
وأصبح كل من يحاول إدخال أكثر
من 40 ألف درهم (10800 دولار)
للبلاد مطالبًا بالإفصاح
عنها، والأمر ذاته اتخذته دول
خليجية أخرى مثل الكويت.
كانت
هذه هي الخطوة الأولى عقب
الأحداث، أما الثانية فجاءت
بعد 3 أشهر من الأحداث وقبل
أيام من انتهاء عام 2001م، حيث
سارعت الدول الخليجية نحو
إصدار تشريعات وقوانين
لمكافحة غسيل الأموال، حيث
أقرَّت كل من الكويت والإمارات
قوانين في هذا الصدد في مسعى
خليجي عام؛ لإصدار قانون خليجي
موحَّد لمكافحة غسيل الأموال.
تساؤل
وخوف
على
الرغم من أهمية مثل هذه
القوانين، فإن إصدارها في هذا
التوقيت يثير العديد من
التساؤلات، كما يثير العديد من
المصرفيين الخليجيين مخاوف من
القوانين الجديدة على الرغم من
تأييدهم لها، ومن هذه المخاوف
عزوف الاستثمارات الأجنبية عن
القدوم إلى دول الخليج، طالما
أصبح المستثمر مطالبًا بتقديم
العديد من البيانات
والمعلومات عن مصدر أمواله
وهويتها، ولماذا يأتي بها إلى
دولة خليجية للاستثمار بها،
علاوة على التشدد في عمليات
التحويل في وقت قد يقوم
المستثمر الأجنبي بتحويل كامل
أرباحه إلى بلاده، لكنه بموجب
القانون أصبح مطالبًا بالكشف
والإفصاح عن السبب في تحويل
مثل هذه المبالغ الكبيرة وعن
الوجهة التي ستذهب إليها
الأموال. الأمر الذي قد يدفع
بالمستثمرين الأجانب بعدم
القدوم للاستثمار في الخليج.
ويقضي
التشريع الإماراتي -على سبيل
المثال- والذي يتكون من (25) مادة
بمعاقبة من يثبت تورطه في
عمليات غسيل أموال بالحبس مدة
(7) سنوات، أو بالغرامة التي لا
تتجاوز 300 ألف درهم (81500 دولار)،
أو بالعقوبتين معًا مع مصادرة
المتحصلات المضبوطة أو
ممتلكات تعادل قيمتها قيمة تلك
المتحصلات.
مناطق
مستهدفة
تأتي
خطوة إقرار مشاريع خليجية
لمكافحة غسيل الأموال في وقت
تتحدث تقارير غربية عن أن بعض
المؤسسات المالية الخليجية
كانت تمول جماعات إرهابية، وعن
أن بعض الدول الخليجية تعتبر
معبرًا لتبييض الأموال القذرة
القادمة من الهند وباكستان
وإيران وجمهوريات الاتحاد
السوفيتي السابق، حيث تتزايد
عمليات تهريب المخدرات بشكل
كبير منذ عقد التسعينيات.
وحسب
دراسة أعدَّها مركز البحوث
والدراسات بشرطة دبي، فإن دول
الخليج مستهدفة من قبل عصابات
غسيل الأموال التي تحاول
اتخاذها كمنطقة لغسيل الأموال
المتأتية من الجريمة ونشر
السموم، وتُعَدّ دول الخليج
حلقة وصل بين مراكز إنتاج
المخدرات الخطرة (باكستان،
وأفغانستان، وإيران، وتايلاند)،
والدول المستهلكة لها والتي
تشكل أسواقًا رئيسية (أوروبا
والولايات المتحدة)؛ بسبب
موقعها الجغرافي المميز، كذلك
لدى دول الخليج سواحل بحرية
ممتدة تغري الطامعين بالتسلل
والتهريب.
كما
تتميز دول المجلس ببنية أساسية
متقدمة كالمطارات والموانئ
والطرق الدولية، وأدى ذلك إلى
ربطها بالخارج بسهولة ويسر،
وقلة القيود الإدارية في جمارك
وموانئ ومطارات بعض هذه الدول،
بالإضافة إلى تمتع دول المجلس
بوجود أنظمة مصرفية ومالية
متقدمة ومتنوعة، ومرتبطة
بالمراكز المالية العالمية،
وحرية تحويل وصرف العملة، وهذه
المزايا والتسهيلات تغري
عصابات غسيل الأموال. وعلى
الرغم من وجود تلك المغريات،
فإنه يمكن القول بأن دول
الخليج أقل كثيرًا من دول
أخرى، مثل: هونج كونج،
وماليزيا، وتايلاند، وكوريا،
وغيرها من دول العالم في
عمليات غسيل الأموال التي
ترتكب فيها.
وحسب
الخبراء فإن المعلومات
المتوفِّرة عن عمليات غسيل
الأموال في دول الخليج لم تبلغ
حد الخطورة، وهو ما تشهده
القطاعات المصرفية في الغرب
الذي يضغط لإقرار مثل هذه
التشريعات في الخليج، إلا أنه
تبين في السنوات الأخيرة وجود
عدة ظواهر، منها:
-
الشريحة الكبرى من الأموال
التي دخلت دولة خليجية مثل
الإمارات منذ بداية
السبعينيات ليست أموال مخدرات
أو أسلحة، إنما هي أموال كانت
مخبأة عن أنظار النظام الشيوعي
السابق في روسيا وجمهوريات
الاتحاد السوفيتي السابق، وتم
إخراجها لتعود بعد ذلك إلى
مسقط رأسها مالاً شرعيًّا على
أنه حصيلة استثمارات في الخارج
وهو مالا تعترض عليه قوانين
تلك الدول.
لكن
المشكلة ظهرت في السنوات
الأخيرة عندما بدأ محترفو
غاسلي أموال الاتحاد السوفيتي
السابق في التحايل على المصارف
والبنوك ورجال الأعمال
الخليجيين، حيث قاموا بإيداع
أموال بمبالغ طائلة في حسابات
أفراد خليجيين بدعوى الدخول في
مشاريع مشتركة معهم للاستثمار
في دولهم الخليجية، وما إن
يبدأ رجل الأعمال الخليجي في
دراسة جدوى مثل هذا الاستثمار
حتى يفاجأ بالشريك الأجنبي (غاسل
الأموال) بتحويل أمواله من
البنك الخليجي إلى بلاده،
والهرب بعد أن يكون قد نجح في
غسلها وإضفاء الشرعية عليها في
الدولة الخليجية.
-
الظاهرة الأخرى التي جرى رصدها
في السنوات الأخيرة هي تعاظم
الكميات المضبوطة من المخدرات
في دول الخليج.. على سبيل
المثال تمكَّنت قوات الأمن في
دبي من ضبط كميات كبيرة من
المخدرات التي تعتبر شكلاً من
أشكال غسيل الأموال؛ ففي العام
1997م تم ضبط 941 كجم من الحشيش، و18
كجم من الهيروين، و3 كجم من
الأفيون، و6696 كجم من أنواع
المخدرات الأخرى مثل
الكوكايين، والماريجوانا،
والقات، كما جرى في العام 1998م
ضبط 2650 كجم من الحشيش. وهذا فقط
ما وقع في قبضة الشرطة.
وإذا
ما جرى احتساب قيمة المخدرات
المتداولة نكتشف أن المبالغ
الضخمة للكميات المضبوطة
تُجرى لها عمليات غسيل؛ لكي
تخرج بعد ذلك على أنها أموال
مشروعة يستطيع صاحبها أن يتمتع
بها دون أي خوف من مطاردة
الجهات الأمنية له.
مكافحة
خليجية
سألت
الدكتور "عبدالله علي الملا"
رئيس مركز الخليج للاستشارات
والدراسات الاقتصادية بدبي
والذي كان ممثلاً للأمانة
العامة لدول مجلس التعاون
الخليجي في اللجنة المالية
لمكافحة غسيل الأموال
المعروفة باسم (إف.إيه.تي.إف)
والتي أنشئت بموجب قرار من دول
مجموعة الدول السبع عام 1989م
ودول مجلس التعاون الخليجي
بناء على اتفاقية فيينا لعام
1988م - عن الحرص الخليجي الفجائي
على إصدار قوانين لمحاربة غسيل
أموال في هذا التوقيت.
ويقول
د. الملا: إن الأمانة العامة
لدول المجلس منذ سنوات تولي
اهتمامًا لمحاربة عمليات غسيل
الأموال، فقد شاركت الأمانة
العامة في أول اجتماع للجنة
المالية في باريس عام 1999م،
وتعقد اللجنة ثلاثة اجتماعات
سنويًّا، وتصدر تقريرًا
تفصيليًّا وافيًا نهاية كل عام
عن نشاط غسيل الأموال في الدول
الأعضاء في اللجنة -وعددهم 24
دولة-، والإجراءات التي تم
اتخاذها من قبل كل دولة في
محاربة غسيل الأموال، وهناك
زيارات ميدانية تقوم بها فرق
متخصصة للدول الأعضاء في إطار
عمل اللجنة؛ حيث تطلع على جميع
الأنظمة المطبقة في الدول،
والتأكد من الإجراءات التي
اتخذت لمحاربة جرائم غسيل
الأموال.
والحقيقة
أن هذه اللجنة منذ تأسيسها
أصدرت حوالي 40 توصية أبرزها ما
جاء فيها:
*
أن تقوم جميع الدول الأعضاء
بإصدار قوانين وطنية تجرِّم
عمليات غسيل الأموال، وكان
هناك تباين في الآراء حيال هذه
النقطة تتعلق بما هو المقصود
بغسيل الأموال.. هل هي الأموال
الناتجة عن تجارة المخدرات فقط
أم الناتجة عن جميع الجرائم
الأساسية بما فيها تجارة
المخدرات؟ والتوجُّه المحلي
في اللجنة أن تشمل عمليات غسيل
الأموال جميع الأموال الناتجة
عن كافة الجرائم.
*
أن تعمل الدول الأعضاء على
إلغاء نظام السرية في البنوك،
وعليه لا بد من استيفاء جميع
البيانات المتعلقة بالعميل
عند تعامله مع البنك أو عند
إجراء أية معاملات مع البنك
سواء في الإيداع أو السحب
والتمويل.
*
المراقبة الجادة للنقد عبر
الحدود.
*
فرض الدولة رقابة على
التحويلات الإلكترونية بحيث
تتوفر في هذه التحويلات جميع
البيانات المطلوبة عن جميع
الأطراف سواء المحوّل أو
المستفيد المباشر أو غير
المباشر.
*
في دول مجلس التعاون كانت
الأمانة العامة -ولا تزال-
تزوِّد الدول الأعضاء في
المجلس منذ التحاق المجلس
بعضوية اللجنة بجميع الخطوات
والتوصيات التي تتخذ في إطار
اللجنة، سواء فيما يتعلق
بالتشريعات والقوانين أو
الابتكارات وأحدث التقنيات
التي يلجأ إليها غاسلو الأموال
في غسل أموالهم، وفي سبيل ذلك
قامت الأمانة العامة بالتعاون
مع اللجنة الدولية بعقد عدة
ندوات ومؤتمرات دول الخليج حول
مكافحة غسيل الأموال. والحقيقة
أن قوانين دول مجلس التعاون
ومنذ انضمامها لعضوية اللجنة
تجرِّم التجارة في المخدرات،
إلا أنها ليس بها نص محدد ودقيق
يجرِّم عمليات غسيل الأموال،
وإن كان البعض من الدول أدخلت
نصوصًا في قوانينها تجرم هذه
العمليات.
*
وفيما يتعلق بسرية الحسابات في
البنوك فإن دول مجلس التعاون
لا تنتهج هذه السياسة، وكل
العمليات المصرفية تجري على
أساس توفير بيانات كافية عن
العميل والعمليات التي يقوم
بها البنك لصالحه، كما أن جميع
البنوك المركزية في دول مجلس
التعاون وفي مراحل مختلفة
أصدرت توجيهات مشددة إلى
البنوك التجارية والمؤسسات
المالية، تطالبها بالتقيد بما
جاء في توصيات اللجنة الدولية،
وأخطار الجهات المعنية في
الدولة بأية عمليات مشبوهة دون
إخبار صاحب العلاقة، كما حثَّت
البنوك المركزية الخليجية
البنوك على ضرورة توفير
البيانات الهامة في التحويلات
الإلكترونية وخاصة خدمة (سويفت).
ويؤكد
د. الملا أن تزايد عمليات غسيل
الأموال يعتمد على انفتاح
الأنظمة المالية والمصرفية
والرقابية، وتساهل السلطات
المختصة في القيام بواجباتها
كجهة رقابية، وخاصة فيما يتعلق
بسلطات الجمارك، كما يرى أن
انفتاح النظام الاقتصادي لدول
مجلس التعاون وحرية التحويلات
يجعل من دول الخليج عرضة
بطبيعة الحال لعمليات نشطة
لغسيل الأموال، ومن هنا يتعين
على دول المجلس التي لم تجرِّم
نشاط غسيل الأموال في قوانينها
وأنظمتها الوطنية أن تسرع في
ذلك، ويحتم عليها تعزيز قدرات
الجهات المختصة في إحكام
الرقابة على العمليات المالية
المشبوهة، والتي ربما تكون قد
تولدت من عمليات غسيل الأموال.
اقرأ
أيضًا:
طرق
غسيل الأموال
الآثار
السلبية
آليات
المواجهة
أموال
أكثر بياضاً!!
الجمعيات
الخيرية.. تجفيف منابع الخير
|