|
يواجه
عالمنا اليوم أزمة مالية ـ
نقدية واقتصادية لا مثيل لها في
التاريخ الحديث. علة هذه الأزمة
ظهرت بانهيار نظام "بريتون
وودز" في عام 1971 على يد الرئيس
الأمريكي ريتشارد نكسون، لكن
سبب اشتدادها في السنين الأخيرة
هو أن حكومات دول مجموعة السبعة
الصناعية وبنوكها المركزية
ومؤسساتها المالية حاولت منذ
اندلاع الأزمة المالية
الآسيوية في صيف 1997 (التي بدورها
نتجت عن مضاربات المضاربين
الماليين وقراصنة العملة مثل
جورج سوروس الذين دمروا عملات
واقتصاديات دول جنوب شرق آسيا)
سد الثغرة الحاصلة في هذا
النظام بالتمسك بالمبادئ نفسها
التي أدت بالأساس إلى اندلاع
الأزمة.
هذه
المبادئ هي التحول الجنوني من
اقتصاد إنتاج واستهلاك السلع
والخدمات الصناعية ـ الزراعية
إلى اقتصاد التجارة بالعملات
الورقية والأوراق المالية دون
أن يكون هناك رابط ما بين عملية
الإنتاج والنظام المالي.
وعلى
سبيل المثال، 99% من تجارة العملة
اليومية في العالم لا علاقة لها
إطلاقا ببيع وشراء السلع
والخدمات. أما فيما يخص الأوراق
المالية مثل أسهم الشركات
والمشتقات المالية فإن قيمتها
اليوم تتجاوز 400 تريليون دولار،
بينما لا يتجاوز مجموع الناتج
القومي لكل أمم الأرض مجتمعة 40
تريليون دولار، وهذه المعاملات
المالية تترتب عليها فوائد، وهي
بحد ذاتها يمكن اعتبارها
التزامات مالية أو ديون؛ فمن
أين يتم سدادها؟ ومن أين يأتي
المال لضمان استمرار هذا
النظام؟.
طبع
الأموال.. أسهل الطرق
الحل
البسيط الذي اتخذته دول مجموعة
السبعة وعلى رأسها الولايات
المتحدة الأمريكية هو طبع
الأموال وضخها إلى الأسواق
والبنوك، سواء أكانت أموالا
ورقية أم إلكترونية. كما أصبحت
الولايات المتحدة الملاذ
الأخير لصادرات دول آسيا وغيرها
من الأمم المنكوبة بالأزمة.
وأصبح لدى الولايات المتحدة
عجزاً تجاريا أمام دول العالم
وصل مستواه إلى 600 مليار دولار
عام 2000. وطوال تلك الفترة كانت
الولايات المتحدة تسد هذا العجز
عن طريق استثمار بقية شعوب
العالم في السوق المالية
الأمريكية "المزدهرة".
ببساطة
كانت أمريكا تعطي بقية العالم
ورقاً مقابل الصادرات، ويقوم
المصدرون باستثمار ذات الورق في
داخل أمريكا. كما تم في آخر عام
1999 طبع كميات خيالية من
الدولارات بحجة الخوف من انهيار
أنظمة الكمبيوتر في العالم عند
التحول إلى عام ألفين؛ لذلك
قامت المصارف المركزية في
العالم بطبع وتجهيز العملات
لتوزيعها وتداولها يدويا في حال
تعطل أجهزتها الإلكترونية،
وجاء عام ألفين ولم تتعطل أجهزة
الكمبيوتر، لكن الأموال التي
طبعت في أمريكا لم يتم إتلافها
بل تم ضخها للتداول في أسواق
المال.
خرج
علينا "عباقرة" الاقتصاد
الغربيين في العامين الأخيرين
باختراع ما سمي "الاقتصاد
الجديد". والمقصود بالاقتصاد
الجديد هو المتاجرة بأسهم شركات
الاتصالات والهاتف والإنترنت
وتقنية المعلومات والكمبيوتر.
وسمي هذا الاقتصاد بالجديد
لتمييزه عن الاقتصاد القديم
الذي يتطلب كميات كبيرة من
الطاقة والعمالة والهياكل
التحتية والمواد الأولية،
بخلاف الاقتصاد الجديد الذي
معناه أن تحصل على المال الوفير
دون أن تعرق. كل ذلك بضغطة زر.
وبالرغم
من أننا لا ننكر المزايا التي
تقدمها تقنيات الاتصالات
الحديثة في النشاط البشري، فإن
القول: إن بالإمكان أن نعيل ستة
مليارات إنسان عن طريق "المعلومات"،
وإن تقنية المعلومات يمكن أن
تغنينا عن التنمية الصناعية
والزراعية هو مجرد عملية سمسرة
للبنوك والمؤسسات المالية.
ولحسن الحظ، انهارت هذه الخرافة
بانهيار أسهم هذه القطاعات
الجديدة في آخر عام 2000 وبداية
عام 2001.
باختصار،
النظام المالي والنقدي العالمي
والقائمون عليه أفلسوا فعليا
ولم يبق سوى وضعه في إجراءات
إفلاس قسرية من قبل الحكومات
ذات السيادة، وإعلان إنشاء نظام
مالي جديد على أسس جديدة يكون
هدف الاعتمادات والقروض
المالية هو تحفيز النمو
الاقتصادي الحقيقي وليس العكس.
