بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين، والصلاة والسلام على
سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
وأما بعد:
لا
تنحصر أهمية مسألة إمامة المرأة
وخطبتها بالجمع المختلط يوم الجمعة
عند حدود تقييم الفعل شرعياً من حيث
الحلّ أو الحرمة، والجواز أو المنع،
وإنما تكمن خطورته في مآلاته ونتائجه.
لقد
تبنّى فكر الحداثة وما بعد الحداثة
تفكيكَ مجموعة المسلمات الإنسانية في
الطبيعة والدين والتاريخ والسياسية
والمجتمع وفلسفة العلوم وما إليها،
وهذا التفكيك المتواصل قد أدى إلى بروز
ظاهرة الفردية، وتمحور الإنسان حول
نفسه والتمركز حول الذات، وصار من
العسير تقديم أية ضوابط من شأنها أن
تقاوم هذا التوجه التفكيكي العدمي.
لقد
فُتح ملف قضية المرأة وتحريرها منذ عهد
بعيد. ومعلوم أن الحركات النسوية
الغربية الليبرالية قد قطعت شوطاً
طويلا في مناقشة قضايا المرأة، وعلى
الرغم من كثرة كتابات علماء المسلمين
ومفكريهم في الإجابة على شبهات
الطاعنين إلا أن التحدي ما زال في أوج
قوته في هذه المرحلة؛ مرحلة التفكيك
المفاهيمي المفتوح. ومعلوم أن التعامل
مع ملف قضايا المرأة ليس محصورا في
أهمية دورها كفرد، وإنما في أهمية
دورها في الأسرة التي تشكل النواة
الصغرى، ومن ثَمَّ في المجتمع كله
والأمة قاطبة. وعليه فإن نتائج التوجه
الليبرالي الغربي في معالجة قضايا
المرأة المسلمة وما ستستبعه من
تطبيقات عملية ستتجاوز حدود التصرفات
الفردية إلى تهديد بناء الأسرة
والمجتمع ككل. وعليه فينبغي التعامل مع
هذه القضية وفهمها ومعالجتها في
الإطار الصحيح الذي يستوعب التوجهات
المعاصرة ومناهجها وأهدافها، ومقابلة
ذلك مع الرؤية الإسلامية الكلية
لمكانة المرأة ودورها حسب التصور
الإسلامي كما صوره القرآن وبينته سنة
النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
برزت
قضية حقوق المرأة ودورها في إطار
عمليات التفكيك هذه التي طالت فيما
طالته الأسرةَ، حيث لم يعد أفراد
المجتمع قادرين على تصوُّر أن الأسرة
هي الوحدة الصغرى، وليس الفرد، وأن
الرجل نصف والمرأة نصف آخر، فإذا
التقيا شكّلا وحدة متكاملة تنمو من
خلال علاقات الأبوة والأمومة والبنوة
وسائر المتضايفات الأخرى لتكوّن جماعة
أو مجتمعا. وبذلك فككت الحركات النسوية
الليبرالية معاني الزوجية والتكاملية
بين الرجل والمرأة، وكرست فكرة
الفردية المطلقة، ومن هنا ظهر التمييز
الجائر بين مفهوم النوع (الجنس)
والجندر، ما أدى إلى بروز التخبط
العجيب في العلاقات الزوجية والعلاقات
بين المثليين ونحوها.
إن
نظام الأسرة في الإسلام نظام في منتهى
الدقة، يبدأ عملية التوجيه من خلال
نظرة كل من الرجل والمرأة لنفسه، وبناء
الرؤية المتكاملة، وربط إطار العلاقة
بالمجتمع كله وبالمنظومة البشرية كلها.
إن
هيمنة فكر الليبرالية على العالم أدى
وما يزال يؤدي إلى تفكيك بِنى
المجتمعات التقليدية، ناهيك عن تحقُّق
ذلك في المجتمعات "المتقدمة".
وإذا أضيف إلى ذلك بعض الممارسات
والتطبيقات الخاطئة لفقه الأسرة
ومنظومات الأحوال الشخصية وأساليب
التعامل مع المرأة – نستطيع أن ندرك
الضغوط النفسية الهائلة التي تتعرض
لها المرأة المسلمة في الغرب. فهي
تتعرض لحالة انقلاب وتمزق بحيث لم يعد
المجتمع المسلم بالمستوى القادر على
مواجهتها، فضلا عن استيعابها
وتجاوزها، ولم تعد الأسرة المسلمة ذلك
المحضن الآمن المفعم بمشاعر المحبة
والمودة والسكن والرحمة بحيث يحتمي كل
من الزوجين بها هرباً من تلك الضغوط
الهائلة، ولذلك بدأت المجتمعات
المسلمة تستجيب لهذه الانقلابات
الفكرية بشكل متسارع قائم على فكرة
الحقوق الفردية المتساوية التي جعلت
المرأة تنظر إلى كثير من الأحكام
المتعلقة بالشهادة والإمامة والخمار
وسواها على أنها أحكام يجب تجاوزها؛
لأنها تعتبرها من وسائل استعلاء الرجل
وهيمنته عليها واستبداده بشأنها.
إذا
قلبنا التاريخ الإسلامي كله فإننا لن
نجد هذه المسائل مطروحة على الفكر
الإسلامي بهذا الشكل الحاد، فقد عَرَض
لها الفقهاء عبر التاريخ الإسلامي،
فالفقه مرآة لقضايا المجتمع. فالمجتمع
يطرح السؤال ليجيب عنه الفقيه. فلولا
أن هذه القضايا قد أثيرت لما وجدنا لها
ذكراً في فقهنا الإسلامي، ولكنها كانت
تثار بشكل خافت لعدم وجود التحدي
القائم اليوم، ولعدم وجود الظروف
والدواعي والدوافع التي جعلت هذه
الأمور تطرح بهذه القوة في إطار محاولة
تفكيك المجتمعات التقليدية وإعادة
بنائها وفقاً لتصورات الليبرالية
الغربية. ولذلك فإن الإجابة على هذه
الإشكالية في الدائرة الفقهية وحدها
يعد خضوعاً ورضوخاً لضغوط فكر الحداثة
والعولمة، لكن الإجابة عنها ينبغي أن
تأخذ أشكالا أخرى، منها:
أولاً:
بث الوعي على هذه الأمور في الإطار
الذي ذكرنا ليدرك أبناؤنا وبناتنا
معاً أن الأمر ليس أمر فتوى جزئية أو
فردية، وإنما هو أمر انقلاب فكري يكاد
يكون كونيا، وهو ما يعبر عنه في أدبيات
السنة بـ "الفتنة" أو "الاختبار"
أو "الابتلاء"؛ لأن الاستجابة
لهذا التحدي بالفتوى سواء (مع) أو (ضد)
إنما هي تحقيق لأهداف التفكيك.
ثانياً:
ينبغي التنبه لضرورة التمييز بين
الحركات النسوية الليبرالية وفلسفتها
ومناهجها وأدواتها، وبين الحركات
النسوية المسلمة التي تحاول إعادة
قراءة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله
عليه وآله وسلم قراءةً تتجاوز
تعسُّفات المتأوِّلين الذين يحمّلون
النصوص ما لا تحتمل، أو تجاوزات
الكاتبين التي تريد أن تجعل من
الخصوصية الثقافية المحلية للفقيه
معياراً تُوزن عليه الأحكام المرتبطة
بالبيئة الظرفية.
ثالثاً:
من المهم الإشارة إلى أن المسلمين لم
ينفردوا في قضية حصر الإمامة بالرجال
وحدهم، وذلك لأن بعض فِرق اليهودية
والنصرانية لم تفتح مجال الوظائف
الدينية أمام المرأة إلا في وقت متأخر
جدًّا وذلك بعد أن دخلت تحت الإطار
الحداثي وانساقت في تياراتها.
