|
فيما
يلي نص تقرير بعثة تقصي الحقائق في ظروف
اغتيال رئيس الحكومة اللبناني السابق
رفيق الحريري، وأسبابه ونتائجه كما
نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" يوم
السبت 26-3-2005:
تقرير
بعثة تقصي الحقائق في لبنان التي تتحرى
أسباب ملابسات وتبعات اغتيال رئيس
الوزراء السابق رفيق الحريري في الفترة
من 25 فبراير إلى 24 مارس2005.
ملخص
إجرائي:
في
14 فبراير 2005 قتل انفجار في قلب مدينة
بيروت 20 شخصا بينهم رئيس الوزراء السابق
رفيق الحريري. وقام الأمين العام للأمم
المتحدة بإرسال بعثة تقصي حقائق إلى
بيروت للتحقيق في أسباب وملابسات
وتبعات هذا الاغتيال. ومنذ أن وصلت
البعثة إلى بيروت في 25 فبراير التقت
عددا كبيرا من المسئولين اللبنانيين
وممثلين لمختلف المجموعات السياسية
وأجرت مراجعة مكثفة للتحقيق اللبناني
وللإجراءات القانونية، وزارت مكان
الجريمة والأدلة التي تم تجميعها
بواسطة الشرطة المحلية، وجمعت وحللت
نماذج من مكان الجريمة، وأجرت مقابلات
مع بعض شهود العيان فيما يتعلق بالجريمة.
لا
يمكن الجزم بالأسباب المحددة لاغتيال
السيد الحريري على نحو يقيني إلا بعد أن
يتم تقديم الجناة في هذه الجريمة إلى
العدالة. ولكن من الواضح أن الاغتيال تم
في إطار سياسي وأمني يتسم باستقطاب حاد
حول النفوذ السوري وفشل الدولة
اللبنانية في تقديم حماية كافية
لمواطنيها.
وفيما
يتعلق بملابسات الاغتيال فإن البعثة
ترى أن الانفجار قد وقع بواسطة عبوة 1000
كيلوجرام من مادة «تي إن تي» وضعت في
الغالب فوق سطح الأرض. وتشير مراجعة
التحقيق إلى أنه كان هناك افتقار في
الالتزام من جانب السلطات اللبنانية
للتحقيق في الجريمة على نحو فعال وأن
هذا التحقيق لم يتم إجراؤه وفقا
للمعايير المقبولة عالميا. وترى البعثة
أيضا أن التحقيق اللبناني يفتقر للثقة
الضرورية لقبول نتائجه لدى السكان.
يمكن
أن تكون تبعات الاغتيال بعيدة المدى.
ويبدو أن الاغتيال فتح أبواب
الاضطرابات السياسية التي كانت تعتمل
طوال العام الماضي. وتتصاعد الاتهامات
والاتهامات المضادة في زيادة حدة
الاستقطاب السياسي المتواصل ويتهم
البعض أجهزة الأمن والقيادة السورية
باغتيال الحريري لأنه صار عقبة كأداء
أمام نفوذهم في لبنان. وتمسك مؤيدو
سوريا بأن الحريري اغتيل بواسطة «أعداء
سوريا»، هؤلاء الذين يريدون خلق ضغوط
عالمية على القيادة السورية لأجل
التصعيد من أجل تقليص نفوذها في لبنان و/أو
البدء في سلسلة من ردود الفعل تستطيع في
نهاية الأمر أن تفرض «تغييرا للنظام»
داخل سوريا نفسها. وقد عبر سياسيون
لبنانيون من مختلف الخلفيات للبعثة عن
مخاوفهم، فلبنان قد يصير حلبة لصراع بين
سوريا والمجتمع الدولي تنتج عنه تبعات
مدمرة على السلام والأمن اللبنانيين.
بعد
جمع الحقائق المتاحة توصلت البعثة إلى
أن استعادة تماسك ومصداقية جهاز الأمن
اللبناني سيكون لها أهمية حاسمة لأمن
واستقرار البلاد. وسيكون من الضروري
لبلوغ هذا الهدف بذل جهد متواصل لإعادة
هيكلة وإصلاح وتعزيز أجهزة الأمن
اللبنانية، وبالتأكيد سيتطلب الأمر
مساعدة وتفاعل المجتمع الدولي. وأخيرا
فان البعثة ترى أن الدعم الدولي
والإقليمي يعتبر ضروريا في وقاية وحدة
لبنان وحماية هيكل الحكم الهش من الضغوط
غير المشروعة. كما أن تحسين احتمالات
السلام والأمن في المنطقة سيوفر أرضية
أكثر صلابة لاستعادة الحياة الطبيعية
في لبنان.
تقرير
بعثة تقصي الحقائق في لبنان للتحري في
أسباب وملابسات وتبعات اغتيال رئيس
الوزراء السابق رفيق الحريري 25 فبراير-
24 مارس 2005
تقديم:
1-
في 14 فبراير 2005 قتل انفجار في قلب مدينة
بيروت 20 شخصا بينهم رئيس الوزراء السابق
رفيق بهاء الدين الحريري، وقتل أيضا في
الانفجار يحيى مصطفى العرب، ومحمد بن
سعد الدين درويش، وطلال نبيه ناصر،
وزياد محمد طراف، وعمر أحمد المصري،
ومحمد رياض حسين جلياني، ومازن عدنان
الذهبي، ويمامة كامل ضمين، وهيثم خالد
عثمان، وعلاء حسن عصفور، وزاهي حليم
رجيلي، وجوزيف إيملي عون، وريما محمد
رئيف، ورواد حسين حيدر، وصبحي محمد
الخضر، وعبدو توفيق بوفرح، وعبد الحميد
محمد حلايين، وأحمد صالح الخلف، ومحمد
صالح الحمد المحمد.
2-
وبالإضافة للقتلى ما زال فرحان أحمد
العيسى مفقودا ويعتقد أنه بين الضحايا.
وقد أصيب 220 آخرون بجروح.
3-
في 15 فبراير أصدر رئيس مجلس الأمن بيانا
بالنيابة عن المجلس طلب فيه من الأمين
العام «المتابعة عن كثب للوضع في لبنان
والإبلاغ على نحو عاجل بالملابسات
والأسباب والتبعات لهذا الفعل الإرهابي».
وأعلن الأمين العام يوم 18 فبراير أنه
سيرسل بعثة تقصي حقائق إلى بيروت لتجميع
معلومات تعتبر ضرورية له كي يعد تقريرا
للمجلس على نحو عاجل. وبعد تبادل رسائل
بين الأمين العام والرئيس اللبناني
أرسلت بعثة إلى بيروت يرأسها بيتر
فيتزجيرالد نائب مفوض الشرطة
الأيرلندية وجاردا سيوشانا وضمت اثنين
من محققي الشرطة ومستشارا قانونيا
ومستشارا سياسيا لتجميع حقائق حول
أسباب وملابسات وتبعات الاغتيال،
بالإضافة إلى خبراء المتفجرات والمواد
البلاستيكية والجينات الوراثية وخبراء
في فحص مكان الجريمة قد جلبوا يوم 6 مارس
بعد اتفاق مع الحكومة اللبنانية وجمع
نماذج لذلك.
4-
منذ وصول أعضاء بعثة تقصي الحقائق إلى
بيروت يوم 25 فبراير التقوا عددا كبيرا
من المسئولين اللبنانيين وممثلي مختلف
المجموعات السياسية اللبنانية وأجروا
مراجعة شاملة للتحقيق اللبناني
والإجراءات القانونية وفحصوا مكان
الجريمة والأدلة التي جمعتها الشرطة
المحلية وجمعوا وحللوا عينات أخذت من
مكان الجريمة وأجروا مقابلات مع بعض
شهود العيان في ما يتعلق بالجريمة. ولأن
بعض الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات
طلبوا عدم ذكر أسمائهم فإن هذا التقرير
لن يضم القائمة الكاملة لكل الذين أجريت
مقابلة معهم. وقد أكملت البعثة تحقيقها
في لبنان يوم 16 مارس 2005. ويتضمن التقرير
الحالي النتائج والتوصيات التي توصلت
إليها نتائج التحري.
تقع
نتائج تحري البعثة في ثلاث مجموعات:
أ-
الأسباب:
5-
لا يمكن التأكيد على نحو يقيني بالأسباب
المحددة لاغتيال الحريري إلا ما بعد
تقديم مرتكبي هذه الجريمة إلى العدالة.