لذلك
اقترح عالم الاقتصاد ليندون
لاروش إنشاء نظام جديد سماه "بريتون
وودز الجديد" يحتوي على
النواحي الإيجابية من النظام
الذي أنشأ عقب الحرب العالمية
الثانية (لكن هذه المرة يجب أن
يكون القرار فيه لجميع الأمم
ذات السيادة وليس نادي
المنتصرين في الحرب فقط) وإلغاء
جميع الديون غير المشروعة.
ويتطلب هذا أن يدعو الرئيس
الأمريكي إلى انعقاد مؤتمر دولي
يعلن فيه أمام دول العالم أن
النظام المالي الحالي نظام
قاصر، وينبغي بناء نظام جديد
على أسس جديدة لإنقاذ أمم
العالم من الكارثة الاقتصادية
المحيقة بها.
وضمن
هذا النظام الجديد يتم تثبيت
قيم العملات الوطنية على أساس
سلة سلع، كما يجب أن تصدر الدول
الصناعية اعتمادات وقروض
بفائدة لا تتجاوز 1 أو 1.5 % وترتيب
عقود تجارة طويلة الأمد بين
الدول لتمكينها من المضي في
عملية التنمية الصناعية
والزراعية في العالم، في سياق
ما يسمى طريق الحرير الجديد أو
الجسر البري الأوروبي ـ الآسيوي.
طريق
الحرير طريق التنمية العالمية
الجديد
كان
طريق الحرير، الذي يمتد من
أقاصي شرق الصين مروراً بآسيا
الوسطى غرباً ـ أو الهند ـ
وإيران والى شمال الجزيرة
العربية وتركيا انتهاءً
بأوروبا.. الشريان الرئيسي
للتجارة العالمية وتلاقح
الثقافات والأديان لأكثر من
ألفي عام. وكانت أعظم الفترات في
عمر طريق الحرير هي فترة عصر
النهضة الإسلامي ما بين القرن
الثامن والحادي عشر الميلادي
إلى سقوط بغداد على يد المغول
الغزاة عام 1258م.
إن
بناء منظومة نقل أوروبية ـ
آسيوية على أساس إنشاء سكك حديد
متطورة وعالية السرعة وطرق نقل
ومشاريع مياه تمتد من الموانئ
الأوروبية على المحيط الأطلسي
إلى الموانئ الصينية في الشرق
على المحيط الهادئ عبر الشرق
الأوسط وأوروبا الشرقية وإنشاء
مراكز زراعية وصناعية على طول
هذه الشبكة.. يمثل أكبر مشروع
علمي إنمائي في التاريخ البشري
يمكنه أن يحول اقتصاد العالم من
وضعه الحالي إلى وضع أرفع وأسمى
يليق بالعنصر البشري الذي وهبه
الله الخلافة في الأرض ليعمرها
ويجعلها رمزاً لخلود العقل
المبدع.
ممرات
التنمية
إن
غرض خطوط سكك الحديد وشبكات
النقل هذه ليس فقط نقل البضائع
والمسافرين، بل أن تلعب دور جسر
للتنمية و"شريانا" يغذي
الأقاليم المختلفة التي يمر
بها؛ فسكك القطارات ستشكل قلب
ممر يمتد مسافة 150 كيلومتراً
عرضاً.
ويجتاز
هذا الممر أغنى مناطق العالم
بالمواد الأولية والصناعة
والمراكز السكانية الكبرى،
والمناطق التي تقع ضمن مخططات
التنمية للمياه والصناعة
والزراعة واستخراج المواد
الأولية. إن وجود سكك الحديد
سيساعد على نقل الآلات ذات
التكنولوجيا المتقدمة إلى تلك
المناطق التي يتم تشييد
المشاريع فيها من بلاد المنشأ
سواء في أوروبا أو شرق آسيا. كما
يتم في الوقت نفسه توفير وسيلة
نقل اقتصادية وسريعة لنقل
المواد الأولية والصناعات
الثقيلة من وإلى مناطق التنمية.
إن
أكبر مشكلة تواجهها الدول
النامية في مجالي التجارة
الداخلية والخارجية هي انعدام
البنية التحتية الفعالة لنقل
منتجاتها ما بين الدول النامية
ذاتها، وإذا ألقينا نظرة فاحصة
على خطوط سكك الحديد والطرق
العامة في قارة أفريقيا، فسترى
أن معظم الطرق مبني من داخل تلك
الدول (من المناجم عادة) إلى
أقرب ميناء أو مخرج إلى بحار
العالم دون المرور بدولة جارة.
إن
هذا النظام يعطينا أصدق صورة عن
طبيعة النظام الاستعماري
القديم الذي أنشأته بريطانيا
وفرنسا وهولندا، وكان الغرض منه
نهب ثروات تلك الشعوب ومنع أي
تعاون إقليمي ما بين الدول
المستعمرة سواء في فترة
الاستعمار أو ما بعدها. ومن ثم
ألق نظرة على أوروبا الغربية
بالذات، لترى الكثافة الهائلة
للطرق وسكك الحديد وقنوات النقل
النهري وغيرها من مشاريع البنية
التحتية المشتركة.
كيف
يمكن للأمم الأفريقية أن تتحد،
ولا توجد حتى طرق بسيطة تربط ما
بينها؟ وكيف يمكن للعرب أن
يوحدوا كلمتهم " بمواجهة
التحديات الخارجية"، ولا
توجد عندهم شبكة نقل توحدهم
فيزياوياً؟ هذا موضوع اللقاء
القادم.
اقرأ
أيضًا:
طريق
"الحرير الحديدي"..أمل
التجارة بين آسيا وأوروبا
العولمة
الاقتصادية..أبدية أم ظرفية..؟
العولمة..
هدم الاقتصاد القديم
مواقع
ذات صلة:
|