بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

أبحاث مؤتمر الحوار الوطني السعودي

 حرية الرأي والتعبير في وسائل الإعلام وأثرها على فكر الغلو والتطرف*

17/02/2004

د. أحمد بن نافع المورعي الحربي

الحمد لله الذي امتن على خلقه بالحرية واستأثر لنفسه منهم بالعبودية والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين ليرفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.

أما بعد...

فقد عانت المجتمعات العربية والإسلامية طويلاً من غياب أو تهميش حرية الرأي والتعبير حتى أضحت الشمولية والأحادية والتبرم بالرأي الآخر- وإن تفاوتت الدول والأنظمة فيما بينها- من الخصائص التي اتصفت بها الأمة الإسلامية في عالمنا المعاصر ولسنا بصدد استقصاء أسباب هذا الوضع المؤسف ومظاهره إذ إنها تحتاج إلى بحث آخر مواز يوفيها حقها بالبحث والتحليل والدراسة والخروج بالتوصيات الكفيلة بالقضاء على هذه الظاهرة السلبية في مجتمعاتنا.

إلا أن الآونة الأخيرة شهدت طفرة في الاتجاه المعاكس؛ فانعكست انفلاتًا في حرية التعبير ولم تكن تلك الطفرة إفرازًا لتحولات أيديولوجية أو استجابة لمطالب شعبية أو نتاجًا لتعديلات تشريعية بل فرضتها على مجتمعاتنا إفرازات التقنية الحديثة التي اصطلح على تسميتها بالثورات الست، التي وفرت مساحات غير محدودة لطرح الأفكار وتبادل الآراء وقد تواكبت تلك التطورات مع ضغوط القوى المتنفذة في عالمنا على حكومات العالم الثالث لفتح مجالات أكبر للحرية فوجدت تلك الحكومات الفرصة للاستجابة الجزئية لتلك الضغوط مما يمثل في المقابل تنفيسًا للمشاعر المكبوتة لدى الشعوب.

وهكذا وجدنا أنفسنا أمام فوضى فكرية تنذر بعواقب وخيمة تهدد الأمن والسلام الاجتماعي والوحدة الوطنية في مجتمعاتنا الهشة ابتداءً والتي تعاني من مشاكل اقتصادية وتوترات سياسية لا ينقصها سوى صب القليل من الزيت على وميض النار المختفي تحت الرماد حتى تفرز تداعيات أمنية يعلم الله وحده مداها وعواقبها.

ويأتي هذا البحث ليناقش إحدى الجزئيات التي أصابتها شظايا هذا الانفلات الفكري والذي يؤدي- على غير رغبة نافخي ناره- إلى إذكاء الفتنة وتغذية فكر الغلو والتطرف لدى الشباب الذين لاذوا برحاب الدين الحنيف فرارًا من واقع قاتم ومستقبل غامض ونظريات أثبتت بجدارة فشلها في قيادة مجتمعاتنا باتجاه النهضة والتنمية والتحرر الوطني؛ لذا فإن المساس بالمقدسات الدينية يمثل استفزازًا لمشاعرهم واستنفارًا لعداوتهم خاصة إذا افتقرت الآراء المخالفة إلى الحكمة والموضوعية والدقة العلمية أو انزلقت إلى مهاوي الإسفاف والانحطاط كما هو مشاهد الآن وللأسف من بعض أدعياء الليبرالية والعلمانية الذين دفعتهم الرغبة في مناهضة الصحوة الإسلامية إلى إدارة ظهورهم لأهم مبادئهم الداعية للتعددية والديمقراطية وقبول الآخر!

كما يمثِّل البحث مساهمة ومحاولة لعلاج قضية فكرية معاصرة ابتليت بها الأمة الإسلامية منذ أمد بعيد ولم تجد لها فكاكًا بل اشتدت وطأتها واستحكمت حلقاتها على الأمة في العصر الراهن وهي آفة الاستبداد بالرأي وتفرق الأفكار المؤدي إلى الخلاف والاختلاف المذموم.

