بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

بيان للناس من الأزهر الشريف

الأزهر 

أصدر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر الشريف بيانا في الرابع عشر من يوليو 2005، يشرح فيه جانبا من أركان شريعة الإسلام، بعد أن اختلطت المفاهيم في الأذهان والتبس الحق بالباطل وعم الإرهاب وكثرت الاتهامات الباطلة للإسلام والمسلمين...

بيان للناس من الأزهر الشريف

(14 يوليو 2005 – القاهرة)

هذا بيان للناس نضيفه إلى بيانات سابقة ونشرح فيه جانبا من الأركان التي قامت عليها شريعة الإسلام، بعد أن اختلطت المفاهيم في أذهان كثير من الناس وبعد أن التبس الحق بالباطل وبعد أن عم الإرهاب وطم وبعد أن كثرت الاتهامات الباطلة التي وجهت إلى الإسلام وإلى المسلمين.

وبعد أن اختطف المجرمون الأشرار رجلا من خيرة الرجال هو الدكتور الشهيد إيهاب الشريف –رئيس بعثة المصالح الدبلوماسية المصرية في العراق– ثم قتلوه ظلما وعدوانا بعد أن اتهموه كذبا وزورا بما هو بريء منه.

وهذه الأركان وتلك الأصول التي قامت عليها شريعة الإسلام نذكر جانبا منها فيما يلي:

1- من الأصول التي قامت عليها شريعة الإسلام: إعلام الناس جميعا في كل زمان ومكان أنهم من أصل واحد لا فرق بين شرقي وغربي، وشمالي أو جنوبي... وهذه الحقيقة قد أكدها القرآن الكريم في آيات متعددة منها قوله تعالى:

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً..." [النساء: 1].

والمعنى: يأيها الناس خافوا الله عز وجل والتزموا أوامره، واجتنبوا نواهيه وأخلصوا له العبادة؛ فهو وحده الذي أوجدكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم -عليه السلام- وأوجد من جنسها نفس أمكم حواء التي هي زوجة آدم، ونشر منهما في أنحاء الأرض رجالا كثيرا ونساء كثيرات.... وفي آية أخرى جاء قوله سبحانه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [الحجرات: 13].

وجاءت أقوال النبي صلى الله عليه وسلم فأكدت هذه الحقيقة في أحاديث متعددة منها قوله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عندا لله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى ألا هل بلغت اللهم فاشهد...".

2- كذلك من الحقائق التي قامت عليها شريعة الإسلام: إخبار الناس جميعا بأن الله عز وجل قد كرم بني آدم تكريما عظيما، فضلا منه وكرما.

ومن الآيات القرآنية التي قررت ذلك: قوله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً"(الإسراء: 70)

ومن الآيات القرآنية التي ذكرت ألوانا من هذا التكريم: قوله تعالى: "اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ . وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ" [إبراهيم: 32 -34].

ولفظ "بني آدم" يشمل من أخلص العبادة لله تعالى كما يشمل من أشرك معه العبادة آلهة أخرى والكل يغمرهم الله –تعالى- في هذه الدنيا بالخيرات التي لا تعد وبنعمه التي لا تحصى.

3- كذلك من الأركان التي قامت شريعة الإسلام عليها: تذكير الناس بأن العقيدة الدينية فطرة فطر الله –تعالى- الناس عليها....

قال -تعالى-: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (الروم: 30).

والمعنى: فاثبت أيها الإنسان العاقل على الدين الحق الذي يتمثل في إخلاص العبادة لله الواحد القهار وتمسك بذلك لأن تمسكك بذلك هو الفطرة أي الخلقة أو الملة أو الطبيعة التي أوجد الله –تعالى- الناس عليها ولا تبديل ولا تغيير لما فطر سبحانه الناس عليه، وذلك الدين الذي اختاره الله تعالى لكم -أيها الناس- هو الدين القويم المستقيم الذي في اتباعه سعادتكم ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة بسبب أهوائهم وشهواتهم وإغواء الشيطان لهم.

وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم"، أي: فحولتهم الشياطين عن دينهم الحق إلى الدين الباطل.

ولفظ "حنيفا" أو "حنفاء: من الحنف بفتح الحاء والنون ومعناه الميل من الباطل إلى الحق بعكس لفظ الجنف -بفتح الجيم والنون- ومعناه الميل من الحق إلى الباطل والعقيدة الدينية حاجة نفسية مهيمنة، لا يستطيع الإنسان أن يحيا الحياة النفسية الراضية بدونها وهي لا تباع ولا تشترى لأن ما بالذات لا يقبل البيع أو الشراء وللأستاذ عباس محمود العقاد -رحمه الله- كلام جيد في هذا المقام؛ فهو يقول في كتابه "الله" ص 14: "في الطبع الإنساني جوع إلى الاعتقاد كجوع المعدة إلى الطعام وإن الروح تجوع كما يجوع الجسد وإن طلب الروح لطعامها كطلب الجسد لطعام. ثم يقول -رحمه الله- حق لا يقبل الجدل لأن الحاسة الدينية بعيدة الغور في طبيعة الإنسان وحق لا يقبل المراء أن الإنسان يجب أن يؤمن ولا يستقر وسط هذه العوالم بغير إيمان.

وهو قد وجد في هذه العوالم لا مراء، فإذا كان الإيمان هو الحالة التي يتطلبها منه وجوده فضعف الإيمان يناقض طبيعة التكوين....".

4- ومن الحقائق والأصول التي قامت عليها شريعة الإسلام وكررت تذكيرها للناس أن العقائد لا إكراه عليها؛ لأن الإكراه لا يأتي بمؤمنين صادقين وإنما يأتي بمنافقين كذابين...

وقد ذكر القرآن الناس بهذه الحقائق بأساليب حكيمة وبطرق متنوعة.. منها: أن الإكراه على العقائد لا فائدة فيه بعد أن وضح منها ما هو حق وما هو باطل، قال تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (البقرة: 256).

ومنها أن وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام التبليغ والتذكير والتبشير والإنذار وليس من وظيفتهم الإكراه والإجبار، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" (المائدة: 67).

وقال -تعالى-: "وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ" (الرعد: 40).

وقال تعالى: " فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ..." (الشورى: 48).

وقال سبحانه: "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ" (الغاشية: 21، 22).

وقال عز وجل: "وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ..." (الأنعام: 48).

فهذه الآيات واضحة كل الوضوح في أن العقائد لا إكراه عليها ولا قسر ولا إجبار وهذا لا يمنع من أن كل عاقل عليه أن يعرض ما عنده من عقيدة سليمة على غيره بأسلوب مهذب حكيم...

5- الدستور الإلهي الذي أمرت شريعة الإسلام أتباعها بالالتزام به: أن يمدوا أيديهم بالسلام إلى كل من يمده إليهم بالسلام من غير المسلمين

وهذا الدستور الإلهي نراه في قوله سبحانه: "لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة: 8، 9).

والمعنى: لا ينهاكم الله -أيها المسلمون- عن مودة وصلة من هم على غير دينكم ما داموا لم يقاتلوكم ما داموا لم يخرجوكم من دياركم وما داموا لم يسيئوا إليكم...

بل إن الله –تعالى- أباح لكم أن تكرموهم بالخير وأن تعاملوهم بالعدل، وأن تتبادلوا معهم المنافع التي أحلها الله تعالى، واعلموا أن الله عز وجل يحب كل من يلتزم العدل في أقواله وأفعاله.

إنما ينهاكم خالقكم عن تقديم العون والمساعدة لكل من قاتلوكم بسبب أنكم مسلمون ولكل الذين أخرجوكم من دياركم التي تسكنونها، ولكل الذين تعاونوا معهم على إخراجكم من أرضكم، واحذروا أن تخالفوا أمري؛ لأن من يخالف أمري يصبح من زمرة الظالمين الخارجين عن طاعتي.