ولكن من الواضح أن الاغتيال وقع في إطار
سياسي وأمني يتسم باستقطاب حاد حول
النفوذ السوري في لبنان وفشل الدولة
اللبنانية في توفير حماية وافية
لمواطنيها.
الإطار
السياسي:
6-
وظف لبنان على نحو متكرر كساحة معركة
بين أطراف النزاع العربي الإسرائيلي
مما جلب تأثيرا مدمرا لوحدته الوطنية
واستقلاله، كما أظهرت ذلك الحرب
الأهلية المأساوية (1975- 1990) وبحملات
عسكرية عديدة على ترابه. وقد حافظت
سوريا على وجود عسكري في لبنان منذ مايو
1976 بقبول من الحكومة اللبنانية. وقد
مارست أيضا نفوذها في الشؤون اللبنانية
وهو نفوذ تزايد على نحو مميز منذ عام 1990
وقد تقنن عام 1991 بمعاهدة «الإخوة
والتعاون والتنسيق».
7-
ظل الحضور السوري في لبنان عموما غير
متغير حتى سحب إسرائيل قواتها من جنوب
لبنان عام 2000. وبدأت الشخصيات السياسية
بالتعبير عن معارضتها للنفوذ السوري
المتواصل، ودعت إلى تطبيق المواد
المتبقية من اتفاقية الطائف (1989) والتي
إذا طبقت فستقلص كثيرا حجم الوجود
السوري في لبنان إلى مستوى انسحاب كامل
محتمل. ومع أن الحريري تحاشى بعناية هذا
الحوار إلا أن علاقاته مع الرئيس إميل
لحود الذي يوصف عموما بأنه رجل سوريا
المفضل كانت مستقرة. وكما ذكر مسئول
أمني كبير مقرب من سوريا فإن الرجلين
تنازعا مرارا خلال فترة رئاسة الحريري
لمجلس الوزراء (2000- 2004) لدرجة تطلبت «تدخلا
خارجيا ووساطات يومية». وقد أثر النزاع
بين لحود والحريري على قدرة الحريري في
إدارة الحكومة وتنفيذ سياساته، وبلغ
الأمر في بعض الأحيان درجة الشلل. وفسر
تزايد صعوبات الحريري مع لحود كعلامة
لعدم ثقة سوريا في الحريري.
8-
كانت فترة رئاسة لحود ستنتهي عام 2004 من
دون احتمال للتجديد وفقا للدستور. وكان
الحريري، بوضوح، يأمل في أن نهاية فترة
رئاسة لحود ستمكنه من استعادة التحكم في
حكومته. ولكن خلال عام 2004 لمّحت بعض
الأصوات اللبنانية إلى تعديل الدستور
لتمديد فترة رئاسة لحود. وقد صار هذا
الاحتمال جزءا من الحوار حول الوجود
السوري في لبنان وأججه أكثر. وبسبب
توزيع المقاعد في البرلمان فإن تعديل
الدستور يتطلب تأييد معسكر الحريري وهو
تأييد لم يكن الحريري مستعدا لتقديمه.
وفوق ذلك فهناك معلومات من مصادر موثوقة
بأن الحريري قد استطاع الحصول على
التزام القيادة السورية بعدم تمديد
فترة رئاسة لحود.
9-
لكن القيادة السورية قررت فيما بعد
تأييد تمديد فترة الرئاسة وذلك لثلاث
سنوات بدلا من ست سنوات. وكان الضغط من
أجل التمديد قويا وانقساميا وذا تبعات
بعيدة المدى. وكما ذكر مسئول لبناني
قريب من القيادة السورية للبعثة فإن
القرار السوري بعث برسالة واضحة إلى
الحريري بأن عليه أن يذهب، وقال «لم يكن
هناك وسيلة لكي يعمل الاثنان معا»، وقد
التقى الحريري بالرئيس الأسد في دمشق في
آخر محاولة لإقناعه بألا يؤيد التمديد.
وتسلمت البعثة تقريرا عن هذا الاجتماع
من مصادر مختلفة داخل وخارج لبنان، كلها
زعمت أنها سمعت بما جرى في الاجتماع من
الحريري نفسه بعد وقت قصير من انعقاد
الاجتماع. ولا تملك البعثة تفاصيل حول
الاجتماع من جانب الأسد، فقد رفضت
السلطات السورية طلب البعثة بمقابلته.
والشهادات التي تسلمتها البعثة توافق
بعضها بعضا حرفيا.
10-
ووفقا لهذه الشهادات فإن الحريري ذكَّر
الأسد بتعهده بألا يسعى لتمديد فترة
رئاسة لحود وأن الأسد رد بأن هناك تحولا
سياسيا وأن القرار قد اتخذ سلفا. وأضاف
أن لحود يجب أن يعتبر ممثله الشخصي في
لبنان، وأن «معارضته تبلغ مستوى معارضة
الأسد نفسه». ثم أضاف أنه (الأسد) «يفضل
أن يحطم لبنان على رؤوس الحريري و(الزعيم
الدرزي وليد) جنبلاط على أن يرى كلامه
حول لبنان يتحطم». ووفقا للشهادات فإن
الأسد هدد بعد ذلك كلا من الحريري
وجنبلاط بالأذى الجسدي إذا عارضا
التمديد للحود. وذكر أن الاجتماع استمر
لمدة 10 دقائق وهو آخر وقت التقى فيه
الحريري بالأسد. وبعد الاجتماع أبلغ
الحريري مؤيديه بأنه لا يوجد لهم خيار
آخر غير تأييد التمديد للحود. وقد تلقت
البعثة أيضا أقوالا حول تهديدات أخرى
للحريري من مسئولي الأمن في حالة تغيبه
عن التصويت لصالح التمديد أو «حتى
مغادرة البلاد».
في
2 سبتمبر 2004 تبنى مجلس الأمن قراره 1559
الذي يدعو في بعض مواده «كل القوات
الأجنبية المتبقية بالانسحاب من لبنان
وإعلان تأييده لعملية انتخابية حرة
ونزيهة في انتخابات الرئاسة اللبنانية
المقبلة تجرى وفقا لقواعد الدستور
اللبناني من دون تدخل خارجي». ويعتقد
على نحو واسع، داخل وخارج لبنان، أن
الحريري قدم تأييدا قويا لهذا القرار.
وقد أبلغ عدد من المصادر في لبنان
البعثة بأن القيادة السورية اعتبرت
الحريري شخصيا مسئولا عن تبني القرار،
وأن هذا القرار مثل نهاية لأي ثقة تبقت
بين الطرفين. وفي 3 سبتمبر أجري التصويت
في البرلمان على تمديد فترة الرئاسة،
وصوت الحريري ومعسكره البرلماني لصالحه.
وصوت ثلاثة وزراء ضده بينهم مروان
ممدوح، وهو معاون وثيق الصلة للحريري
وجنبلاط. وتمت إجازة التعديل الدستوري
وتم تمديد فترة رئاسة لحود لثلاثة
أعوام، وفي 9 سبتمبر أعلن الحريري
استقالته.
11-
بلغ التوتر السياسي ذروة جديدة بهذه
الاستقالة. وقد انضمت شخصيات سياسية
إضافية إلى ما سمي فيما بعد ب-«المعارضة»
والتي دعت بصورة رئيسية إلى مراجعة
العلاقات السورية اللبنانية. وقد تظاهر
بعض قادة المعارضة بأنهم يراجعون هذه
العلاقات على ضوء قرار مجلس الأمن رقم
1559 بينما تظاهر آخرون بأنهم يراجعونها
تحت لواء اتفاقية الطائف. وترى
الانتخابات البرلمانية المقبلة على نحو
واسع بأنها نقطة تحول وأصبح واضحا لكل
الأطراف أنها تستعد إلى مواجهة أخيرة.
وإلى أن تم التمديد للرئيس لحود كانت
المعارضة تتكون على نحو رئيسي من
السياسيين والمجموعات المسيحية، ومثل
قرار معسكر جنبلاط بالانضمام إليهم
تطورا رئيسيا مما وسع المعارضة إلى ما
يتعدى الخطوط الطائفية الفاصلة بين
الأطراف خصوصا على ضوء تحالف جنبلاط
التقليدي السابق مع سوريا. وقد أضافت
استقالة الحريري قوة أكثر للمعارضة
بجلب الطائفية السنية كبيرة العدد
والنفوذ.
12-
في 2 أكتوبر نجا الوزير السابق مروان
حمادة من الموت بأعجوبة حينما انفجرت
قنبلة بالقرب من سيارته وقتل حارسه في
الانفجار. وقد أحدثت محاولة اغتيال
حمادة صدمة هائلة عبر لبنان وزادت من
الاستقطاب المتواصل. ولم يتم التعرف على
مرتكبي محاولة الاغتيال وساد شعور عام
بأنه لن يتم التعرف عليهم. وخيم جو ثقيل
على المشهد اللبناني، إذ أصبح «الجميع
تحت التهديد» كما أبلغ العديد من مسئولي
الأمن البعثة. وقد أبلغ عدد كبير من
الناس داخل وخارج لبنان البعثة بأن
الحريري وجنبلاط يخشيان على حياتهما
وإن اعتبروا محاولة اغتيال حمادة جزءا
من صراع القوة المتواصل مع القيادة
السورية.
وسط
توتر متصاعد تواصل تماسك تحالف
المعارضة بالإضافة إلى الإعداد
للانتخابات البرلمانية المقبلة وجرت
اتصالات ومفاوضات بين جنبلاط والحريري
والقائد الماروني في المنفى ميشال عون.
وبنهاية يناير 2005 برز معسكر سياسي قوي
في لبنان ضم للمرة الأولى ممثلين من كل
المجموعات السياسية والدينية تقريبا
عدا «أمل» و«حزب الله» الشيعيتين. وشكل
هذا المعسكر منتدى مستقلا إذ لم يعتبر
مناوئا لسوريا، وبدا واثقا بأنه سيحصل
على الأغلبية في الانتخابات المقبلة
كما تمتع بتأييد لاعبين أساسيين في
المجتمع الدولي وبدا واثقا من قدرته على
إجبار سوريا على تطبيق واجباتها بمقتضى
اتفاقية الطائف و/أو قرار مجلس الأمن
رقم 1559. وفي قلب هذا المعسكر هناك رجل
واحد برز بوصفه العقل المدبر وهو رئيس
الوزراء السابق رفيق الحريري الذي
اغتيل.
13-
بوضوح، حدث اغتيال الحريري في صراعه
السياسي مع سوريا بغض النظر عن من نفذ
الاغتيال وبأي مساعدة. ومع ذلك فان من
المهم تذكر انه فقط بإجراء تحقيق صحيح
وليس بالتحليل السياسي يمكن الوصول
لتحديد هؤلاء الذين أمروا وخططوا
ونفذوا هذه الجريمة البشعة. وسيكون من
الانتهاك للقواعد الأساسية للعدالة
القفز إلى نتائج حول مرتكبي الاغتيال من
دون تحقيق صحيح وأدلة مقنعة ومحاكمة
حقيقية.
الخلفية
الأمنية:
14-
وصف الجميع الحريري للبعثة بأنه «أهم
شخصية في الحياة اللبنانية العامة»
وبالتالي فإن اغتياله طرح سؤالا حول
مستوى الحماية له من جهاز الأمن
اللبناني ويتكون نظام الأمن اللبناني
من وكالات عديدة. وتحتل استخبارات الجيش
موقعا رئيسيا في التركيبة وهي تغطي
الأمن القومي ومقاومة التجسس ومقاومة
الإرهاب وقوة هجومية. وتضم أيضا شعبة
لمراقبة الاتصالات. ويغطي «الأمن العام»
الشؤون المتعلقة بالأجانب وجوازات
السفر والحدود بالإضافة إلى الموضوعات
الأمنية ذات الطابع السياسي. وتضم «قوة
الأمن الداخلي» قوة الشرطة وشعبة جمع
المعلومات. ويعتبر «أمن الدولة» مسئولا
عن الموضوعات الأمنية ذات الأساس
السياسي. أما الحرس الجمهوري المفوض
بحماية الرئيس فهو تحت الإشراف العام
لقائد الجيش. وتحتفظ المخابرات
العسكرية السورية، وهي فرع من سوريا
بمكاتب في أماكن عديدة من ضمنها بيروت.
وعلى عكس التأكيدات التي تلقتها البعثة
من قائدها فان الأدلة والشهادات تقودنا
إلى الاعتقاد من دون أي شك بان هذا الفرع
يلعب دورا رئيسيا في الحياة السياسية
اللبنانية وله تغلغل شديد فيها أن لم
يكن إشرافا مباشرا وإدارة للشؤون
الأمنية في لبنان.
15-
وفقا للقواعد والتنظيمات المتبعة فإن
هذه الوكالة تنسق مع بعضها البعض وكلها
أعضاء في مجلس الأمن المركزي الذي يجتمع
مرة في الشهر تحت قيادة وزير الداخلية.
ولكن عددا من المصادر من بينها مسئولون
أمنيون ووزراء ورؤساء سابقون أبلغوا
البعثة أن الممارسة تتبع وتيرة مختلفة
أولا: التنسيق بين الوكالات غير موجود
والمجلس المذكور لا يتجاوز أن يكون مجرد
شكل.
ثانيا
: خطوط التبليغ تتبع ولاءات شخصية
وسياسية بدلا من الترتيبات الدستورية.
ورؤساء الوكالات الاستخبارية يقدمون
اكبر قدر من تقاريرهم المعلوماتية إلى «أولئك
الذين قاموا بتعيينهم والذين يخصون لهم
بالولاء» ويحتفظون بشكليات ومعلومات
ضئيلة لمجلس الأمن المركزي. وبالإضافة
إلى ذلك هناك افتقار شديد للمراقبة و/أو
المراجعة القانونية لعمل الوكالات
الاستخبارية.
16-
يوضح هذا التركيب جزئيا افتقار لغة
الشعب اللبناني في وكالاته
الاستخبارية، فكل الذين تحدثت البعثة
معهم، من دون تمييز، بما فيهم بعض
مسئولو الأمن عبروا عن شكوك حول طاقة و/أو
إرادة الوكالات الأمنية في توفير الأمن
إلى شخصيات سياسية تواجه التهديد. وقال
آخرون إن الثقافة السائدة هي أنه يجب
على السياسيين حماية أنفسهم بوسائلهم
الخاصة أو-في أحسن الظروف- لا تملك
الأجهزة إمكانيات كافية لحمايتهم.
وأشار عديدون إلى حقيقة أن لبنان شهد
عددا كبيرا من الاغتيالات السياسية
خلال الثلاثين عاما الماضية، ومعظم
جرائم الاغتيالات هذه لم يصل فيها أي
نتيجة إلى اليوم.
17-
بعد حوارات مع العديد من المسئولين
الأمنيين بما في ذلك مسئولين من
الاستخبارات العسكرية والقوات الخاصة
وشعبة مكافحة الإرهاب والأمن العام
وقوات الأمن الداخلي والحرس الجمهوري
توصلت البعثة إلى استنتاج أن هناك فشلا
ذريعا قد حدث من جهاز الأمن اللبناني في
ما يتعلق بالتنبؤ باغتيال الحريري
والحيلولة دون وقوعه رغم الشائعات
الواسعة بالتهديد بالأذى الجسدي
للحريري وجنبلاط بما في ذلك احتمال
محاولات اغتيالهما أو اغتيال أي من
أفراد أسرتيهما وبالرغم من محاولة
الوزير السابق مروان حمادي إذا لم تقدم
أي من وكالات الأمن باتخاذ إجراءات
إضافية لحماية أي منهما.
-
نفت كل الأجهزة الآنية أنها تلقت
معلومات بتهديد أو باحتمال تهديد
للحريري أو جنبلاط أو أي من أفراد
أسرتيهما ولكن أي شخص آخر خارج أجهزة
الأمن تحدثت معه البعثة بدا مدركا لهذه
التهديدات. وبالإضافة إلى ذلك فإنه رغم
الاعتراف بالتوتر المتزايد لم تعد أي من
الوكالات لإجراء تقييم لأمن الحريري.
ولم تقترح أي وكالة من وكالات الأمن أو
ترشد أو تحاول أن ترفع مستوى الحماية
المقدمة للحريري من قوات الأمن الداخلي.
وعلى العكس من ذلك فقد تم تقليص عدد فريق
الحماية المقدم للحريري من 40 شخصا إلى 8
أشخاص. ورغم أن التقليص يتماشى مع
التدابير المتبعة إلا انه يمثل إهمالا
للظروف الخاصة في ذلك الوقت. وكانت
حماية الحريري عند لحظة اغتياله تقوم
على نحو شبه كامل على فريق أمنه الخاص.
-
عندما ناقشت البعثة هذا الموضوع مع
مسئولي الأمن اللبناني تحجج العديد
منهم بأن مفهوم الحيلولة من دون
الاغتيال يعتبر مفهوما غريبا للإدارة
الأمنية في لبنان. وقد اخبرنا الحرس
الجمهوري بأنهم حافظوا على إجراء تقييم
على فترات لأمن الرئيس بما في ذلك تقييم
مستوى التهديد والمخاطر التي تستهدفه
على أساس قراءة الحرس الجمهوري للوضع
السياسي والشائعات ومجمل الوضع الأمني.
ويجب أن يتم إعداد وتمتين جهاز فعال
يتمتع بالمهنية والمصداقية.
-
بناء على ما ذكر أعلاه ترى البعثة أن
جهاز الأمن اللبناني فشل في تقديم حماية
مناسبة للحريري وبالتالي وفر إطارا
مهيئا لاغتياله.
ب-
الملابسات:
في
إطار جمع الحقائق التي تتعلق بملابسات
اغتيال الحريري حددت البعثة التحركات
الأخيرة للحريري مباشرة قبل وقوع عملية
الاغتيال محددة أصل التفجير ونوع وحجم
المادة المتفجرة التي استخدمت وراجعت
المداخل الأساسية للتحقيق الذي أجرته
السلطات اللبنانية على أساس المعايير
الدولية المقبولة. وتضمنت مراجعة
التقرير المناطق الحساسة في إدارة مشهد
الجريمة والمحافظة على أدلة التحقيق
لبث قناة الجزيرة التي زعم مسؤولية
الاغتيال والتحقيق في مشبوه بالتفجير
والتحقيق في سيارة مشتبهة وملاحظات
عامة حول تماسك التحقيق.
التحركات
الأخيرة للحريري:
-
في يوم الإثنين 14 فبراير 2005 وفي نحو
الساعة الثانية عشرة والنصف غادر
الحريري مبنى البرلمان في وسط بيروت،
وسار نحو 70 مترا إلى مقهى "بلاس دي
لوتيل" في ميدان النجمة حيث التقى
عددا من الناس، وفي الثانية عشرة وخمسين
دقيقة غادر المقهى يصحبه وزير سابق وعضو
البرلمان باسل فليحان. كانت قافلة فريقه
الأمني تتكون من ست سيارات أولاها سيارة
جيب بها أربعة من رجال الشرطة (السيارة
التي في المقدمة) ومرسيدس سوداء بها
ثلاثة من رجال الأمن الخاصين، وسيارة
مرسيدس مدرعة يقودها الحريري، ومرسيدس
سوداء بها أربعة حراس، ومرسيدس أخرى بها
ثلاثة حراس أيضا، وسيارة جيب في المؤخرة
بها ثلاثة حراس. وكانت كل السيارات
مزودة بأسلحة نارية وكل الحراس مدربون.
-
كان طريق السير قد حدد السيارة الأولى
في المقدمة فقط حينما غادر الحريري
المقهى. وغادرت القافلة ميدان النجمة
وسارت على امتداد شارع أهداب وشارع وفش،
وفي تقاطع شارع فوش بشارع سوابورت اتجهت
القافلة يسارا وسارت على الطريق
الساحلي تجاه فندق سان جورجيوس.
-
في الساعة الثانية عشرة والدقيقة 56
والثانية 25 كانت قافلة الحريري تسير
خارج الفندق مباشرة وهو طريق سارت عليه
ست مرات خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
وقع انفجار هائل نتج عنه مقتل الحريري و7
من رجال الأمن و12 من المدنيين في الحال.
نقل الحريري إلى مستشفى الجامعة
الأميركية حيث تم تمييز جثمانه بواسطة
طبيبه الخاص وعدد كبير من الأطباء الذين
عينتهم الحكومة.
الانفجار:
-
أجرت البعثة فحصا وتحليلا وأجرت
اختبارات في مشهد الانفجار خلال فترة
امتدت لسبعة أيام. ويتلخص رأي البعثة في
ما يتعلق بطبيعة ونوع الانفجار على
تفسير خبرائها لأربعة عناصر على (أ) حجم
وقوة وشكل الشظايا الناتجة عن الانفجار
(ب) حجم وشكل الهوة الذي خلفه الانفجار(ج)
التفسيرات البلاستية (د) التفسيرات ذات
العلاقة بالدمار الذي أحدثه الانفجار
في المباني بمنطقة الانفجار.
-
تحليل الشظايا التي تسبب فيها الانفجار
وشكل الهوة التي خلفها الانفجار تشير
إلى افتراضات تتعلق بانفجار على سطح
الأرض.
-
العديد من المؤشرات تشير إلى أن
الانفجار هو من النوع فوق سطح الأرض
والمؤشرات مستمدة من شظايا إسفلت
الشارع والثقوب وغيرها مما عثر عليه في
السطح الأعلى لأرضية فندق سان حورجيوس
والآثار التي وجدت على سقف السيارة.
-
بعد إجراء كل التحليلات والنقاشات التي
تتعلق بالعينات التي تم جمعها توصل
خبراء البعثة إلى نتيجة فحواها أن
الانفجار في الغالب هو انفجار وضعت
مادته فوق سطح الأرض وان المادة التي
استخدمت هي (تي إن تي) والمادة المستخدمة
تبلغ تقريبا ألف كيلوغرام.
مسرح
الجريمة:
-
يقع مسرح الجريمة في عين المريسة بمدينة
بيروت خارج فندق جورجيوس. الفترة التي
تلت التفجير مباشرة كانت مشهد فوضى
وكانت هناك عدد من خدمات الطوارئ
وممثلين لأجهزة الإعلام ومئات المارة،
ووصل سكان بيروت إلى موقع الانفجار
للمساعدة ومشاهدة ما يجري. عمليات إجلاء
القتلى والمصابين بدأت فور الانفجار.
كثير من الخدمات الأولية قدمت بصورة غير
رسمية بواسطة أشخاص وصلوا إلى موقع
الانفجار قبل وصول خدمات الطوارئ.- عقب
وقوع الانفجار في 14 فبراير، أصبح
التحقيق حول الجريمة من اختصاص المحكمة
العسكرية وتولى القاضي رشيد مظهر، قاضي
هذه المحكمة، إدارة التحقيق حول
الجريمة، بما في ذلك الإشراف على
الإجراءات المتعلقة بمسرح الجريمة
والمحافظة على الأدلة وجمعها بواسطة
السلطات المحلية المؤهلة. بوصفه عمل
يعلق بأمن الدولة، أحيلت القضية إلى
المجلس القضائي تطبيقا للتشريع الخاص
بذلك وفي 21 فبراير جرى تعيين القاضي
ميشال أبو عراج، قاضي المحكمة
الجنائية، قاض للتحقيق ليحل محل رشيد
مظهر.
وتم
تعيين قاضي المحكمة الجنائية باعتباره
قاضي التحقيق ليحل محل رشيد مشهار.
-
الفشل في تنفيذ معظم المهام الجوهرية
التي لا صلة بهذه المسؤولية يصبح جليا
منذ البدء حينما يتم الكشف عن العناصر
التالية:
(أ)
اعتبر جسد الرجل الذي تم العثور عليه
يوم 15 فبراير أنه نجا لمدة تقارب
العشرين ساعة بعد الانفجار.
(ب)
هناك جسد وضع عن طريق الخطأ وتم العثور
عليه يوم 22 فبراير 2005.
(ج)
هناك جسد وضع من قبل أفراد أسرته وتم
العثور عليه يوم الأول من مارس 1005.
(د)
أخبر عن فقدان شخص ويعتقد أنه ما زال في
موقع الانفجار.
34-
الحفاظ على الأدلة في حين يعتبر الحفاظ
على الدليل أساسيا في نجاح كل تحقيق،
فإنه ثانوي بالنسبة إلى الحفاظ على
الحياة واسترداد الأجسام.. ففي هذه
الحالة، مثلما هو الحال مع أي حالة
طوارئ أساسية، فإن الحفاظ على المشهد ما
كان محط الاهتمام الأساس لموظفي خدمات
الطوارئ الذين جاءوا لتقديم المساعدة.
مع ذلك بعد الفوضى التي سادت بدايةً،
ونقل الموتى والجرحى، فإن أجهزة الأمن
بقيادة وتوجيه قاضي التحقيق رشيد مظهر،
كان ينبغي أن تبعد الناس عن المنطقة
وتمنع الدخول غير المشروع إليها. بإكمال
بحث مفصل للمنطقة للتأكد من أنه تم
انتشال الجثث والجرحى، كان يجب أن يؤمن
الموقع بنحو كاف للإبقاء على كل الأدلة
المتوفرة. السلطات المسئولة فشلت في عمل
ذلك.
35-
ما حددت الهيئة النواقص التالية:
أ-
قبل منتصف ليلة 14 فبراير (شباط) بقليل
جرى نقل ست سيارات، التي يتكون منها
موكب السيد الحريري، وسيارة بي أم دبليو
(ليس لها علاقة بالموكب)، من موقع
الانفجار إلى ثكنات شرطة حلو في مدينة
بيروت. وعلى الرغم من أنه تمت تغطية
السيارات بعد نقلها، فإنها ما زالت حتى
الآن غائبة عن أماكنها الخاصة بها في
موقع الانفجار، لذا فإن هذا حال دون أي
تحليل خاص بالقذائف والمتفجرات وجمع
الأدلة في الموقع.
ب-
تدخل موظفو الجيش اللبناني والشرطة
والمخابرات، ومن ضمنهم خبراء
المتفجرات، ونقلوا مواد يحتمل أن تكون
ذات قيمة في الأدلة من دون توثيقها بشكل
سليم، ومن دون وضعها مع بعضها والإخبار
عنها.
ج-
باستثناء من السماح الأولي للإعلام
بدخول الموقع بعد الانفجار مباشرة، منح
الإعلام إذناً رسمياً بدخول الموقع في 15
فبراير من قبل القاضي مظهر، بعد أن قامت
أجهزة الأمن بتأمين الموقع.
د-
غمر مقعد الانفجار (الحفرة الناتجة)
بالماء في الأيام التالية للانفجار،
بعد أن أخفقت السلطات المحلية- الشرطة،
في حبس الماء والحيلولة دون تسربه إلى
الحفرة من الأنابيب المتكسرة في
الموقع، وبذلك جرى الإضرار بأدلة
أساسية أو حتى محوها.
هـ-
أجزاء من سيارة بيك آب جلبت من قبل أعضاء
في أجهزة الأمن، في وقت ما بعد الحادث،
ووضعت تلك الأجزاء في الحفرة، وجرى
لاحقاً تصويرها وتصنيفها على اعتبارها
أدلة.
و-
لاحظت الهيئة أنه حتى 6 مارس (آذار) وجود
عدد كبير من الموظفين بزيهم النظامي
وأشخاص بملابس مدنية، وهم يتجولون في
الموقع، وما كان هناك سجل بالأشخاص
الداخلين إلى الموقع أو الخارجين منه،
وما كانت هناك سيطرة على نقل أو وضع مواد
عينات في الموقع.
ز-
في اجتماع مع الفريق المحلي للإدارة
السامية للتحقيق في 8 مارس 2005، طلب أعضاء
الهيئة تقريراً بالوقائع خاصاً بموقع
الجريمة، مثل دخول الموظفين، الأدلة
المجموعة، الصور المأخوذة، الاختبارات
التي أجريت والإدارة العامة لموقع
الجريمة. وجرى إخبار الهيئة في 15 مارس 2005
بأن تقريراً مثل هذا غير موجود ولا يمكن
توفيره.
ح-
هناك دليل قوي يشير إلى أن قضاة التحقيق
ما كانوا يسيطرون على مجرى التحقيق.
ط-
تدخلت وكالات حكومية- أمنية على الموقع
من دون موافقة قضائية على ما يبدو،
وفشلت لاحقاً في تنسيق نتائج التحقيق.
36-
عليه فإن الهيئة ترى أن موقع الجريمة لم
يدر على نحو سليم أو يجري الحفاظ عليه،
وتحصيلا على ذلك فإن أدلة مهمة إما
أزيحت أو جرى التخلص منها من دون
تثبيتها. وينبغي محاسبة هؤلاء
المسئولين عن سوء الإدارة هذا.
بث
قناة «الجزيرة» الفضائية:
37-
في الساعة 13.30 تقريباً يوم 14 فبراير 2005،
تلقى مدير مكتب قناة «الجزيرة»
ومراسلها في بيروت اتصالا هاتفيا من رجل
وصفت لغته العربية بأنها ركيكة، أو أنه
كان يتظاهر بذلك. أعلن الرجل أن «جماعة
النصرة والجهاد في سوريا الكبرى،
مسئولة عن مقتل العميل رفيق الحريري
باسم المضطهدين، النصرة والجهاد». بثت
قناة «الجزيرة» هذا البيان في الساعة 1400
تقريباً. وفي الساعة 14:19:25 قام شخص آخر
بالاتصال بقناة «الجزيرة» لغته «العربية
جيدة جداً»، قائلاً إن هناك شريط تسجيل
موجود عند شجرة بالقرب من مقر الأمم
المتحدة في بيروت. أمر أحد موظفي «الجزيرة»
بالذهاب إلى ذلك الموقع، لكنه فشل في
العثور على الشريط. وجرى إرسال شخص ثان
من «الجزيرة» لجلب الشريط، وتم ذلك وسلم
الشريط إلى المدير. وفي الساعة 15:27:37
تلقت الجزيرة» مكالمة هاتفية ثالثة
تساءل صاحبها لِمَ لم يبث الشريط؟ أخبر
المدير المتكلم أنه لا يمكن بث الشريط
حتى يتخذ قرار بخصوص ذلك في مقر «الجزيرة»
بقطر. وهدد المتكلم، الذي كان في تلك
اللحظة يصرخ، المدير بأن سيندم على عدم
بث الشريط. وفي الساعة 17:04:35 تلقت
الجزيرة آخر مكالمة هاتفية، كان فيها
صاحب الصوت نفسه، غاضباً جداً، سائلاً
المدير ما إذا كان الشريط سيبث أم لا؟
جعل المدير المتكلم ينتظر على الخط،
وقرر بعد ذلك بأن جرت الموافقة على بث
الشريط، وأخبر المتكلمَ بأن عليه أن
يشاهد التلفزيون. ظهر في الشريط المسجل،
الذي بثته قناة «الجزيرة»، رجل ملتح وهو
يعلن مسؤوليته بالنيابة عن «جماعة
النصرة والجهاد في سوريا الكبرى» عن
مقتل الحريري. وهذا الشخص الذي ظهر في
التسجيل هو أحمد أبو عدس، يقطن في بيروت
وعمره 22 عاماً.
38-
في اليوم ذاته، 14 فبراير 2005 الساعة 14:11:25،
تلقت مستشارة عاملة بوكالة رويترز
للأنباء مكالمة هاتفية من شخص وصفته
بأنه «ليست لديه لهجة لبنانية، لكنه
استخدم لهجة فلسطينية مزيفة». لقد قالت
إن المتكلم الذي كان يصرخ بصوت آمر،
أخبرها بأن «اكتبي، اكتبي، ولا تتكلمين»،
«أننا جماعة النصر والجهاد في سوريا
الكبرى، في هذا اليوم نال الكافر
الحريري ما يستحقه من عقوبة حتى يكون
عبرة لأمثاله». واعتماداً على تعليمات
عامل (من رويترز) فإن فحوى المكالمة لم
تنشر، لأنه لا يمكن التوثق من المكالمة.
39-
من المكالمات الخمس التي تسلمتها قناة «الجزيرة»،
حدد موقع أصل أربعا منها. جميع الأماكن
التي حددتها الشرطة هي أكشاك تليفونات
عمومية في مدينة بيروت. إن وضع شريط
الفيديو في ذلك الموقع من قبل شخص أو
أشخاص لهم علاقة بمقتل السيد الحريري،
زود القوات الأمنية سبيلاً مهماً في
التحقيق، فشرائط الكاميرتين المثبتين
في مكانين مهمين اللذين حددهما أعضاء
الهيئة لم يجر الاطلاع عليها، وشهود
يعملون في المنطقة، ممن عينتهم الهيئة،
لم تجر مقابلتهم، كما إن أكثر التحقيقات
أساسية لم تنفذ. أظهر هؤلاء المسئولون
عن هذا الجانب من التحقيقات إهمالاً
فادحاً.