أيها الإخوة، إن من أهم الموازنات الصعبة التي ابتليت بها الأمة: ضرورة المحافظة على وحدة الأمة في ظل الممارسة الكاملة لحرية الرأية والتعبير عنه فوحدة الأمة ضرورة وواجب يفرضه الإسلام على أبنائه وحق إبداء الرأي هو ضرورة أيضًا بل يصبح واجبًا في كثير من المواقع، يأثم المؤمن بكتمانه وعدم إبدائه للناس وقد جعل الله تبارك وتعالى آية الرأي بين آيتين من آيات وحدة الأمة فقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} (آل عمران 103)، ثم قال {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون على المنكر وأولئك هم المفلحون} (آل عمران 104)، ثم أعقب هذا الأمر الإلهي بالوحدة وإشاعة حرية الرأي بين الناس بالتحذير من الفرقة والاختلاف فقال { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} (آل عمران 105)، هذا الربط بين الأمرين يبدو أنه مقصد من مقاصد القرآن الكريم حيث لا صلاح لأحدهما دون الآخر ولكن المتبادر إلى الذهن هو أن الرأي مهما يكن المنطلق الشرعي له موحدًا بين المسلمين؛ فإن اختلاف المعطيات التي يبنى عليها الرأي واختلاف الأنظار يفضي إلى اختلاف النتائج والمواقف فالرأي يفضي إلى الفرقة من هذه الزاوية والوحدة نقيض الفرقة فكيف يجتمعان؟!

الإجابة عن هذا التساؤل تشكل تحديًا حقيقيًا أمام الأجيال اليوم وغدًا وربما بعد غد ولعل هذا البحث يتصدى بإذن الله لجوانب من هذا التحدي، انطلاقًا من المنهج القرآني، وفي كل الأحوال ينطلق البحث من فرضية مفادها: إن وحدة الأمة ونهضتها مرهونة بإطلاق حرية الرأي وشيوعها في الأمة، سائلين الله أن يلهمنا جميعًا رشدنا ويحفظ علينا ديننا ويديم على ربوعنا نعمة الأمن والوئام.. اللهم آمين.

حرية الرأي في الإسلام

«أيها الإخوة: لا تقدم ولا تنمية بدون حرية ولا حرية بدون مسؤولية ولا خطر على الحرية أشد من سوء استخدامها ولا ضمانة لاستمرارها أفضل من ضوابطها» بهذه الكلمات بدأت مقدمة البحث التي تعبِّر عن مضمونه حيث يهدف البحث إلى تسليط الأضواء على أمرين: أولهما، حرية الرأي، وحق التعبير في الإسلام؛ وثانيهما الاستخدام الجائر لحرية الرأي وحق التعبير مما يترتب عليه تغذية فكر الغلو والتطرف وتسعى الدراسة لاستقصاء الضوابط التي تحمي حرية الرأي والتعبير وتحول دون استخدامها بشكل يسئ إلى المجتمع وثوابته.

وتكمن أهمية تناول موضوع حرية الرأي والتعبير وأثرها على فكر الغلو والتطرف في أن هذا الفكر أصبح الآن مصدر قلق للمجتمعات وتهديدًا لسلامتها فضلاً عن مخالفته للمنهج القويم للدين الحنيف؛ لذا ينبغي السعي لحصر كل مسبباته ومحاصرته لتضييق التربة الخصبة لنمو هذا الفكر وأهمية الموضوع تكمن أيضًا في رفع شبهة اتِّهام الإسلام بالحد من حرية الرأي والتعبير بل إن الإٍسلام وضع لها الضوابط المنظمة، وكانت منهجية الدراسة تعتمد على المنهج التحليلي النقدي ضمن عناصر الدراسة التالية:

1- استعراض موقف القرآن والشريعة الإسلامية من حرية الرأي وحق التعبير.

2- الإشارة إلى بعض ما ورد في المواثيق الدولية والقوانين حول هذه الحقوق.

3- عرض نماذج من الآراء المنشورة وتحمل آراءً تغذي فكر الغلو والتطرف.

4- استطلاع آراء بعض العلماء والأكاديميين والإعلاميين حول القضية.

5- طرح توصيات تتضمن النتائج والضوابط والبرامج العملية.