فهاتان الآيتان الكريمتان ترسمان للمسلمين المنهج الذي يجب أن يسيروا عليه في علاقتهم بغيرهم، وهو أن من حيانا بتحية حييناه بأحسن منها، ومن أحسن لنا القول والفعل أحسنا له القول والفعل، ومن ظلمنا أو قاتلنا أو أساء إلينا عاملناه بمثل معاملته.

6- كذلك من الأركان الركينة التي قامت عليها شريعة الإسلام: أنها صانت حياة الإنسان كإنسان من أي عدوان عليها، ما دام هذا الإنسان لم يرتكب ما يؤاخذ عليه.

صانت حياته من القتل وصانت أمواله من السطو عليها وصانت كرامته من الإهانة وصانت حريته من الإذلال وصانت عرضه من القذف....

ويكفي شريعة الإسلام فخرا أنها اعتبرت قتل نفس واحدة ظلما وعدوانا، كأنه قتل للإنسانية جمعاء، قال تعالى: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..." (المائدة: 32).

والمعنى: من أجل ما حدث من قتل "قابيل" لأخيه "هابيل" ظلما وعدوانا وكتبنا على بني إسرائيل في التوراة، أنه من قتل نفسا واحدة دون أن تكون هذه النفس المقتولة قد فعلت ما يوجب القصاص منها، أو أفسدت في الأرض فهذا القاتل لتلك النفس التي لم تفعل ما يوجب القصاص منها كأنه قتل الناس جميعا، ومن تسبب في إحياء هذه النفس وفي صيانتها من العدوان عليها فكأنما أحي الناس جميعا...

وذلك لأن الذي يقتل نفسا واحدة ظلما وعدوانا، يكون قد استباح دما مصونا قد حماه الإسلام بشرائعه وأحكامه، ومن استباح هذا الدم في نفس واحدة فكأنه قد استباحه في نفوس الناس جميعا؛ إذ النفس الواحدة تمثل النوع الإنساني كله. كما أن الحفاظ على النفس الإنسانية الواحدة كأنه حفاظ على نفوس الناس جميعا.

ومن بلاغة القرآن الكريم ومن دقة أحكامه أنه قال: "نفسا" بصيغة التنكير والتعميم ليشمل الحكم النفس المسلمة أو النفس غير المسلمة...

فهل رأيتم -أيها العقلاء- صيانة وحماية للنفس الإنسانية كهذه الصيانة وكتلك الحماية؟.

7- من سنن الله في خلقه: أنه سبحانه جعل الحياة معركة بين الحق والباطل وصراعا بين الخير والشر والفضيلة والرذيلة ونزاعا بين الأخيار والأشرار... ومهما طال هذا الصراع فالنصر في النهاية للمدافعين عن الحق والعدل والفضائل...

وصدق الله إذ يقول: "وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ" [البقرة: 251].

أي: ولولا أن الله تعالى بعونه وإحسانه، سلط أهل الحق على أهل الباطل فهزموهم وقهروهم وانتصروا عليهم في النهاية، لفسدت الأرض ولأصابها الخراب والدمار... ولكن الله تعالى هو صاحب الفضل على الناس جميعا حيث نصر الأبرار على الفجار.

فالآية الكريمة تأمر أهل الصلاح في كل زمان ومكان أن يقفوا بكل شجاعة وقوة وثبات في وجوه الطغاة المجرمين وأن يقاوموهم بكل وسيلة من شأنها أن تقضي عليهم.

ومن الوسائل التي جاءت بها شريعة الإسلام للقضاء على هؤلاء الطغاة المجرمين القصاص منهم، قال الله تعالى: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة: 179].

والقصاص معناه: العقوبة بالمثل، والمعنى ولكم -أيها الناس- في مشروعية القصاص من الظالم الباغي القاتل لغيره ظلما وعدوانا حياة عظيمة فيها الأمان وفيها الرخاء وفيها العيش بسلام.

وقتل القاتل لغيره ظلما وعدوانا، شرعه الله في الكتب السماوية التي انزلها على رسله الكرام؛ ففي القرآن الكريم قوله عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى..." [البقرة: 178].

وأخبرنا القرآن الكريم أن الله –تعالى- قد فرض على بني إسرائيل في التوراة القصاص من القاتل لغيره ظلما فقال تعالى: "وكتبنا عليهم فيها -أي التوراة- أن النفس بالنفس...." [المائدة: 45].

وفي العهد القديم سفر التكوين إصحاح 9 آية 6: "سافك دم الإنسان يسفك دمه..."، وفي إنجيل متى إصحاح 26 آية 52: "فقال له يسوع: رد سيفك إلى مكانه؛ لأن كل الذين يأخذون بالسيف، بالسيف يهلكون".

هذا وقد ثبت لكل ذي عقل سليم: أن الذين يطالبون بإلغاء عقوبة القصاص -الإعدام- باسم حقوق الإنسانية وهم ضد حقوق الإنسان لأننا نقول لهم: أين حقوق الإنسان الذي قتله المجرمون ظلما وبغيا وعدوانا؟ وهذا الإنسان المقتول ظلما ترك من خلفه أبوين بائسين وترك زوجة وأولادا كانوا ينتظرون رعايته وحمايته لهم بعد الله عز وجل.

8- ومن أحكم الهدايات التي قامت إليها شريعة الإسلام هي شريعة الله عز وجل: بيان أقسام الناس في هذه الحياة فقررت أن من الناس السابقون بالخيرات ومنهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ومنهم الظالم نفسه...

وقد أشار القرآن إلى هذه الأقسام في قوله تعالى: "ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ" (فاطر: 32).

ومن الناس نوع آخر قد انطمست بصائرهم وقست قلوبهم فصارت كالحجارة أو أشد قسوة واستولى عليهم الجهل المركب، والغرور المردي ففقدوا الرشد وصار الشيطان تابعا لهم...

كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ" (الأعراف: 175).

والمعنى: واقرأ -أيها الرسول الكريم- على الناس قصة ذلك الإنسان الذي علمناه هدايتنا فنبذها وتركها فلحقه الشيطان وسار خلفه بعد أن صار هذا الإنسان من زمرة الراسخين في الجهل والغرور والسفاهة...

وعبر سبحانه بقوله: "فأتبعه الشيطان" للمبالغة في ذم هذا النوع من الناس وفي تحقيره، حتى لكأنه لشدة فسوقه وجحوده كان الشيطان من تلاميذه وأتباعه على حد قول الشاعر:

وكان فتى من جند إبليس فارتقى به الحال حتى صار إبليس من جنده

وهذا اللون من الناس قد تأصلت الجرائم والرذائل في طباعهم وسلوكهم حتى صاروا قطعة منها وتحقق فيهم قوله سبحانه: "سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً..." (الأعراف: 146).

9- ومن أفحش جرائم هؤلاء المفسدين في الأرض: قتلهم للآمنين من الرجال والنساء والأطفال، بصورة قد بلغت الدرك الأسفل في الغدر والقبح والخسة والنذالة واختطافهم للشرفاء الأطهار.. ثم قتلهم بطريقة وحشية...

وهؤلاء المفسدون في الأرض قد حدد الخالق عز وجل عقابهم في الدنيا والآخرة تحديدا كاملا فقال: "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (المائدة: 33).

وهذه العقوبات العادلة والرادعة التي حكم بها الله أرحم الراحمين، يجب أن تطبق على هؤلاء الأشرار الفجار النابذين لكل فضيلة تطبيقا تاما وتنفذ تنفيذا كاملا لأنهم قد ارتكبوا من الجرائم ما تقشعر من هوله الأبدان، وارتكبوا ما ارتكبوا عن تعمد وإصرار، وإني لأكتب هذا البيان اليوم الخميس الرابع عشر من شهر يوليو لسنة 2005 ووسائل الإعلام أمامي تقول "مذبحة للأطفال في العراق – مقتل 32 طفلا، وإصابة 31 آخرين في بغداد"...

وهذه المذبحة التي قام بها مجرم أثيم من هؤلاء الإرهابيين الذين عم وطم إفسادهم في الأرض، عن طريق تفجير السيارات وتخريب المنشآت وارتكاب كل جريمة نكراء..

ومنذ أيام قليلة اختطف أولئك الطغاة الفجار الدكتور/ إيهاب الشريف -رئيس بعثة المصالح الدبلوماسية المصرية في العراق- وقادوه إلى مكان مجهول، وقذفوه بالتهم الكاذبة، ثم قتلوه بطريقة لا يعلم مقدار خستها ونذالتها وقبحها إلا الله عز وجل...

وإن جريمتهم النكراء هذه تمثل مجموعة من الجرائم التي كل واحدة منها توجب قتلهم قصاصا منهم، هي جريمة في دوافعها السيئة، هي جريمة في كيفية ارتكابها، هي جريمة في تهمها الباطلة، حيث وجهوا تهمة الردة إلى إنسان مسلم طاهر يؤدي فرائض الله تعالى أداء تاما...

هي جريمة في كلمة باطلة، وفي كل فعلة شائنة قام بها هؤلاء الإرهابيون الفجار عليهم لعنة الله و الملائكة والناس أجمعين.

وإن مطاردة هؤلاء المجرمين بكل قوة وشدة وثبات حتى القضاء عليهم أمر واجب على كل مكلف سواء أكان من الحكام أم من غيرهم،  وإن من يتستر على هؤلاء المجرمين يكون شريكا لهم في جرائمهم.

10- ومنذ أيام زارني السيد/ الدكتور إياد علاوي -رئيس وزراء العراق السابق- وطلب مني أن يصدر الأزهر بيانا لتخفيف ما يحدث من فتن... ولبى الأزهر هذا الطلب وأصدر بيان مطولا جاء فيه:

"يا إخواننا في العراق، من قلوبنا قبل السنتين نناديكم بعد أن وصلت الفتن الذروة وبعد أن طال زمن قتل العراقي لأخيه العراقي، بهذه الصورة التي بلغت أفحش ما يتصوره إنسان نناديكم لنقول لكم: إن ما يجري في العراق الآن من جرائم هو هدم لماضيه ولحاضره ولمستقبله.. نناديكم لنقول لكم: أنتم أبناء وطن واحد هو العراق، لا فرق بين سني وشيعي وكردي... فاتحدوا واقضوا على أولئك الإرهابيين المجرمين، الذين يقتلونكم ويخربوا دياركم نناديكم لنقول لكم: إن قلوب الشعوب العربية والإسلامية لتتقطع حسرة وحزنا على ما نشاهده في العراق من تخريب طال ليله وصارت فتنة كقطع الليل المظلم...".

وفي ندائنا اليوم نكرر ما قلناه بالأمس القريب والبعيد ونضيف إلى ذلك: إن الشعب العراقي برجاله ونسائه، بأطفاله وبشيوخه.... يجب أن يتكاتف ويتعاون ويكون كالبنيان المرصوص، ويتعقب أولئك الإرهابيين الأشرار في كل مكان حتى يطهر العراق منهم ومن شرهم ورجسهم...

وإن على جميع الدول والأفراد وأن تقدم للعراق ما يعينه على القضاء على أولئك الطغاة الفجار ومتى تم ذلك بإخلاص وثبات وقوة، جاء الفرج بإذن الله عز وجل؛ فهو سبحانه على كل شيء قدير وهو حسبنا ونعم الوكيل.

شيخ الأزهر الشريف

محمد طنطاوي

14/7/2005


وثائق و بيانات


 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع