|
مغاوري شلبي
قررت
بعض الدول العربية مؤخرًا استخدام
اليورو في حساباتها النقدية
وتعاملاتها الاقتصادية بدلاً من
الدولار أو بجانبه، في الوقت نفسه
الذي تدرس فيه دول عربية أخرى هذا
الموضوع، ويأتي هذا التصرف من جانب
الدول العربية في الوقت الذي تراجع
فيه اليورو أمام الدولار ليفقد أكثر
من 30% من قيمته منذ يناير 1999م، وليصل
إلى أدنى مستوياته على الإطلاق أمام
الدولار خلال شهر أكتوبر 2000م ليحقق
حوالي 83 سنتاً بعد أن كان اليورو
يعادل 1.6 دولاراً؛ ولذلك كان من
الأهمية التعرف على علاقة الدول
العربية باقتصاد اليورو، وآثار
اليورو على الاقتصاديات العربية
وخاصة في مجال التجارة والمصارف
وحركة رؤوس الأموال والعمالة، وتجارة
النفط.
آثار
متوقعة لليورو على الاقتصاديات
العربية
من
المعروف أن الدول العربية ترتبط
بعلاقات اقتصادية متشابكة مع الاتحاد
الأوروبي سواء في مجال التجارة أم في
مجال الاستثمارات، ويعتبر الاتحاد
الأوروبي هو الشريك التجاري الأول
للدول العربية؛ حيث يستوعب 34% من
إجمالي صادرات الدول العربية إلى
العالم في حين يمثل 43% من إجمالي
واردات العالم العربي، ومن المتوقع
أن تزداد هذه العلاقات وتنتعش في ظل
توجه العديد من الدول العربية إلى
إبرام اتفاقات مشاركة مع الاتحاد
الأوروبي؛ حيث وقعت كل من تونس
والمغرب والأردن وفلسطين اتفاقات
المشاركة، ومن المتوقع أن تصل مصر إلى
اتفاق مماثل خلال فترة قصيرة مع
الاتحاد الأوروبي، كما تسعى دول مجلس
التعاون لإبرام اتفاق منطقة تجارة
حرة مع دول اليورو.
وبسبب
هذا التشابك في العلاقات الاقتصادية
بين الدول العربية والاتحاد الأوروبي
وتوقع نموها في المستقبل فإن
الاقتصادات العربية سوف تتأثر أكثر
من غيرها بالتطورات في قيمة اليورو في
الوقت الراهن وفي المستقبل، وسوف
تتأثر باليورو من عدة جوانب أهمها:
1
- أثر اليورو على التجارة العربية :
لقد بدأت دول الاتحاد الأوروبي في
تسعير صادراتها باليورو بدلاً من
العملات الأوروبية الوطنية، ومن
المتوقع أن يؤدي ذلك إلى زيادة طلب
الدول العربية على اليورو لتسوية ثمن
وارداتها من الاتحاد الأوروبي، ومن
المتوقع أيضًا أن تلجأ الدول العربية
هي الأخرى إلى تسعير صادراتها إلى دول
الاتحاد الأوروبي باليورو، وذلك من
أجل زيادة شفافية الأسعار، وكذلك
لمقابلة حاجاتها من اليورو مثلما
فعلت السعودية والعراق وليبيا وبعض
الشركات في مصر وخاصة الشركات التي
تصدر الغزل للدول الأوروبية.
ومن
المتوقع أيضًا أن يزيد حجم التجارة
العربية مع الاتحاد الأوروبي بسبب
تحسن شروط تجارة السلع والخدمات ذات
المنشأ الأوروبي قياسًا بالسلع
والخدمات ذات المنشأ الأمريكي، ولكن
هذا لا يمنع أن السلع العربية
باستثناء النفط الخام سوف تقل قدرتها
على منافسة السلع الأوروبية المثيلة
بسبب انخفاض تكاليف إنتاج الأخيرة في
ظل استخدام اليورو وإلغاء تكاليف
تحويل العملة بين الدول الأوروبية،
وربما يدفع ذلك بعض المنتجين العرب
إلى اتباع سياسة "النفاذ إلى السوق
الأوروبية من داخلها"، عن طريق
زيادة استثماراتهم في الاتحاد
الأوروبي للاستفادة من ارتفاع العائد
على الاستثمار في دول الاتحاد بسبب
زيادة الكفاءة الإنتاجية، وإن كان
ذلك يرتبط في الوقت نفسه بالقوانين
التي تنظم الاستثمار الأجنبي المباشر
في دول الاتحاد الأوروبي، ومن
الملاحظ أن انخفاض قيمة اليورو أمام
الدولار الأمريكي سيؤدي إلى انخفاض
حصيلة الصادرات العربية إلى الاتحاد
الأوروبي، ويشجع على الاستيراد من
الاتحاد الأوروبي بسبب انخفاض تكلفة
الواردات منه مقارنة بالواردات من
أمريكا، وهو ما يؤدي إلى زيادة
التجارة العربية الأوروبية وخاصة في
جانب الواردات العربية.