المشتبه
فيه:
40-
ولد أحمد أبو عدس، وهو من أصل فلسطيني،
في جدة بالمملكة العربية السعودية يوم 29
أغسطس (آب) 1982، وجاء إلى لبنان وعائلته
العام 1991. وهو ابن تيسير أبو عدس ونهاد
موسى نافح. له أختان تعيشان في بيروت،
وأخ يقيم حاليا في ألمانيا. أحمد عاطل عن
العمل. تظهر التحقيقات أن أحمد أبو عدس
غادر في الساعة 0700 يوم 16 يناير (كانون
الثاني) داره الكائنة بناية
الإسكندراني رقم 6، الطابق الأول، محيط
الجامعة العربية في مدينة بيروت، وأخبر
علي أنه مفقود رسمياً يوم 19 يناير 2005.
41-
أثبتت التحقيقات أن أحمد أبو عدس تغير
منذ ثلاث سنوات تقريبا من مراهق حر إلى
أصولي متدين. أخبر أحمد، قبل أن يعلن عنه
مفقوداً، عائلته بأنه التقى صديقا
جديداً في جامع الحوري، حيث كان يصلي
بالمصلين أحياناً، والمعلومات التي
أدلت بها أم أحمد أبو العدس تقول إنه في
الساعة 2100 تقريباً يوم 15 يناير 2005 اتصل «الصديق
الجديد» ببيت أحمد أبو عدس، وأخبره بأنه
سيراه الساعة 0700 يوم 16 يناير، قائلا إن
لديه مفاجأة لأحمد. تزعم الأم أن أحدا
جاء لأحمد الساعة 0700 يوم 16 يناير منذراً
إياه ببوق سيارة خارج الشقة، وتضيف أن
أحمد-الذي كان مستيقظاً منذ وقت الصلاة-
طلب منها بعض النقود وأخذ منها 2000 ليرة
لبنانية (حوالي دولار واحد 33 سنتا)، وقال
إنه سيغيب ساعات قليلة فقط. وتقول أيضا:
إن أحمد طلب منها أن تعتذر بالنيابة عنه
لصديق آخر بأن لديه موعدا آخر في ذلك
التاريخ.
42-
يوم 14 فبراير 2005 كانت عائلة أبو عدس
تتفرج على التلفزيون حين بثت قناة «الجزيرة»
شريط الفيديو الذي يعلن فيه أحمد
المسئولية عن قتل السيد الحريري نيابة
عن جماعة «النصرة والجهاد في سوريا
الكبرى». في الساعة 20.30 يوم 14 فبراير سلم
الأب والأم والأخت الصغرى من أحمد،
أنفسهم للشرطة، واعتقلوا جميعاً. حبس
الوالدان سبعة أيام، لكن الأخت أطلق
سراحها بعد اليوم الثاني. إن التحقيقات
الخاصة بأحمد أبو عدس تضمنت اعتقال
ومقابلة العائلة وأصدقاء وفحص سجل
المكالمات التليفونية، وتفتيش بيت
الوالدين حيث يعيش أحمد. تبين معلومات
التحقيق أن لأحمد جهاز كومبيوتر جرت
مصادرته كجزء من إجراءات التحقيق. ومن
المواد المصادرة 11 شريط فيديو و55 قرصاً
مدمجاً.. باستثناء المعلومات والبيانات
ذات الطابع التخريبي، التي زعم أنه عثر
عليها في جهاز الكومبيوتر، فإنه لا يوجد
ما يشير إلى أن لأحمد ميولاً تخريبية أو
ميولا نحو العنف.
43-
التحقيق الذي شمل هذا الجانب من الجريمة
بين العيوب التالية:
أ-
الضباط الذين قادوا التحقيق طمأنوا
الهيئة إلى أن لأحمد أبو عدس مدخلاً
للإنترنت في بيته، وأن المعلومات
الموجودة في الكومبيوتر حملت مباشرة من
جهاز الكومبيوتر الموجود في بيت أحمد
أبو عدس. بينت التحقيقات التي أجرتها
الهيئة بأن أحمد أبو عدس ليس لديه مدخل
للإنترنت من بيته، وما كان بوسعه الدخول
إلى المواقع المقترحة من جهاز
كومبيوتره الشخصي. تشير التحقيقات التي
أجرتها الهيئة إلى أن الأجهزة الأمنية
لم تفحص أو تجري تحقيقات في مقاهي
الإنترنت المحلية بأمل معرفة أصل هذه
البيانات المزعوم أنها موجودة في جهاز
كومبيوتر أحمد أبو عدس.
ب-
لا يوجد إثبات يدعم النظرية القائلة بأن
لأحمد ميول عنف أو تطرف.
ج-
لا يوجد دليل على أن أحمد خطط رحيله
مسبقاً أو أنه لن يعود في ذلك الوقت الذي
غادر الدار يوم 16 يناير 2005.
د-
لا تتوفر معلومات أمنية عن مجموعة "النصرة
والجهاد في سوريا الكبرى" بعد
الانفجار أو قبله.
هـ-
تقتضي عملية الاغتيال أموالاً طائلة
ودقة عسكرية في طريقة التنفيذ ودعماً
لوجستياً حقيقياً، وهي فوق طاقة أي فرد
أو مجموعة إرهابية. لا يوجد دليل على أن
أحمد كان يمكن أن يمتلك قابلية التخطيط
وتنفيذ عملية الاغتيال بمفرده، كما
ليست لديه القدرة المالية.
سيارة
المشتبه فيه 44- جرى تحديد موقع قريب لفرع
بنك إتش إس بي سي من موقع الانفجار.
للبنك كاميرته التي سجلت حركة موكب
الحريري قبل الانفجار مباشرة لكنها لم
تسجل مشهد الانفجار ذاته. أخذ رجال من
الوكالات الأمنية اللبنانية نسخا من
هذا التسجيل بعدما بدأ التحقيق ببعض
الوقت. وبمعاينة محكمة يبين الشريط
المسجل دخول شاحنة بيك آب بيضاء منطقة
الانفجار قبل موكب الحريري بوقت قصير.
يبين هذا التسجيل بوضوح أن هذه الشاحنة
تسير أبطأ بـ 6 مرات من السيارات العابرة
على نفس الطريق. وبتحليل سلسلة الوقت
فإن لكل 50 إلى 60 متراً تغطيه الكاميرا
فالسيارة العادية تقطع ذلك خلال 3 إلى 4
ثوان، على حين تقطع الشاحنة ذلك في 5 إلى
6 ثوان. إن البيك آب المشتبه فيها تقطع
المسافة ذاتها في 22 ثانية تقريباً وتدخل
منطقة الانفجار في دقيقة و49 ثانية، قبل
وصول موكب الحريري. لقد خمن أنه لو
استمرت البيك آب في مسيرتها بالسرعة
ذاتها بدون توقف لكانت قوة الانفجار قد
أثرت فيها، ولبقيت على الأرجح في الموقع
بعد الانفجار. فحتى تتجنب الانفجار كان
على الشاحنة زيادة سرعتها بشكل كبير
حالما غابت عن عيون كاميرا إتش إس بي سي.
لا يوجد دليل يدعم ذلك.
44-
حدد المحققون اللبنانيون وجود هذه
الشاحنة وحركتها المشبوهة باعتبار ذلك
مسألة تستدعي التحقيق. حددوا صناعة
وطراز هذه السيارة المشبوهة بأنها
متسوبيشي كانتر بيك آب (موديل 1995- 1996 على
الأرجح). تمركزت التحقيقات التي قامت
بها قوات الأمن اللبنانية بشكل كبير على
تحديد ملكية الشاحنة محاولين تتبع
تاريخ الملكية عن طريق تسجيلات
الإجازات ونقاط الحدود وتسجيلات
الصناعة وأماكن بيع السيارات. خلال
البحث عن أدلة في موقع الانفجار اكتشفت
قوات الأمن، كما زعمت، قطعاً من شاحنة
البيك آب التي تشبه الشاحنة المشبوهة
والتي تبين أن لها علاقة بحادث الانفجار.
