|
السيد/
جان-جاك آياغون M. Jean-Jacques Aillagon
باريس،
4 فبراير/ شباط 2003
"يتحلى
الإنسان بالعديد من الميزات ويعيش على
هذه الأرض كشاعر..." لم يكف مارتن
هايدجر Martin Heidegger عن التفكير مليا في هذا
البيت الشعري الجميل لهولدرلين H
lderlin وأن يرى فيه أن أهم موهبة لدى
البشرية هي موهبة الفنان والمبدع؛ فهي
ضرورية لا غنى عنها والأكثر هشاشة في آن
معا. فالفن والإبداع يؤكدان ويمثلان
ويؤسسان ما يسمح لأي مجتمع أو شعب
بتقديم أفضل ما لديه من سمات فريدة
ناجزة تتصف بالكمال.
وأيا
كانت ما تتسم به معارفنا وعلومنا
وتقنياتنا قاطبة من صفات الروعة، أو ما
يسميه هولدرلين "ميزاتنا"، سيكون
مصيرها يوما الزوال وسيتخطاها الزمن.
ولكن من منا يستطيع أن يقول أن أعمال
برنان Bernin وراسين Racine وإبداعات نحاتي
أقنعة كودياك Kodiak وكذلك أعمال بيالا Pialat
يمكن أن يتخطاها الزمن؟ ولعل هذا هو
السبب في كوننا لن نوافق أبدا على
التعامل مع ما للثقافة من ثروات معتبرين
بأنها مجرد سلع.
والأمر
لا يتعلق هنا بنفي اندراج الثقافة في
مفهوم السوق. ولقد عبر صديقي جورج سمبرن
Jorge Semprun بكلمات رائعة عن ذلك إبان
افتتاح لقاءات الثقافة الدولية يوم
الأحد الماضي قائلاً: "الثقافة هي كتب
وأفلام ولوحات فنية وأسطوانات الموسيقى
وعروض الأوبرا والباليه، إلخ...، فهي
بالتالي أعمال فنية، جميعها تباع
وتشترى وتنتج، وعليه... ينبغي التأكيد
على أن الثروات الثقافية وإن كانت تشكل
بالطبع سلعا، فإنها ليست في أية حالة من
الأحوال سلعا كأي من السلع الأخرى: فهي
تستلزم في التعامل معها معاملة من نوع
خاص".
وبعيدا
عن أي تعارض بينهما، فالثقافة والسوق
لهما في الحقيقة عدو واحد: هو الاحتكار.
لذا، وفي مواجهة خطر الاحتكار هذا،
يتعين أن يتحد الجميع، حتى أكثر الناس
تحررا من بيننا، من أجل الدفاع عن
هوياتنا الثقافية وعن التعددية
الثقافية في العالم.
إن
موضوع افتتاح جولة جديدة من المفاوضات
التجارية المتعددة الأطراف في الدوحة
يطرح مجددا مسألة المفهوم الذي يجب أن
يعطى لـ"الاستثناء الثقافي" ومدى
اتساع نطاقه، لا سيما أنه يعد شرطا
وأداة للتعددية الثقافية. والاستثناء
يعني بالفعل قدرة مختلف الدول على أن
تغيب عن قواعد التجارة الصارمة عدد معين
من الخدمات، مثل الوسائل السمعية
والبصرية والمكتبات ومحتويات الأرشيف
إضافة إلى المتاحف وإنتاج وتوزيع السلع
الثقافية. يسمح الاستثناء الثقافي على
سبيل المثال باحتفاظ السلطات العامة
بالقدرة على تقديم دعم مادي تمييزي
للمكتبات العامة، وذلك من أجل التشجيع
على القراءة وجعلها في متناول الجميع
وأيضا دعم فرص الاستثمار في مجال إنتاج
الأفلام الفرنسية.
ولقد
تمخض عن المفاوضات السابقة، تلك التي
أجريت في إطار دورة أوروغواي، إبرام
اتفاقيات مراكش في عام 1994 والتي كانت
بمثابة إنجاز مثالي. ولكن جولة مفاوضات
الدوحة وضعتنا في مواجهة ما يزيد عن
عشرين مطلبا للتحرر التجاري وجهت
للاتحاد الأوربي. وإبان إنجاز معاهدة
نيس، فرضت فرنسا بالطبع نظام الإجماع في
مجال التداول التجاري للخدمات الثقافية
والسمعية البصرية؛ وهو ما يعني بأنه لا
يمكن اتخاذ أي قرار بدون موافقتها. ويعد
ذلك بندًا أساسيًا في هذه المعاهدة. ومن
جهة أخرى، أعاد السيد رئيس الجمهورية
التذكير بعزمنا على الإبقاء على فحوى
هذا البند في المعاهدة المستقبلية التي
هي حاليا قيد التأسيس في إطار "الاتفاقية
الجماعية" حول مستقبل أوربا. ولعل هذا
هو السبب في كون التفويض المعطى للجنة (العليا)
الأوربية خلال دورة الدوحة يضمن "للمجموعة
الأوربية وللدول الأعضاء فيها إمكانية
حفظ وتطوير قدرتهم على تحديد وتنفيذ
السياسات الثقافية والسمعية البصرية من
أجل صون وحماية التعددية الثقافية".