2-
أثر اليورو على المصارف العربية
وحركة رأس المال: توجهت الدول العربية
منذ عدة سنوات إلى زيادة استثماراتها
في دول الاتحاد الأوروبي، وذلك في
أعقاب فورة أسعار النفط، وكانت
المصارف العربية إحدى وسائل هذه
الاستثمارات في الاتحاد الأوروبي،
حيث حدث توسع سريع في المصارف العربية
المقامة في دول الاتحاد الأوروبي،
كما تم إقامة مصارف عربية أوروبية
مشتركة، وقد تركزت معظم هذه المصارف
في لندن وحدها، حيث يوجد بالاتحاد
الأوروبي ما يزيد على 125 مصرفًا
عربيًّا منها 80 مصرفًا في لندن، وقد
أدى هذا التواجد المصرفي العربي في
دول الاتحاد الأوروبي إلى زيادة درجة
التشابـك الاقتصادي بين الطرفين،
وجعل القطاع المصرفي العربي أكثر
عرضة للتأثر بأي تطور في الاتحاد
الأوروبي وخاصة بالنسبة لليورو.
وفي
ظل استخدام اليورو زادت احتمالات
تأثر المصارف العربية، فاليورو سيحدث
تغيرات جذرية في عمليات المصارف
المراسلة سواء داخل أم خارج الاتحاد
الأوروبي، حيث إن هناك توقعًا بتقليص
شبكة البنوك المراسـلة، وحدوث انخفاض
كبير في إيراداتها، ومواجهة منافسة
شديدة في مجال عملها، وسوف يكون تأثر
البنوك العربية صغيرة الحجم أكثر من
غيرها بسبب عدم قدرتها على تحمل
تكاليف التكنولوجيا الجديدة اللازمة
للتعامل مع المستجدات التي تنجم عن
استخدام اليورو.
على
صعيد آخر بدأت معظم البنوك المركزية
العربية تتجه إلى الاحتفاظ
باحتياطيات من اليورو؛ لأنها تتحمل
تكاليف تسوية المعاملات بين البلاد
العربية بعضها وبعض، وبين البلاد
العربية وبين مراسليها الأوروبيين،
ومن ثم سيكون هناك زيادة في الطلب على
اليورو لتسوية المعاملات العربية
الأوروبية بمرور الوقت، وقد بدأت بعض
الدول العربية تستخدم اليورو لتقليل
المخاطر التي تتعرض لها البنوك
العربية بسبب تغير أسعار الصرف بين
العملات المختلفة وبين الدولار
باعتباره العملة الحالية لتسوية معظم
المعاملات العربية.
من
جانب آخر سوف يكون هناك حركة لرؤوس
الأموال العربية باتجاه الاتحاد
الأوروبي متمثلة في الاستثمارات
العربية التي تسعى للاستفادة من
مزايا السوق الأوروبية الموحدة التي
تنعدم فيها تكاليف التحويل بين
العملات وتزيد فيها الكفاءة
الإنتاجية، والعائد على
الاستثمارات، وسوف تتحرك هذه الأموال
من الدول العربية التي لديها فوائض
مالية مثل دول الخليج العربية، مما
يؤثر على نصيب الدول العربية الأخرى
المستقبلة لرؤوس الأموال العربية مثل
مصر وسوريا والأردن وتونس.
في
الوقت نفسه من المتوقع أن يكون هناك
تراجعًا في حركة رؤوس الأموال
الأوروبية باتجاه العالم العربي،
وذلك بسبب المزايا التي سوف يخلقها
اليورو للاستثمارات داخل الاتحاد
الأوروبي، أيضًا هناك احتمال لتراجع
القروض والمنح والمعونات التي تقدم
للدول العربية؛ وذلك لأن حرص الدول
الأوروبية على استقرار اليورو سوف
يحتم عليها تقديم المساعدة والعون
لأي دولة عضو يصادفها أي مشاكل أو
معوقات، وذلك حتى لا تمتد آثار ذلك
إلى بقية الدول الأعضاء ويؤثر على
استقرار اليورو، والمتوقع أن يكون
ذلك على حساب حركة رأس المال إلى خارج
الاتحاد الأوروبي ومنها الدول
العربية سواء في صورة قروض أم منح أم
معونات.