رابعاًً:
استثارة عوامل التقوى والتزكية وطهارة
الروح والنفس. والمؤمن إذا ذُكِّر
بالله ذكر، وإذا مسَّه طائف من الشيطان
تذكر، فيمكن الدخول في حوار مع الأخوات
اللواتي يرغبن بهذا النوع من الممارسة
من منطلق التقوى، ومنطلق فقه
الأولويات، وفقه الموازنات، وفقه
المآلات وما إلى ذلك، فإن ذلك أجدى لأن
يفتح نوافذ من التفكير تُبعد
المتحاورين في هذه الأمور عن مجالات
التكفير أو التجهيل أو الاتهام
بالبدعة.
خامساً:
ضرورة معالجة هموم المرأة المسلمة
ومشاكلها التي تتعرض لها في تعاملاتها
اليومية داخل المراكز الإسلامية وفي
داخل المجتمع المسلم معالجةً سليمة،
وألا يفسح المجال لأن يتخذ البعض من
تطرُّف بعض الآراء والممارسات الشاذة
التي تجاوزت حدود القسط والعدل ذريعةً
للخروج على ما جرى عليه أمر الأمة منذ
عصرها الأول، سواء كان مصدر هذا
التطرّف بعض آراء السلف أو بعض ممارسات
التيارات الإسلامية المعاصرة التي
أغمطت المرأة بعض حقوقها الشرعية،
وعاملتها –فكريًّا أو عمليًّا- على
غير ما تستحقه من تقدير واحترام.
سادساًً:
ذهب جمهور الفقهاء وجرى عرف المسلمين
عبر التاريخ الإسلامي كله منذ عهد
النبوة إلى وقتنا الحاضر إلى القول
بعدم جواز إمامة المرأة للرجال؛ لا في
الفريضة ولا في النافلة، ناهيك عن خطبة
الجمعة وإمامة صلاتها. ولكن إذا ذهب
بعض المسلمين اليوم إلى القول بأن
للمرأة التي تتمتع بالشروط اللازمة
لإمامة الصلاة في مساجد خاصة في جماعات
النساء؛ فليس يُعدُّ قولهم هذا خروجا
عما هو مقرر في الفقه الإسلامي. وأما
إمامة المرأة للجمع المختلط؛ ففي
الجماعات المحصورة بالمحارم وأهل بيت
المرأة وما إلى ذلك فقد يُعدُّ الأمر
مقبولاً، إذ جاء فيه أثر مشهور هو حديث
أم ورقة الوارد في سنن أبي داود. وأما
إمامة الجمع المختلط من غير المحارم
فقد شذّ بالقول به الإمام أبو جرير
الطبري وأبو ثور والمزني، وقيّده بعض
الحنابلة بصلاة النافلة دون الفريضة
إذا كانت المرأة أقرأ القوم. وإذا
أدركنا أن نسبة عالية جدًّا من
المسلمين –لسبب ديني أو ثقافي- لا
يستسيغون الصلاة خلف امرأة فإنها إذا
أمّتهم رغما عنهم فإنها تكون قد فرضت
نفسها عليهم وأكرهتهم على الصلاة
خلفها، وهذا أمر غير مقبول لأنه "من
أمّ قوماً وهم له كارهون فإن صلاته لا
تجاوز ترقوته" (رواه الطبراني في
الكبير)، خاصة في أمر صلاة الجمعة الذي
له ميزة تجمّع أهل كل مَحِلَّة على
الخطبة والصلاة.
وفي
الختام، فإنه من المهم أن تباشر بنات
المسلمين اللواتي يتمتعن بالقدرات
العلمية الطيبة في البدء بإلقاء
المحاضرات والدروس الإسلامية في
المساجد والمراكز وخلال الندوات
والمؤتمرات بهدف نشر الوعي والمعرفة
الإسلامية في صفوف أبناء الجالية
المسلمة، كما نهيب بأئمة المساجد
وأعضاء هيأتها ومجالسها المختلفة أن
تصغي سمعا لشئون المرأة المسلمة، وأن
تعير همومها ما تستحقه من اهتمام
ومتابعة، وأن تتعاون في تعزيز دورها
بالمشاركة الفاعلة في تسيير شئون
المراكز الإسلامية بما يخدم المصلحة
الشرعية وفق الضوابط المقررة. والله
الموفّق والهادي إلى سواء الصراط.
حُرِّر
في 15 آذار/مارس، 2005م.