واليوم
جهزت فرنسا نفسها إذن بوسائل قانونية
للدفاع عن الثقافة في المفاوضات
المتعددة الأطراف. ولن تقلل الإرادة
السياسية الفرنسية من اعتمادها في هذا
المجال على حشد جهود المجتمع الثقافي
والمجتمع المدني برمته. فعلينا أن نجعل
من باريس مدينة على شكل مدينة بورتو
أليغره (البرازيلية) ولكن على صعيد
الثقافة.
وإني
أرى بذور هذا المنتدى الدائم الانعقاد
وهي تنبت في الاجتماعين الرئيسين
اللذين سيتم عقدهما في باريس هذا
الأسبوع. واليوم تنتهي اللقاءات
الدولية الثانية للمنظمات المهنية
المعنية بالثقافة والتي أشرت إليها
أعلاه. ولقد عبرت هذه اللقاءات عن تمسك
المجتمع والفعاليات الرئيسية في مجال
الثقافة بمبدأ التعددية الثقافية. وأود
أن تجد هذه الاجتماعات امتدادًا
وتواصلا سياسيا مضاهيا لها في اجتماع
وزراء الثقافة لدول الاتحاد الأوربي
الخمس عشرة، والذي سيباشر أعماله
ابتداءً من الغد، بالتعاون مع الشبكة
الدولية للسياسات الثقافية التي أنشأها
عام 1998 الوزير الكندي لشؤون التراث،
شيلا كوبس Sheila Copps.
أريد
أن أرى في هذه الاجتماعات بزوغ
دبلوماسية ثقافية جديدة تضم في ثناياها
المجتمع المدني والسلطة السياسية لكي
نصل إلى ما هو أبعد من الاستثناء
الثقافي، ذلك لأن هذا الاستثناء لن يكون
أبدا أكثر من تنازل دائم الهشاشة. ولعل
هذا هو السبب في وجوب صياغة قواعد
قانونية في مجال الثقافة بنفس صلابة
وإيجابية القواعد القانونية المعتمدة
في التجارة.
وهذا
هو المغزى من مشروع صياغة اتفاقية دولية
حول التعددية الثقافية. فما الذي ستعبر
عنه هذه الأداة؟ ستعكس حق الدول في صون
التعددية الثقافية والترويج لها من
خلال وضع وتنفيذ سياسات ثقافية مشجعة
للإبداع والإنتاج في مجال السلع
الثقافية. كما وستبين أيضا أن الثروات
والخدمات الثقافية هي منتجات من نوع
مميز فريد وأنه ينبغي احترام التعددية
اللغوية وحشد الجهود من أجل تفادي
اندثار التعدد اللغوي في العالم، وأن
الدول النامية لها حاجات من نوع خاص
يتعين علينا جميعا أن نعيرها انتباها
شديدا، وأن السلام الدولي يتم إنجازه
عبر الحوار بين الثقافات.
هذا
هو مشروعنا وبياننا التأسيسي، وهو أيضا
المشروع الذي تتبناه قائمة طويلة من
الوزراء الذين استجابوا لندائي.
وسنطالب يوم الخميس المقبل المدير
العام لليونسكو بالموافقة على أن تتولى
منظمته مسئولية الصياغة النهائية لهذه
الأداة القانونية وأن تصبح المكان الذي
سيتم فيه الإقرار النهائي لهذه
الاتفاقية الدولية بحيث تصبح اليونسكو
أيضا حارسا لها. ينبغي علينا الحفاظ على
يقظة دائمة تجاه مفاوضات منظمة التجارة
العالمية؛ لأن هذه المفاوضات تعد اليوم
المكان الذي يرتسم في جوفه مستقبل
الإبداع. ولكن يتعين علينا أيضا أن
نقترح، ضمن هيئة دولية أخرى، معيارا
إيجابيا من شأنه أن يشكل ميثاقا
للثقافات في مواجهة منظمة التجارة
الدولية.
**المصدر:
في صحيفة "لوفيجارو" اليومية
|