واكتشفت قوات الشرطة، كما تزعم، أكثر من
21 قطعة من هذه الشاحنة المشبوهة في
منطقة الانفجار وحولها. تركز الجانب
الكبير من تحقيقات القوة الأمنية على
هذه النقطة فقط. لقد حددت الهيئة أن هذه
الشاحنة، مثل ما هو واضح من كاميرا بنك
إتش إس بي سي موجودة حقاً وكانت عند
الموقع قبل الانفجار مباشرة، الانفجار
الذي أودى بحياة السيد الحريري. وتقبل
الهيئة بأن النظرية القائلة بأن لهذه
الشاحنة علاقة بعملية الاغتيال الموقع،
هي نظرية صادقة وتقتضي تحقيقاً شاملاً
ودقيقاً. لقد انتشلت قوات الأمن
اللبنانية أجزاء صغيرة من شاحنة
متسوبيشي من الحفرة ومن المناطق
المجاورة لموقع الانفجار. وقد انتشلوا
قطعاً من الشاحنة متسوبيشي من جهة البحر
المحاذية لموقع الانفجار. وانتشلت
الهيئة قطعة معدنية من الحفرة من ذات
المعدن الذي لقطع الشاحنة التي تؤكد
نظرية انفجار أرضي أو فوق أرضي.
46-
على ذلك، فإن التحقيق في هذا الجانب من
القضية لم يكن كاملاً أو واسعاً، وحسب
ما ترى الهيئة، فإنه جرى الإضرار به
بشكل كبير وجوهري لأفعال وتماهل قوات
الأمن على الأرض للأسباب التالية:
أ-
إلى ما يقارب الشهر من عملية الاغتيال
تقريبا، لم تحاول قوات الأمن أو حاولت
قليلاً تحديد حركة هذه الشاحنة قبل
الانفجار مباشرة أو بعده. كان بإمكان
هذا الجانب من التحقيق أن يكشف أدلة
مهمة ومنها إمكانية تحديد الجاني-
الجناة، مكان وقوف الشاحنة قبل وقوع
الانفجار مباشرة، وما هو أكثر أهمية ما
إذا استمرت الشاحنة بطريقا وأن لا علاقة
لها البتة بعملية الاغتيال.
ب-
أقرت الهيئة بأن مساعيَ قليلة فعلت
لمعرفة ما إذا استمرت الشاحنة بيك آب
استمرت في رحلتها، ولم تُبذل مساع تذكر
لمعرفة مكان شرائط الكاميرات أو الشهود
في الطريق بعد الانفجار.
ج-
تستطيع الهيئة القول بثقة بأن قطعا من
الشاحنة جلبت إلى مشهد الانفجار من قبل
عضو من القوات الأمنية بعد عملية
الاغتيال ببعض الوقت، ووضعت في الحفرة
وجرى تصويرها لاحقاً من قبل أعضاء من
القوات الأمنية، وهكذا خلقوا شكوكاً
جدية فيما يتعلق بعلاقة الشاحنة في فعل
الاغتيال، وهذا أضر جدياً بصدق الخط
الأساسي للتحقيقات. هذا الخط من التحقيق
أضر ضرراً كبيراً فيما يتعلق بمسألة
الصدق والتحدي القضائي.
47-
باختصار، إن السلوك الذي اتبع فيما خص
العنصر من التحقيقات يبين إهمالا
فادحاً في الأقل، مصحوبا بأفعال
إجرامية على الأرجح، ويتحمل القائمون
به المسئولية عن ذلك.
تقييم
عام للتحقيق:
53-
خلال فترة بقائنا في لبنان كان الناس
العاديون يوقفوننا في شوارع بيروت
ويشكروننا على جهودنا لكشف «الحقيقة»،
حاثين إيانا على عدم ترك هذه القضية
بدون حل، وتذكيرنا بأن من المهم جلب
المذنبين أمام العدالة «من أجل لبنان».
كانت اللافتات في شوارع بيروت تحمل كلمة
واحدة بلغتين: «الحقيقة». وأخبرنا
الكثير من المسئولين في كل المؤسسات
الحكومية أن الكشف عن الحقيقة «في هذه
المرة» أساسي للبدء بتحقق السلم المدني
في البلد وتقليص التوتر، وهذا سيسمح
للبنان بالتحرك نحو الوضع الطبيعي.
54-
إضافة إلى ذلك يبدو أن اغتيال الحريري
فتح بوابات للانتفاض السياسي كانت
مغلقة من قبل وكانت تغلي تحت السطح خلال
أشهر السنة الماضية. الاتهامات
والاتهامات المضادة مزدهرة تماما وتشحن
الجدل السياسي المنقسم إلى قطبين. يتهم
البعض دوائر الأمن والقيادة السورية
باغتيال الحريري، لأنه أصبح عائقا لا
يمكن تجاوزه أمام نفوذهم في لبنان.
وهؤلاء يعتقدون أن إزالته أصبحت ضرورية
لسوريا كي تبقي سيطرتها على الحياة
السياسية اللبنانية، خصوصا إذا أجبرت
سوريا على سحب قواتها من لبنان. ويصر
المساندون لهذه الفرضية على أن القيادة
السورية لن تمانع من أن تكون «مشتبها
فيها»، وأنها استخدمت من قبل هذه
التكتيكات في الماضي بدون أن تكون لديها
أي مخاوف من ترك أي آثار وراء أفعالها.
وحسب هذه المصادر فإن هذا النمط من
السلوك هو جزء من إدارة سوريا القسرية
للشئون اللبنانية، بينما يزعم آخرون أن
القيادة السورية لم تتوقع أي ردود فعل
عنيفة من الشعب اللبناني أو من المجتمع
الدولي. ومن وجهة نظرهم فإن القرار
لتصفية الحريري كان «خطأ إستراتيجيا في
الحسابات» شبيها بحسابات مغلوطة وقعت
بها الحكومة السورية في السابق.
55-
لكن مساندي سوريا يزعمون أن الحريري قتل
على يد «أعداء سوريا» الذين يريدون أن
يفرضوا ضغطا دوليا على سوريا من أجل
الإسراع في إنهاء النفوذ السوري داخل
لبنان أو البدء بسلسلة ردود أفعال تؤول
في الأخير إلى إحداث تغيير للنظام داخل
سوريا نفسها. وحسب أنصار هذه الفرضية
فإن اغتيال الحريري سيكون غلطة كبيرة
تقوم بها القيادة السورية؛ إذ إن سوريا
لن تكون المشتبه فيه رقم واحد بل ستكون
الخاسر المباشر أيضا. وهؤلاء الذين
يؤمنون بهذه الفرضية يذكّرون اللجنة
بأن الاغتيالات السياسية لا تتم من أجل
الانتقام بل من أجل تحقيق نتائج محددة.
والنتائج التي تترتب عن اغتيال الحريري
هي معاكسة بوضوح لما تريده سوريا.
56-
كذلك وسع الاغتيال الفجوة بين الجماعات
السياسية اللبنانية وأصبحت أكثر
استقطابا ضمن المشهد السياسي إلى درجة
مخيفة. فبعد الاغتيال مباشرة انقسمت
ألوان الطيف السياسي إلى طرفين «معارضة»
و«وموالية». وهي تتمحور حول الحكومة
اللبنانية والرئيس اللبناني والعلاقات
السورية اللبنانية. وبعد مضي أسبوعين
على الاغتيال خرج عدد كبير من
اللبنانيين إلى الشوارع للتعبير عن
حزنهم وغضبهم ومعارضتهم السياسية
للتورط السوري في الشؤون اللبنانية.
واتهم زعماء المحتجين والمعارضة من
تورط أجهزة الأمن اللبنانية في
الاغتيال ودعوا إلى استقالة الحكومة
ولخروج القوات والأجهزة الأمنية
السورية من لبنان. وعلى الرغم من أن رئيس
الوزراء كرامي لديه الأكثرية في
البرلمان وهو واثق من حصوله على ثقة
الأكثرية، فإنه أعلن بعد استماعه
للشارع استقالة حكومته بينما كانت
الاحتجاجات متجمعة بالقرب من البرلمان.
57-
استمر زعماء المعارضة والمحتجون
بحملتهم داعين إلى إقصاء رؤساء الأجهزة
الأمنية وخروج الجيش السوري مع أجهزته
الأمنية من لبنان وتشكيل حكومة محايدة
تركز على التحضير للانتخابات التشريعية
المقبلة وتشكيل لجنة دولية تقوم
بالتحقيق باغتيال الحريري. لكن «الموالين»
ردوا بشكل سريع على هذه المبادرة من
خلال حشد ما لا يقل عن نصف مليون في
شوارع بيروت يوم 8 مارس دعما للحكومة
اللبنانية وسوريا. وفورا إعلان الرئيس
السوري نية حكومته سحب وحداتها حتى وادي
البقاع تطبيقا لاتفاقية الطائف لعام 1989
ثم سحب القوات السورية حتى الحدود
السورية لاحقا، مع ذلك فإن هذا الإعلان
لم يُنهِ النقاش الدائر حول الوجود
السوري في لبنان. فزعماء المعارضة
استمروا في إظهار شكوكهم حول نوايا
النظام السوري، وطالبوا بجدول زمني
لانسحاب شامل بينما دعا البعض لإنهاء كل
الانسحاب قبل إجراء الانتخابات
التشريعية المقبلة.
58-
طبقا للتقديرات المتوفرة، تجمع ما يزيد
على مليون شخص في 14 مارس في الساحة
الرئيسية ببيروت وهتفوا من أجل «استقلال»
لبنان وإنشاء لجنة دولية مستقلة وإقالة
مسئولي أجهزة الأمن وتشكيل حكومة «محايدة»
للتحضير للانتخابات المقبلة. الخوف من
الفراغ الدستوري جرى التعبير عنه على
نحو واضح للجنة، فضلا عن المخاوف من عدم
التمكن من التصويت على قانون
الانتخابات في الوقت المناسب أو
التحضير على نحو كاف للانتخابات
التشريعية في مايو. اقترح كثيرون أن
يكون هناك إشراف دولي على الانتخابات
ضمانا لنزاهتها. وأشاروا إلى أن
الانتخابات التي تتسم بالمصداقية تساهم
بالفعل في استقرار الوضع السياسي. كانت
هناك مخاوف أيضا من اندلاع نزع أهلي
خصوصا في ظل الاستقطاب الحاد في وصوف
المعارضين والموالين. هذه الاضطرابات
السياسية تحمل مهددات للسلام والأمن في
لبنان، كما لها انعكاساتها الواضحة على
الاستقرار في المنطقة بأسرها.
59-
يضاف إلى ما سبق أن السياسيين
اللبنانيين من مختلف الخلفيات
والولاءات عبروا للجنة عن مخاوفهم من أن
يصبح لبنان مرة أخرى ميدان معركة لقوى
خارجية. وأشار كثيرون إلى الحرب الأهلية
الطويلة والمأساوية كمثال لتنافس القوى
الخارجية عبر قوى لبنانية. كما أشاروا
أيضا إلى هشاشة الدولة اللبنانية
وقدرتها المحدودة على تحمل الضغوط. وأكد
عدد من الرموز السياسية قلقهم من أن يجد
لبنان نفسه وسط مواجهة محتملة بين سوريا
والمجتمع الدولي، مع احتمال أن تترتب
على ذلك نتائج مدمرة على السلام والأمن
اللبنانيين. توسل القادة السياسيون
اللبنانيون إلى اللجنة لمناشدة المجتمع
الدولي عدم استخدام لبنان كأداة للضغط.
وقال واحد من المحاورين خلال حديثه: «هذه
الأداة هشة للغاية ومن المحتمل أن تُكسر
بسهولة».
خاتمة
وتوصيات:
60-
ترى اللجنة أن أجهزة الأمن اللبنانية
والاستخبارات العسكرية السورية تتحمل
المسؤولية الرئيسية في انعدام الأمن
والحماية والنظام والقانون في لبنان.
أجهزة الأمن اللبنانية أظهرت إهمالا
خطيرا ومنتظما في تنفيذ واجباتها التي
عادة ما تنفذ بواسطة أجهزة الأمن
الوطنية المحترفة. وبذلك تكون قد فشلت
فشلا ذريعا في توفير مستوى مقبولا من
الأمن للمواطنين اللبنانيين، وعليه
فإنها تكون بذلك قد شاركت في الترويج
لثقافة التهديد والتخويف والإفلات من
العقوبة. الاستخبارات العسكرية السورية
تتحمل نصيبها من هذه المسؤولية إلى حد
مشاركتها في إدارة أجهزة الأمن في لبنان.
61-
ثانيا، ترى اللجنة أيضا أن حكومة سوريا
تتحمل المسؤولية الأساسية في التوتر
السياسي الذي أعقب اغتيال رئيس الوزراء
السابق رفيق الحريري. مارست حكومة سوريا
بوضوح نفوذا تجاوز مجرد الممارسة
المعقولة لعلاقات الجوار القائمة على
التعاون، فقد تدخلت في تفاصيل الحكم في
لبنان على نحو واضح كان سببا رئيسيا في
الاستقطاب السياسي الذي حدث نتيجة لذلك.
وبدون تحامل في نتائج التحقيق، من
الواضح أن هذا المناخ ساهم في توفير
خليفة لاغتيال الحريري.
62-
ثالثا، بات من الواضح للجنة أن عملية
التحقيق اللبنانية تعاني من إخفاقات
جدية. وبصرف النظر عما إذا كان السبب في
ذلك هو الافتقار للقدرات أو عدم
الالتزام والحرص، فإن هذا التحقيق لن
يصل إلى نتيجة مرضية. يضاف إلى ذلك أن
مصداقية السلطات اللبنانية المسئولة عن
إجراء التحقيق محل تساؤل من جانب العديد
من اللبنانيين في الحكومة والمعارضة
على حد سواء.
لذا..
ترى اللجنة أن إجراء تحقيق دولي مستقل
بات ضرورة للتوصل إلى الحقيقة. ولإجراء
مثل هذا التحقيق هناك حادة إلى فريق يضم
خبراء في مختلف المجالات ذات الصلة
بالتحقيق، مع ضرورة وجود طاقم مساند
وموارد كافية ومعرفة بالنظم القانونية
وغيرها من النظم ذات الصلة بالتحقيق.
هذا الفريق في حاجة إلى سلطات تنفيذية
لتنفيذ الاستجواب والبحث والمهام
الأخرى ذات الصلة. ويمكن مساعدة الفريق
وتقديم النصح له بواسطة مصادر قانونية
لبنانية من دون تأثير على استقلاليته،
إلا أن هذه اللجنة لن تستطيع أن تباشر
مهامها وتنفيذ واجباتها بصورة مرضية-وتتلقى
التعاون الضروري واللازم من السلطات
المحلية- في ظل وجود القيادة الحالية
لأجهزة الأمن اللبنانية.
63-
رابعا، توصلت اللجنة إلى نتيجة مؤداها
أن عودة المصداقية والحياد إلى جهاز
الأمن اللبناني مسألة ذات أهمية حيوية
وبالغة لأمن واستقرار البلاد. لذا يجب
أن تكون هناك جهود لإعادة هيكلة وإصلاح
وإعادة تدريب العاملين في هذه الأجهزة
للوصول إلى هذا الهدف، ويتطلب ذلك
بالضرورة مساعدة ومشاركة نشطة من
المجتمع الدولي. واعتمادا على اطلاع
اللجنة على التركيبة الحالية لأجهزة
الأمن اللبنانية هناك ستة جوانب جرى
تحديدها كأولويات للإصلاح الأمني هي:
أ-
فصل الأمن عن السياسة وتأسيس خدمة ذات
كفاءة ومهنية.
ب-
تأميم جهاز الأمن بفك ارتباطه من النفوذ
الخارجي والصعود به فوق الطائفية.
ج-
تأسيس جهاز شرطة ديمقراطي مع تخصيص
الاهتمام اللازم لحكم القانون وحقوق
الإنسان.
د-
تأسيس نظام واضح للبلاغات الرسمية.
هـ-
الاهتمام بجانب التأهيل ورفع القدرات.
والعمل بآليات واضحة فيما يتعلق
بالمسئولية والإشراف القضائي.
64-
أخيرا، ترى اللجنة أن السند السياسي
الدولي والإقليمي سيكون ضروريا لحماية
الوحدة الوطنية في لبنان وحماية نظام
الدولة الهش من الضغوط التي لا مبرر لها.
تحسين آفاق السلام والأمن في المنطقة
سيوفر بدوره أرضية صلبة لاستعادة
الأوضاع الطبيعية في لبنان.
*
بيتر
فيتزجيرالد رئيس لجنة تقصي الحقائق
التابعة للأمم المتحدة في لبنان-
نيويورك، 24 مارس 2005.
|