 |
|
حرب أفغانستان اضعفت معارضي المؤتمر |
حاولت
الدول المتقدمة قبل مؤتمر
الدوحة إقناع الدول النامية
بأن العالم أصبح في حاجة ملحة
إلى نظام عالمي جديد يتحمل عبء
مكافحة الإرهاب الدولي،
وزيادة الرفاهية للجميع،
وتقليل الفقر في العالم. وقد
ركّزت الولايات المتحدة
الأمريكية والاتحاد الأوروبي
على الترويج لهذه الفكرة،
مستغلين في ذلك أحداث 11
سبتمبر، وما أعقبها من تداعيات
اقتصادية وسياسية وعسكرية...
ومن
هنا كانت دعوة مدير منظمة
التجارة العالمية "مايك مور"
للدول النامية والمتقدمة على
السواء بأنها مطالبة أن تدخل
قاعة المحادثات في المؤتمر
الرابع للمنظمة بالدوحة على
أرضية "أننا جميعًا
مستهلكون من بعضنا البعض"،
ورغم منطقية ما قاله مدير
المنظمة، فإنه قول حق أريد به
باطل؛ لأن هذا القول فيه تسطيح
كبير للفرق الكبير بين الدول
المتقدمة والدول النامية، من
حيث عوائد التجارة الخارجية،
والمزايا التي تعود على كلا
الطرفين من تحقيق مزيد من
تحريرها؛ حيث إن الدول
المتقدمة تحصل على نصيب الأسد
من هذه التجارة ومن هذه
المزايا.
كما
تختلف نظرة كل من الدول
النامية والدول المتقدمة
لأهداف جولة المفاوضات
القادمة؛ فالدول المتقدمة
تنظر إلى هذه الجولة على أنها
إذا لم تقدم لها مزايا جديدة في
مجال التجارة العالمية، فإنها
في أسوأ الظروف ستحافظ لها على
المزايا الحالية التي تحصل
عليها؛ أي أنها تتصرف من مطلق
أنها الطرف "الذي حصلت
منتجاته وتجارته على حظ أوفر
من حركة التجارة العالمية ومن
آليات النظام التجاري العالمي".
ولذلك،
فإن هذه الدول دخلت قاعات
مؤتمر الدوحة، وهي تسعى إلى
تحقيق مزيد من المكاسب، أو على
الأقل الحفاظ على مكاسبها
السابقة، ولم تذهب إلى الدوحة
وهي محملة بأعباء وهموم
اقتصادية باستثناء تخوف بعضها
من آثار فشل المؤتمر على
مصالحها الاقتصادية، ودورها
في صياغة قواعد النظام
الاقتصادي العالمي.
أما
الدول النامية، فقد دخلت قاعات
مؤتمر الدوحة وهي مثقلة بأجندة
كبيرة من الهموم الاقتصادية،
والتي زاد من حدوثها الأحداث
العالمية الأخيرة، وتزايد
احتمالات اندفاع الاقتصاد
العالمي نحو حالة من الكساد
تتسبب في تراجع حجم الإنتاج
وزيادة الطاقات العاطلة
وزيادة حجم البطالة وغيرها من
السلبيات، هذا إلى جانب ما يلي:
-
مطالبة الدول النامية بتقديم
تنازلات في المفاوضات دون قيام
الدول الصناعية بتقديم
تنازلات مقابلة.
-
تخلي الدول المتقدمة عن تنفيذ
وعودها السابقة في إطار منظمة
التجارة العالمية، ومعاملة
الدول النامية معاملة متميزة.
-
تجاهل المحافل الدولية، ومنها
منظمة التجارة العالمية،
لقضايا الدول النامية.
-
عدم العدالة في معاملة الدول
النامية والمتقدمة أمام نظام
تسوية النزاعات الاقتصادية؛
حيث تتوفر للدول المتقدمة
العديد من المزايا عند إثارة
قضاياها الاقتصادية.
وبغض النظر عن الأرضية التي دخلت على أساسها الدول النامية والمتقدمة إلى قاعات مؤتمر الدوحة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بعد انفضاض هذا العرس هو: "وماذا بعد؟" هل بموافقة الجميع على انطلاق جولة جديدة للمفاوضات تكون الأمور قد حسمت، أم أن هذا بداية لجولة من المشاكل والصراع بين الدول المتقدمة وبعضها البعض، وبينها وبين الدول النامية؟
نجاح..
إلى أي مدى؟
نجح
مؤتمر الدوحة، وذلك بغض النظر
عن كون هذا النجاح قد تحقق في
الوقت الضائع بعد أن تم مد
أعمال المؤتمر ليوم إضافي في
محاولة مستميتة لمنع تكرار ما
حدث في سياتل.
والقول
هنا بنجاح المؤتمر قد يلقى
اعتراضًا من البعض، بل قد يذهب
آخرون إلى أن المؤتمر قد فشل في
توحيد وجهات النظر أو حتى
تقريبها حول القضايا المطروحة
للمفاوضات في الجولة الجديدة،
وهؤلاء لا يدركون أن هدف هذا
المؤتمر لم يكن توحيد وجهات
النظر أو حتى تقريبها حول هذه
القضايا، وإنما كان هدفه
الأساس هو مجرد "الإعلان عن
بدء جولة جديدة للمفاوضات"
دون الدخول إلى تفاصيل، وترك
هذه التفاصيل للمفاوضات بعد
بدء الجولة، وهو ما نجح
المؤتمر في التوصل إليه
بالفعل، ولكن كيف نجح المؤتمر
في ذلك رغم الخلافات الكثيرة
بين الدول الأعضاء؟
الإجابة
على هذا السؤال تكمن في تحليل
أبعاد ما حدث في الدوحة داخل
قاعة المؤتمر، وكذلك تحليل
الجهود التي بُذلت قبل السفر
إلى الدوحة من الدول المتقدمة
ومن منظمة التجارة العالمية،
ومن هذا التحليل يمكن إيجاز
عوامل النجاح في الآتي:
-
الدراسة الدقيقة لأسباب فشل
اجتماعات سياتل، وتفادي هذه
الأسباب في الدوحة، خاصة
العوامل الخاصة بعدم الشفافية
أو الخاصة بعدم الحوار مع
المنظمات الأهلية، أو عدم
السماع إلى آراء الدول
النامية؛ حيث لوحظ في المؤتمر
الأخير بالدوحة تواجد أكبر
للمنظمات غير الحكومية في
أروقة المؤتمر، ولم يتم
إبعادها خارج الجلسات، وكذلك
كان هناك تركيز أكبر على
الاستماع إلى قضايا الدول
النامية.
-
الإعداد المسبق الجيد لتسوية
القضايا المعلقة والخلافية
بين الدول الكبرى والتكتلات
الاقتصادية، وذلك أثناء
اللجان التحضيرية في جنيف.
-
التنسيق بين الدول النامية على
مستوى التكتلات الإقليمية
وشبه الإقليمية بشأن القضايا
المطروحة على المؤتمر، وهو ما
حصر آراء العدد الأكبر من
الدول النامية في عدد محدد من
الآراء التي كانت متقاربة
مقارنة بما كان في سياتل.
-
إدراك الولايات المتحدة
الأمريكية والاتحاد الأوروبي
لأهمية تفادي الإصرار الشديد
على أي موضوعات أو إجراءات تضع
عوائق تحدّ من صادرات الدول
النامية، خاصة العوائد غير
الجمركية والإصرار على
تنفيذها بطريقة متعسفة.
-
حرص الدول المتقدمة على إغراء
الدول النامية بأنها ستمنحها
فسحة من الوقت؛ لتوفيق أوضاعها
مع ما تقرره الجولة القادمة من
قضايا لتجنيبها أي سلبيات.
-
قيام الدول المتقدمة بإقناع
معظم الدول النامية بأن وفاء
الدول المتقدمة بالتزاماتها
أمام منظمة التجارة العالمية
يحتاج إلى نطاق أوسع لتحرير
التجارة، وهو ما لن يتم إلا من
خلال جولة جديدة للمفاوضات.
-
تعهد الدول المتقدمة ومنظمة
التجارة العالمية في الدوحة
بأنها ستقوم بعمل إصلاحات
واسعة في منظمة التجارة
العالمية؛ لتجعلها أكثر عدالة
وموضوعية وأكثر شفافية
ومراعاة لمصالح الدول
النامية، وأكثر انفتاحًا على
المنظمات غير الحكومية
المناهضة للعولمة، وأكثر
عدالة في حل النزاعات
الاقتصادية بين الدول النامية
والدول المتقدمة.
-
الظروف الدولية التي عقد فيها
مؤتمر الدوحة؛ حيث أدرك الجميع
أن الكساد العالمي وتراجع نمو
التجارة العالمية إلى 1% في
العام الحالي مقارنة بحوالي 13%
في العام الماضي، كلها أمور
تحتاج إلى تكاتف الجهود
الدولية وتقليل حدة الصدام بين
الدول النامية والدول
المتقدمة من أجل الخروج من هذه
الظروف الاقتصادية غير
المواتية.
- إدراك جميع الدول الأعضاء لخطورة فشل مؤتمر الدوحة وأثره على مستقبل الاقتصاد العالمي، خاصة في جانب تحول مسار النظام الاقتصادي العالمي والارتداد عن سياسات التجارة الحرة والعودة إلى القيود الحمائية وتصاعدها بين دول العالم، وكذلك احتمالات تزايد السياسات التجارية العدوانية من جانب الدول المتقدمة،
مثل: سياسات الإغراق، أو الدعم، أو الاحتكار، أو سياسة تحطيم الشركات للسيطرة على الأسواق في الدول النامية.
النجاح
في عيونهم
إطلاق
جولة جديدة للمفاوضات يعني
الكثير بالنسبة لمختلف
الأطراف في منظمة التجارة
العالمية، بل يعني الكثير
أيضًا بالنسبة للدول التي ما
زالت خارج عضوية المنظمة مثل
روسيا، وذلك على النحو التالي:
أ.
بالنسبة للولايات المتحدة
الأمريكية:
-
توقف التآكل الذي كان يسري في
الدور الأمريكي في صياغة قواعد
النظام الاقتصادي العالمي بعد
فشل مؤتمر سياتل.
-
تدعيم الموقف الأمريكي الراهن
في النظام العالمي عمومًا
سياسيًا واقتصاديًا، وهو
الموقف الذي اهتز بشدة في
أعقاب أحداث 11 سبتمبر.
-
إعطاء فرصة ذهبية للولايات
المتحدة الأمريكية لكي تضغط
بكل ما لديها من أدوات لصياغة
قواعد التجارة والاستثمار
والمنافسة وغيرها بما يتوافق
مع مصالحها، وذلك في الجولة
القادمة للمفاوضات باعتبارها
فرصة قد لا تتاح مرة أخرى
للولايات المتحدة الأمريكية.
-
إعطاء مزيد من الوقت للولايات
المتحدة لمغازلة الدول
والتكتلات التي تعارض
السياسات الاقتصادية للولايات
المتحدة أو تنافسها، وهو ما
سيجعل الولايات المتحدة تسعى
جاهدة إلى إدخال هذه الدول إلى
طائفة الدول المؤيدة لفكرها
الاقتصادي أو على الأقل الدول
التي تسلم بأنها اللاعب الأول
في صياغة النظام الاقتصادي
العالمي.
ب-
بالنسبة لمنظمة التجارة
العالمية:
-
تقوية دور المنظمة في مجال
تنظيم التجارة الدولية وصياغة
القواعد الاقتصادية المختلفة.
-
ضرورة توسّع اهتمامات المنظمة
ومجالات عملها في المستقبل،
خاصة أن الموضوعات الجديدة
المطروحة على أجندة المنظمة
تحتاج إلى إضافة بعض الإدارات
إلى الهيكل التنظيمي والمؤسسي
للمنظمة.
-
زيادة التحديات التي ستواجه
المنظمة في المجالات المختلفة
المتصلة بعمليات إعادة إصلاح
المنظمة وزيادة الشفافية
والموضوعية والعدالة بها، وهي
التحديات التي يجب أن تسارع
المنظمة بالتغلب عليها لتأكيد
مصداقيتها وللوفاء بتعهداتها
أمام مؤتمر الدوحة.
-
زيادة التحديات التي تواجه
المنظمة في مجال إدارة
المفاوضات القادمة.
ج-
بالنسبة للدول النامية:
-
ستقوم الدول النامية بدفع
الثمن مرتين؛ لأن لب الدخول في
جولة جديدة من المفاوضات يعني
الوصول في النهاية إلى
اتفاقيات جديدة في مجال
الاستثمار والمنافسة
والشفافية في المشتريات
الحكومية، وخفض مستويات
الرسوم الجمركية، والتفاوض
حول معايير العمل والبيئة، وهي
كلها أمور ليست في صالح هذه
الدول وبعضها قضايا سبق أن
رفضتها الدول النامية.
-
أصبحت الدول النامية مطالبة
بسرعة التوافق مع ما توصلت
إليه منظمة التجارة في الماضي،
إلى جانب سرعة الاستعداد
لاستيعاب القضايا التي ستكون
محل تفاوض في الجولة القادمة،
وإعداد موقف محدد منها وإلا
ستتأخر عن المسيرة.
-
ستدخل الدول النامية مرة أخرى
في صراع مع الدول المتقدمة من
أجل توضيح ظروفها الاقتصادية
ومشاكلها المتعلقة بالقضايا
التي ستطرحها الجولة الجديدة
للمفاوضات، خاصة أنها قضايا
بالغة الأهمية، وتحتاج إلى
إدخال بعض الإصلاحات
الاقتصادية والإدارية
والتشريعية في الدول النامية،
التي قد تكون غير مؤهلة للقيام
بها في الظروف الراهنة.
- قد تتعرض الدول النامية للاستقطاب من جانب الدول المتقدمة والتكتلات الاقتصادية لكسب موقفها في المفاوضات القادمة، وهو ما ينذر باحتمال تشتيت القوة التفاوضية للدول النامية في الجولة الجديدة.
ما
أشبه اليوم بالبارحة
ما
حدث في مؤتمر الدوحة والبدائل
المطروحة لما يمكن أن يحدث في
جولة المفاوضات القادمة يؤكد
على عدة أمور في غاية الأهمية
هي:
-
مسيرة العولمة الاقتصادية،
خاصة في الجانب التجاري، ماضية
في طريقها الذي ترسمه منظمة
التجارة العالمية والقوى
الاقتصادية الكبرى، مثل:
الولايات المتحدة الأمريكية،
والاتحاد الأوروبي.
-
الدول المتقدمة دخلت مؤتمر
الدوحة، وليس لديها أجندة هموم
اقتصادية، ولكنها دخلت بتخوف
على مستقبل دورها في النظام
الاقتصادي، وخرجت من المؤتمر
وهي أكثر اطمئنانًا على
استمرارها في لعب الدور
الرئيسي والحصول على الجزء
الأكبر من كعكة العولمة.
-
الدول النامية دخلت مؤتمر
الدوحة بأجندة كبيرة من الهموم
الاقتصادية، وخرجت بأجندة
أكبر وأثقل وأعقد بعد أن
ابتلعت الطعم الذي قدمته لها
الدول المتقدمة.
-
العالم مقدم على جولة جديدة من
المفاوضات التجارية ستكون
أكثر تعقيدًا وأكثر صعوبة
وربما تستمر إلى أجل غير محدد؛
لأن الخلافات الحقيقية ستظهر
عند المفاوضات الفعلية حول
التفاصيل، وكما يقال "إن
الشيطان يكمن في التفاصيل".

|