ثم استعرض البحث للحرية في الكتاب والسنة وعرض لنماذج مشرقة في حرية الرأي من الحضارة الإسلامية فالخليفة الأول أبو بكر الصديق يعلن في أول خطاب له للأمة الإسلامية مؤكدًا هذا المبدأ بقوله «إني وليت عليكم ولست بخيركم فإذا رأيتموني على حق؛ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل؛ فسددوني، أطيعوني فيما أطعت الله ورسوله؛ فإن عصيت الله، فلا طاعة لي عليكم» والخليفة الثاني الفاروق كان على المنهج نفسه؛فقد روى عن عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- أنه جاء إليه رجل فقال له في وسط المجلس بين الناس: يا أمير المؤمنين اتق الله فكبرت هذه الكلمة على كثير من الناس الذين سمعوها من ذلك الرجل وهو يتجرأ على إلقائها على أمير المؤمنين- رضي الله عنه- وأمير المؤمنين في مقدمة الناس المستمسكين بحبل التقوى فكيف يأمره بجانب ذلك بالتقوى ولما وجد عمر- رضي الله عنه- أن أولئك الناس وجدوا في نفوسهم حرجًا من الكلمة التي قيلت له قال لهم: «لا خير فيكم إن لم تقولها ولا خير فينا إن لم نقبلها».

وحادثة أهل سمرقند مع عمر بن عبد العزيز حادثة مشهورة.

ومن خلال عرضنا لهذه النماذج المشرقة من تاريخ الإسلام؛ فإننا نخرج بهذه النتائج

الإسلام قرر من الضمانات ما يكفل لكل فرد حريات الفكرة والرأي والتعبير.

كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم يحثون المسلمين على ضرورة التمسك بحريتهم في التعبير والنقد.

تجد أن مبدأ الشورى قد تجسَّد في حياة وواقع المسلمين منذ العصور الأولى ومبدأ الشورى هو صمام أمان حرية الرأي. ومن هنا تتأكد تلك المقولة «الإسلام مثالي في ذاته واقعي في تطبيقه».

ولم يكن في زمن الخلفاء الراشدين حاجز بين الخليفة والرعية فعمر مثلاً كانت تخافه الإنس والجن ولكن لم يكن يمنع الناس في ذلك من مناقشته ونصحه وما شابه ذلك.

طبقت حرية الرأي في زمن الصحابة الكرام والتابعين؛ ما كان له الأثر في دخول كثير من أهل الذمة إلى حظيرة الإسلام.

نماذج

ثم عرض البحث حقائق وأرقام في ميدان الإعلام ثم توضيح مفهوم حرية الرأي والتعبير وفقًا لمعايير حقوق الإنسان والعهود والمواثيق المنظمة لها ثم بيان موقف الإسلام من حرية الرأي ثم استعراض نصوص وآراء عن حق حرية التعبير ثم عرض نماذج من الآراء الليبرالية والحداثية المؤدية إلى التطرف.

أيها الإخوة، إذا تأملنا واقعنا، وواقع الأمم الأخرى التي تعتنق ديانات غير الإسلام حتى لو كانت موغلة في الخرافة والوثنية لا تلتقي مع العقل في أي تصور؛ نجد أن الإشارة إلى تلك الديانات في معرض التقليل منها يثير الجماهير المنتمية إليها؛ لذا فإن المتطاولين على الإسلام يجبنون على أن يقولوا الحقيقة عنها في احترام لقدسيته فلماذا يصادم هؤلاء المرجفون باسم الحرية المفتراة الإسلام بالذات؟ هل لأن المسلمين لا يتصدون لمحاكمتهم محاكمة شرعية تضعهم في أحجامهم الهزيلة؟! أما يكفي المسلمين ضياعًا تكتل الأعداء ضدهم من الخارج حتى يأتي من جنسهم من يقوم بالدور نفسه من الداخل؟! أليست هذه خيانة عظمى للدين والأمة والوطن؟! فمتى تنحسر موجة الأفكار الضبابية المظلمة ويعود للأمة رشدها وللدين اعتباره ؟ إنها جرأة باسم الحرية لا نراها إلا في ساحة الإسلام وبدعوى الحرية الفكرية تمتهن الثوابت الدينية.

أما حرية التعبير، فإنهم يمارسونها في جانب واحد يتمثل في مهاجمة شعائر الدين والتطاول على القرآن؛ والمساس بمكانة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والأسى يملأ جوانحنا أن منهم من يحمل هوية الإسلام والحرية كما أن لها أبعادًا تمتد فيها فإن لها حدودًا تقف عندها فهي ليست مطلقة تتخطى مفهومها وتتجاوز مضمونها وإنما هي مقيدة بضوابط محددة؛ فحرية أي فرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخر وبغير هذه الصورة تتحول الحرية إلى دكتاتورية يفرضها حزب أو نظام أو فئات من المجتمع بحسب أهوائهم ومصالحهم لا وفق حقيقتها ودورها في الحياة ونعرض الآن لبعض النماذج المعادية للإسلام وقيمه ومظاهره وشعائره والتي تؤدي- بما تحمله من استفزاز لمشاعر الأمة- إلى جنوح بعض أبنائها للغلو والتطرف:

بعض الذين أفتوا بمشروعية ما حدث في أمريكا من تفجيرات وشجعوا وألبوا كانت توجيهاتهم يتم تلقينها في كل مركز صيفي وفي كل مسجد وجامع وفي كل حلقة تحفيظ وفي المخيمات الدعوية والبرامج الدينية في التلفزيون وإذاعة القرآن الكريم وحتى في فتاوى تنشر في الصحف والكتب والمنشورات التي تباع في المكاتب أو توزع مجانًا، أخيرًا أدرك أصحاب القرار والمعنيون أن ثقافة التطرف ثقافة الدم أن الفهم المتشدد للدين أن الغلو والخارجية التي ضربت أطنابها وعششت في أدمغة جيل بأكمله مسؤولة مسؤولية مباشرة عن كل ما حدث.

في مسألة الحجاب بعضهم يعتقد أن المناقشة الدينية أو السجال بالنصوص لا يكفيان؛ لأن هذا بمثابة نقل المباراة إلى ملعب الخصم فعباءة النصوص فضفاضة وباعهم طويل في التلاعب بهذه النصوص لصالحهم ناهيك عن التفسير الرجعي لهذه النصوص والذي سيطروا به على العقول التي أقنعت تمامًا بأن تفسيرهم للنص هو النص نفسه وهذا لا يعني ترك ساحة النصوص لهم يفسرون على هواهم ويؤولون كما يحلو لهم ولكن مطلوب أيضًا وبشكل ملح توسيع ساحة النقاش وتعدد زوايا النظر إلى نفس الموضوع وإفساح المكان للعلوم الإنسانية لكي تمنح التحليل رحابة وعمقًا حتى مفهوم العورة مفهوم متغير حسب الزمان والمكان مثله مثل أي سلوك فما هو عورة في الماضي ممكن جدًا ألا يكون عورة في الحاضر وما هو عورة في الريف محتمل ألا يكون عورة في المدينة وما هو عورة في المدينة لا يعتبر كذلك على " البلاج " وهكذا ولا نستطيع أولاً أن ندرس الحجاب بمعزل عن النظرة البدوية القديمة المحتقرة للمرأة والمهمشة لدورها وبنظرة واحدة على أدبيات السلفيين نستنتج عمق هذه النظرة الاستعبادية للمرأة وإليكم بعض ما يبثونه في كتاباتهم مما يتعارض كلية مع ما نعرف من أخلاق النبي الرفيعة وتكريمه للمرأة وصراعه مع التقاليد البدوية المتحجرة: «الكلب والحمار والمرأة تقطع الصلاة إذا مرت أمام المؤمن فاصلة بينه وبين القبلة» (البخاري ج1 ص99)، «سوء الحظ يوجد في أشياء ثلاثة البيت والمرأة والفرس» (البخاري ج3 ص 243)، ولضيق المساحة سأكتفي بهذا القدر ولكم الحكم ولا نستطيع أيضًا أن ندرس ظاهرة الحجاب بمعزل عن السلوك البدوي وقتها وجلافته وغلظته والتي فرضت وقتها مثل هذا الزي وأخيرًا أقول أن الحجاب مجرد إشارة لظاهرة النفاق الإجتماعي الذي نعيش فيه إلى النخاع فالمهم عندنا دائمًا هو المظهر وليس الجوهر.

ملاحظات على هذه النماذج

من خلال هذه النماذج نلاحظ ما يلي:

1- استفزاز المشاعر الدينية للأمة بتجاوز الثوابت العقيدية والاستهانة بالأحكام الفقهية الراسخة والمدعمة بالنصوص الشرعية.

2- روح الإقصاء والاستئصال للمخالفين أفرادًا وجماعات.

3- الافتقار للموضوعية وعدم الالتزام بالقواعد العلمية للبحث والنقد التقويم.

4- تزييف وتحريف النصوص الشرعية تطويعًا للمستهدف.

5- استهداف الأشخاص باتهام النوايا والتعريض والتهكم والسخرية.

6- الفحش في القول والخوض في الأعراض باتهامات تجرمها معظم الشرائع والقوانين.

7- التحريض والاستعداء السافرين للسلطات والأجهزة الأمنية ضد المخالفين.

وعرض البحث أيضًا نماذج من الآراء المنتسبة إلى الإسلام الداعية إلى التطرف:

وإذا كانت هذه النماذج تمثل- كما أسلفنا- استفزازًا حادًا لمشاعر المسلمين بما تحمله من هجوم عدواني سافر على ثوابتهم العقدية ومشاعرهم الدينية وقيمهم الأخلاقية؛ فإن بعض المنابر الإعلامية الإسلامية، لا تخلو من تطرف مقابل يزخر بالعدوانية والشراسة والإقصائية ويبقى الفارق بين الطرفين كميًا؛ إذ إن العلمانيين أعلى صوتًا وأقوى نفوذًا وأوسع انتشارًا بفضل ما توفره لهم الدوائر الداعمة لتوجههم خاصة في ميدان الإعلام، وفيما يلي بعض النماذج التي تمثل فكر الغلو والتطرف لدى بعض المنتسبين للإسلام خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع (الآخر)، يستوي في هذا الآخر الاتجاهات الفكرية المناهضة للمشروع الإسلامي أو حتى المخالفين من داخل الحظيرة الإسلامية الذين لم يشفع لهم هذا الانتماء للنجاة من السياط اللاذعة.

القوادون: كانت هذه الطائفة تسمَّى في زمان النبي صلى الله عليه و سلم بـ (المنافقين) ثم سموا بعد ذلك بـ (الزنادقة) و (المانوية) و (الباطنية) و (الإباحية) وأهدافهم واحدة، إذا كان سيف التوحيد حاميًا خنسوا وذلوا وأصبحت لا تعرفهم إلا في لحن القول، قد انتشروا في مجتمع المسلمين وكثروا يحلو لكثير من الناس أن يسميهم بـ (العلمانيين) أو يتلطف معهم فيقول: إنهم (ليبراليون) وهذا في الحقيقة ليس عدلاً بل هو ظلم بعينه، ونحن- والله- نبغض العلمانية ونعلم أنها مذهب خبيث ولكن لا يحملنا بغضها على ظلمها بجعل أولئك (علمانيين) فالعلمانية مذهب غربي كافر إلا أن علماني الغرب من يحمل هم أمته فمنهم من ينتج صاروخًا يرهب به عدوهم أو يطور (مصنعًا) أو يبتكر (دواءً) وكلهم يؤمنون بحرية التعبير حتى للمخالفين لهم وكافر يجعلك تقل الحق خير من كافر يحجر عليك مع خبث الجميع، وأما أكثر هؤلاء الذين بليت مجتمعات المسلمين بهم فليس منهم من يقدر على صناعة (مفك صلصة) وأكثرهم لا يعرف (كوعه) من (كرسوعه) وإذا تسلطوا لم يجعلوا لغيرهم ذكرًا ولا (حرية) ولا (ليبرالية) ولا هم يحزنون وإنما برعوا في شئ واحد في (إفساد المرأة) و(تعهير المجتمع ) فانظر إلى مواقع الشبكة التي أنشؤوها والصحف التي يكتبون فيها والفضائيات التي يديرونها؛ تجدها أشبه ما يكون بـ (مواخير دعارة) لا يعرفون من الغرب إلا التفسخ والعري، أما الصناعة والاقتصاد، فهم عنها بمعزل همهم أن يقودوا أمتهم إلى (التعهير) فأصدق تسمية لهم وأعدلها هي أنهم (قوادون).

خلاصة أفكار بعض الإسلاميين- عفا الله عنا وعنهم- فإن مما ابتليت به الأمة في هذه الأزمان ظهور أقوام لبسوا رداء العلم مسخوا الشريعة باسم التجديد ويسَّروا أسباب الفساد باسم فقه التيسير وفتحوا أبواب الرذيلة باسم الاجتهاد وهونوا من السنن باسم فقه الأولويات ووالوا الكفار باسم تحسين صورة الإسلام حيث عملوا على نشر هذا الفكر عبر الفضائيات وشبكة الإنترنت والمؤتمرات والدروس والكتب والمحاضرات وغيرها وهذه الأوراق فيها خلاصة لبعض فكرهم الذي يروجون له، أظهرتها نصحًا للأمة وبراءة للذمة وتحذيرًا منهم، ولم أطل بالرد عليهم هنا لأن ما ذكرته هنا يستنكره عوام المسلمين، حيث ميَّعوا عقيدة الولاء والبراء من الكفار فقالوا: إن العداوة بيننا وبين اليهود من أجل الأرض فقط لا من أجل الدين، و يسير بعض هؤلاء مع تيار العقلانيين في عرض السنة على عقولهم الكاسدة وأفهامهم الفاسدة ومن ثم رد بعضها وتأول البعض الآخر مما لا يتفق مع هواهم كما أنهم شذوا في كثير من آرائهم الفقهية ضاربين عرض الحائط بالنصوص وأقوال العلماء.

وكما أسلفنا يتضح من هذه النماذج إقصاء الآخر ورفض تعددية الآراء والإصرار على احتكار الحقيقة وعدم التزام آداب الخلاف والجنوح إلى تكفير المجتمعات والنخب الحاكمة واتهام العلماء والدعاة المخالفين لما يراه أهل الغلو وإنكار ما لهم من فضل فضلاً عن المخالفين من خارج حظيرة الإسلاميين حيث يصل الأمر للتسفيه والسب المقذع، وكذلك الموالاة والمعاداة على الآراء الاجتهادية.

توصيات البحث

وفي ضوء ما عرضنا له في بحثنا المتواضع نقدم التوصيات التالية:

ونقسمها إلى ثلاثة أقسام: النتائج، والضوابط، والبرامج العملية.

القسم الأول: النتائج:

أولاً: الحرية نزعة فطرية في البشر وهي من مقومات رقي الشعوب وضمانات تنمية المجتمعات، لذا ينبغي احترام حرية التفكير والاعتقاد لأنها حق كفله الله لكل البشر.

ثانيًا: أما حق التعبير عن الرأي فهو بدوره مكفول لجميع أفراد المجتمع شريطة الالتزام بقيم المجتمع وثوابته وعلى رأسها معتقدات أفراد هذا المجتمع؛ إذ إن التعدي على تلك القيم والثوابت كفيل بأحداث فتنة في المجتمع وإثارة الأحقاد والضغائن بين أفراده.

ثالثًا: وسائل الإعلام- على اختلاف أشكال التعبير فيها- ينبغي أن تكون وسائل بناء وإصلاح وتقويم لمجتمعاتها وبغير هذا تكون معول هدم لذا ينبغي ضبطها وترشيدها من خلال التوجيه والإرشاد وليس بالحجر على الآراء والرقابة المعيقة لأنسياب الأفكار وتلاحقها.

رابعًا: أن ظاهرة الغلو والتطرف التي تعاني منها مجتمعاتنا هي إفراز طبيعي لمناخ التعصب للرأي وإقصاء الآخر واستفزاز المجتمع المسلم بتحدي مشاعره الدينية؛ لذا تقع مسؤوليتها على عاتق كل الأطراف الذين لم يلتزموا بضوابط الحرية وآداب تبادل الآراء ولا يخفف منها سوى رجوع تلك الأطراف إلى جادة الصواب والحرص على سلامة المجتمع.

خامسًا: المؤسسات الإعلامية والدعوية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني مدعوة بقوة للقيام بدورها لضبط التجاذب الحاد القائم حاليًا والمنذر بعواقب وخيمة على المجتمعات الإسلامية خاصة في هذه المرحلة الحرجة من حياة الأمة المسلمة.

القسم الثاني: ضوابط حرية الرأي وحق التعبير:

أولاً: ينبغي أن يراعى عند استخدام الحق في حرية الرأي والتعبير ألا يؤدي ذلك للإضرار بالآخرين بأية صورة من الأذى المادي أو المعنوي كما يجب عدم الإسراف في استخدام هذا الحق بما يتجاوز الحدود القانونية أو يتنافى مع الثوابت العقدية والقيم الأخلاقية للمجتمع.