3
- أثر اليورو على حركة العمالة
العربية: من المعروف أن الاتحاد
الأوروبي يواجه مشكلة بطالة يمكن
اعتبارها حادة وتؤرق الحكومات
الأوروبية، ولذلك من المتوقع أن تلقي
هذه المشكلة بظلالها على السياسات
النقدية والمالية التي يتبعها البنك
المركزي الأوروبي أو التي تتبعها
الحكومات الوطنية، وكان ذلك واضحًا
في عام 1999م عندما نشأ خلاف في داخل
الاتحاد الأوروبي بشأن تخفيض سعر
الفائدة والذي طالب به أغلب وزراء
المالية في الاتحاد الأوروبي، وذلك
بهدف تشجيع الاستثمارات وخلق مزيد من
فرص العمل في حين عارض ذلك في البداية
مجلس المحافظين في البنك المركزي
الأوروبي، ولكن في النهاية تم تخفيض
سعر الفائدة بمقدار 0.5%، ثم تم رفعها
مرة أخرى إلى 4.75% في محاولة للتغلب على
تراجع اليورو أمام الدولار، ومن هنا
يمكن القول: إن قضية البطالة في
الاتحاد الأوروبي ستلعب دورًا هامًّا
في السياسات الاقتصادية لمنطقة
اليورو، ومن المعروف أن وجود عملة
أوروبية موحَّدة سوف يشجع على زيادة
حركة العمالة بين الدول الأعضاء،
وذلك في ظل الشفافية في الأجور التي
سيخلقها اليورو، وسوف يؤدي ذلك إلى
مطالبة العمالة في العديد من الدول
الأعضاء بالمساواة في الأجور مع
العمال في الدول الأخرى الأعضاء
باليورو، وهو ما سوف يثير العلاقة بين
الأجور والإنتاجية في الدول الأعضاء،
ويؤدي إلى تنشيط النقابات والمؤسسات
العمالية في دول اليورو، وقد يؤدي ذلك
في الغالب إلى إعادة هيكلة العمالة
الأوروبية، وذلك بإعطاء أولوية أكثر
للعمالة الوطنية الأوروبية، وخاصة في
ظل وجود جماعات ضغط تطالب الحكومات
بمناهضة العمالة الأجنبية وخاصة
الوافدة من دول العالم الثالث
وبالتحديد من الشرق الأوسط وشمال
أفريقيا.
ومن
ثم فإن هذه الإجراءات سوف تؤثر على
حركة العمالة العربية إلى دول
الاتحاد الأوروبي، حيث ستتقلص هذه
الحركة، إلى جانب ذلك سوف تعاني
العمالة العربية في هذه الدول من بعض
الإجراءات التي تضيق عليها الخناق
وخاصة العمالة غير القانونية، وسوف
تكون أكثر الدول العربية تضررًا من
هذه الإجراءات دول المغرب العربي
وخاصة تونس والمغرب؛ لأن العمالة من
هذه الدول تشكل نسبة كبيرة من إجمالي
العمالة العربية في الاتحاد
الأوروبي، حيث يقال: إن العمالة
العربية من المغرب وتونس قد ساهمت في
بناء بيت من كل ثلاثة بيوت في أوروبا؛
ولذلك لا بد من إعادة طرح قضية حركة
وحقوق العمالة العربية إلى دول
الاتحاد الأوروبي من خلال مفاوضات
اتفاقيات المشاركة العربية
الأوروبية.
4
- أثر اليورو على تجارة النفط العربي :
القيمة الحقيقية لسعر برميل النفط
العربي تتأثر بعاملين هما: معدلات
التضخم في الدول المستوردة للنفط
العربي، وتغير سعر صرف عملات هذه
الدول المستوردة مقابل الدولار
الأمريكي، ومن متابعة تغير أسعار
برميل النفط العربي بالقيمة الاسمية
والحقيقية مقومًا بالدولار الأمريكي
ومن
الجدول التالي يلاحظ ما يلي:
تطور
الأسعار الاسمية والحقيقية لبرميل
النفط العربي
خلال
الفترة 1973 - 1998
|
السعر
الحقيقي |
أثر
التضخم % |
أثر
تغير أسعار الصرف % |
السعر
الأسمى |
السنة |
|
3.07 |
3.07 |
3.07 |
3.07 |
1973 |
|
9.31 |
8.47 |
12.65 |
11.51 |
1976 |
|
9.48 |
10.02 |
16.33 |
17.28 |
1979 |
|
16.42 |
15.19 |
35.13 |
32.50 |
1981 |
|
15.20 |
10.24 |
10.08 |
27 |
1985 |
|
6.81 |
6.38 |
18.91 |
17.73 |
1987 |
|
7.05 |
7.03 |
22.34 |
22.26 |
1990 |
|
5.08 |
4.65 |
17.83 |
16.33 |
1993 |
|
5.61 |
5.36 |
21.25 |
20.29 |
1996 |
|
5.42 |
4.83 |
20.95 |
18.68 |
1997 |
|
3.56 |
3.13 |
13.99 |
12.28 |
1998 |
مأخوذ
من مجلة النفط و التعاون العربي
الأمانة العامة لمنظمة أوابك المجلد
25
العدد
89، 1999م، ص30
-
لقد زادت الأسعار الاسمية بمعدل 20%
سنويًّا في المتوسط خلال الفـترة 1973 -
1998 مع حدوث تذبذبات حادة خلال هذه
الفترة.
-
الأسعار الحقيقية زادت بمعدل 3.3%
سنويًّا، وأن التضخم في الدول
المستوردة للنفط وتغير أسعار صرف
عملات هذه الدول مقابل الدولار ساهم
في تراجع القيمة الحقيقية لبرميل
النفط العربي بنسبة 16.7% سنويًّا، مع
العلم أن تغير سعر الصرف كان أثره
إيجابيًّا، أي أدى إلى تحسن القيمة
الحقيقية لبرميل النفط العربي.
ويجب
التأكيد على أن انخفاض القيمة
الحقيقية لبرميل النفط العربي لا
يرجع إلى استخدام الدولار كعملة
لتسوية التعاملات في النفط، ولكن
الأمر يرجع إلى ظروف العرض والطلب في
السوق العالمي للنفط؛ وذلك لأن
التقلبات في أسعار النفط الاسمية
أكثر بكثير من تقلب أسعار صرف العملات
المختلفة مقابل الدولار ومنها اليورو.
ومع
ظهور اليورو لم تتحمس الدول العربية
للتحول إليه لاستخدامه كعملة لتسوية
التعاملات في سوق النفط؛ لأن
الاعتقاد العربي الغالب أن استخدام
الدولار في هذا المجال سيستمر لبعض
الوقت، وقد يستمر لفترة طويلة خاصة
بالنسبة للدول العربية في الخليج
وذلك؛ لأن القاسم الأكبر من وارداتها
يتم تسويته بالدولار، وبالتالي فإن
هذه الدول ليست في عجلة من أمرها
للتحول إلى اليورو لتسوية تعاملات
النفط، وذلك حتى يظهر اليورو
استقرارًا وثباتًا في السوق العالمي
بعد التقلبات الأخيرة في قيمته أمام
الدولار، ولكن من الوارد أن تلجأ بعض
الدول العربية وغير العربية المصدرة
للنفط مثل ليبيا والجزائر ونيجيريا
والنرويج إلى طلب اليورو كعملة
لتسوية تعاملاتها النفطية مع دول
الاتحاد الأوروبي؛ وذلك لأنها تستورد
من أوروبا معظم وارداتها، ويكون ذلك
أكثر احتمالاً في حالة تسعير الدول
الأوروبية للواردات العربية منها
باليورو، وفي هذه الحالة تكون الدول
العربية في حاجة إلى اليورو لتسوية
قيمة وارداتها من دول الاتحاد
الأوروبي.
وعلى
أية حال إذا تم التحول العربي من
الدولار إلى اليورو لتسوية تعاملات
النفط فإن هذا لن يؤثر بدرجة كبيرة
على أسعار الصرف بين الدولار واليورو
والين؛ وذلك لأن تعاملات النفط
العالمية لا تشكل سوى حوالي 11% من
إجمالي التجارة العالمية، ومن باب
أولى فلن يؤثر التحول العراقي لليورو
على قيمة الدولار أمام اليورو لضآلة
نسبة تجارة العراق بالنسبة إلى
التجارة العالمية، ولكن يمكن القول:
إن التحول العربي الجماعي لاستخدام
اليورو في تجارة النفط قد لا يحدث إلا
بعد تثبت قبول اليورو عالميًّا
كوسيلة لتسوية المدفوعات، ونجاح
تجارب دول أخرى عربية أو غير عربية في
هذا التحول، وإذا فرض وحدث هذا فإن
ذلك لا يعني بالضرورة أن القيمة
الحقيقية لأسعار برميل النفط العربي -
ومن ثَم العوائد الحقيقية لصادرات
النفط العربي - سوف تزداد؛ لأن هذا سوف
يعتمد بالدرجة الأولى على استقرار
قيمة اليورو في أسواق الصرف العالمية
وعلى استقرار الأسعار الاسمية لبرميل
النفط العربي من ناحية أخرى.

اقرأ
أيضًا:
التعاون
الأورومتوسطي مغانم لأوروبا..
ومغارم للعرب !!
اليورو
مهدد بالتراجع
العراق
يتعامل مع اليورو بدلاً من الدولار
|