ثانيًا: يراعى عدم استخدام حق التعبير عن الرأي فيما يخل بحماية الأمن القومي والنظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو يضر باحترام حقوق الآخرين وسمعتهم أو الدعوة إلى التمييز العنصري أو الكراهية والتحريض على العنف وإثارة الفتنة.

ثالثًا: يراعى في فرض القيود على حرية التعبير في وسائل الإعلام أن تكون هذه القيود محددة بنص النظام من حيث التجريم والعقوبة وأن تلبي حاجة إجتماعية ملحة وأن يكون تنفيذها مخولاً بيد القضاء أو بيد سلطات يحددها القانون ويوضح صلاحياتها بدقة.

رابعًا: أن الخلاف في الرأي- مهما كان حجمه- لا يسوغ سلاطة اللسان والإقذاع في القول واتهام النوايا وإثارة الأحقاد والتحريض على الانتقام بل لابد من الالتزام بأدب الخلاف والإيمان بأن الحوار الموضوعي هو أفضل الطرق لجسر الهوة بين الآراء المتعارضة.

القسم الثالث: برامج عملية للإسهام في معالجة الظاهرة.

أولاً: على المستوى التشريعي؛ مطلوب من مجلس الشورى الموقر المبادرة لتوصية الجهات المعنية بسن اللوائح والأنظمة الملزمة التي تضمن حرية الرأي وحق التعبير في وسائل الإعلام على أن تقرن تلك اللوائح والنظم بإدراج نصوص واضحة تشتمل على ضوابط التعبير بحماية المقدسات الدينية والثوابت الوطنية والقيم الأخلاقية وتجريم أي انتهاك يضر بسلامة المجتمع وتلاحمه وقيمه.

ثانيًا: على مستوى التأصيل والتنظير؛ فإن مركز الحوار الوطني والجامعات ومراكز البحوث والدراسات مدعوة لإثراء فكرة الحوار بضوابطه وإشاعة أخلاقيات الاختلاف البناء الذي يسهم في تنمية المجتمع واستفادة الوطن من أفكار جميع أبنائه ونبذ فكرة التخوين والتكفير والإقصاء وذلك من خلال تكثيف المؤتمرات والملتقيات التي ترسخ تلك المفاهيم وتؤصلها بين أرباب الفكر والكلمة في المجتمع على اختلاف توجهاتهم وتبني منابر راشدة للحوار يشرف عليها من يشهد لهم بالحياد والحكمة والمسؤولية والموضوعية مع تشجيع البحث العلمي المنضبط في القضايا محل الخلاف ومثار الاختلاف.

ثالثًا: على مستوى التطبيق فإن وسائل الإعلام عليها المعول الأكبر بعد الله في تطوير أدائها؛ لتقدم نموذجًا في حرية الرأي والتعبير والحوار في إطار من المسؤولية والموضوعية والالتزام بالضوابط والثوابت كما أنها مطالبة بالاستفادة من مواثيق الشرف الإعلامي المختلفة والسعي لصياغة ميثاق شرف إعلامي ينطلق من الخصوصية الثقافية لهذا المجتمع وفي هذا المجال نوصي بعقد مؤتمر موسع للإعلاميين تناقش فيه باستفاضة كيفية تحقيق نهضة إعلامية راشدة تمكن وسائل الإعلام من دورها الحقيقي في التوجيه والإرشاد لتكون وسائل تنمية وبناء وإصلاح وتقويم لمجتمعاتها.

رابعًا: على المستوى الجماهيري؛ نوصي بتسهيل وصول الأدبيات التي تعرض لآليات الحوار الهادف والخلاف المهذب والتعددية وتقبل الآخر بين أوساط الشباب من خلال المسابقات البحثية والمحاضرات والندوات الموضوعية شريطة التزام المنهج الإسلامي وتجنب ما يثير ريبة الشباب المخلص ونفورهم كالتنازلات في الثوابت وتمييع القضايا.

خامسًا: التوصية بدعم،وتبني المنهج الوسط الذي يراعي ثوابت الدين

عودة للملف


* قدمت في ندوة التي نظمها مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني في الفترة من 27/31-12-2003 وشارك فيها أكثر من 40 شخصية من العلماء والمفكرين.


وثائق و بيانات


 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع