|
1-
كان الجواب عن سؤال: هل هناك منهجية
إعلامية واضحة لمعالجة ظاهرة الغلو؟..
كان الجواب المختصر هو: ليس يوجد منهج أو
منهجية إعلامية واضحة - بالمفهوم العلمي
والتخطيطي - لمعالجة ظاهرة الغلو.. ولقد
استُثنى من النفي: تلك الجهود الفكرية
والإعلامية الجيدة التي تبتغي معالجة
هذه الظاهرة. ولكنها لا ترقى - بسبب
تفرقها - إلى مرتبة المنهجية الواضحة
المطردة التي قصد إليها السؤال عنوان
البحث.. ومن المقدر - عندما يتضح المنهج -
أن تندغم هذه الجهود وتنتظم فيه.
2-
يتحرى هذا البحث: إيجاد منهجية فكرية
إعلامية واضحة ومتكاملة. وموجز هذه
المنهجية:
أولاً:
تصور الظاهرة وتكييفها بحسبان أن صحة
التصور هي مبتدأ التعامل مع كل ظاهرة أو
مشكلة أو قضية..
وخلاصة
تصور الظاهرة هي: مجموعة تصورات خاطئة،
عززت بمفاهيم إسلامية مؤَّلة تأويلاً
فاسدًا. وقد انبنى على هذه التصورات
والمفاهيم أفعال شريرة وإجرامية.
ثانيًا:
ضرورة (زلزلة اليقين بهذه المفاهيم
الخاطئة) فلن ينفك الغلاة عن هذه
المفاهيم،حتى تقع زلزلة فكرية في داخل
عقولهم. ولهذه الزلزلة الواجبة ركيزتان:
معرفة باطلهم بوضوح؛ إذ إن معرفة الباطل
قاعدة صحيحة وضرورية لنقضه؛ أما
الركيزة الأخرى فهي: معرفة الحق الذي به
ينقضي الباطل؛ لأن نقض الحق، أو غموضه،
أو ضعف حجته، ذريعة إلى تقوية الباطل.
ثالثًا:
نقض الانحراف بالدين: بالإسلام الحق..
فالغلو: إما ينقضي بغلو مثله يتمثل في
التساهل في الدين والتفريط في ثوابته
وعزائمه.. وهذا خدمة للغلو، لا نقض له..
وإما أن ينقض الغلو بالإلحاد.. وهذا خيار
يخدم الغلو أيضًا. يضاف إلى ذلك أنه خيار
غير وارد في دولة مثل المملكة يقوم
كيانها كله على الإيمان، لا الإلحاد..
وإما أن ينقض الانحراف بالدين: بالإسلام
الحق. وهذا هو الخيار المعقول والمشروع
والعملي.
رابعًا:
الفصل الحاسم - في الفهم والمعالجة - بين
أنواع الغلو؛فالغلاة ليسوا سواء؛..
فهناك الغالي المحصور غلوه في ذاته:
يتشدد ويتنطع ويقسو على نفسه. وهناك
الغالي الذي يدعو غيره إلى الغلو.. ولكن
كليهما لا يعنف، بمعنى أنهما لا يحملان
السلاح. والتعامل مع هذه النوعين يكون
بالتبصير بمنهج اليسر، وتكثيف الإعلام
الموجَّه إليهما تكثيفًا متصلاً يحمل
مضامين الإسلام في النأي عن التشدد
وتحميل النفس ما لا تطيق.. ولهؤلاء أن
يعبِّروا عن آرائهم بشروط ثلاثة: ألا
يكفّروا غيرهم.. وألا يحملوا السلاح،
وألا يكونوا ردءًا للذين يحملون السلاح.
الإجراءات
الأمنية
أما
النوع الثالث فهو الذي يحمل السلاح،
والتعامل مع هذا النوع يكون بالإجراءات
الأمنية - التي لا تدخل في نطاق هذا
البحث - ويكون بالردع الفكري الإعلامي
الذي لا مجاملة فيه، ولا معاذير، ولا
فتور.
خامسًا:
اقتران النقد والنقض بجرعات مشبعة
ومروية من الأمل والرجاء وفرص النهوض
والاستبشار؛ فالذين اجتالهم الفكر
الغالي هم سعوديون من أبناء الوطن، ولا
مصلحة للبلاد في أن تطول فجيعة أهليهم
وبلادهم فيهم، ولا مصلحة ولا مسرة في أن
يهلكوا في تفجير أو مواجهة أو يموتون
على خطيئة.
سادسًا:
التصوير أو التناول الموضوعي للظاهرة،
أي دون تقليل من حجم الظاهرة وأثرها،
ودون تهويل في ذلك، يولِّد انطباعًا بأن
90 أو 80% من السعوديين: غلاة.
سابعًا:
تفجير نهضة علمية وفكرية شاملة كاملة
عمادها (تأصيل مفهوم الاعتدال ونشره في
أوسع نطاق) حتى يكون سيد المفاهيم،
ومنبعها، وقائدها وهاديها.. تأصيل هذا
المفهوم بحسبانه مفهومًا (كونيًا
ودينيًا وعلميًا واجتماعيًا وسياسيًا)
لا ينتظم الكون، ولا تصح حياة الناس ولا
تديُّنهم إلا به.
ثامنًا:
إحياء (العقلية النقدية) فيما يتعلق
بالأفكار والمسالك الدينية، وذلك لئلا
يُثَمر المخطئون على خطئهم.. ولئلا تربط
أخطاؤهم بالإسلام فتكون فتنة.
تاسعًا:
الكف الإعلامي الإرادي المستنير
والحصيف عن تصوير المجتمع والدولة في (صورة
ملائكية). فهذا الغلو ينشئ غلوًا مضادًا
- كرد فعل - فالسعوديون - حكامًا ومحكومين
- بشر ممن خلق الله، يصيبون ويخطئون،
وحسب السعوديين: أن يكون المعيار
باقيًا، والمنار قائمًا؛ لتقويم
المسيرة العامة ونقدها بصفة دورية.؛
وسبب الكف عن الصورة الملائكية هو أن
هذه الصورة تُحدث فجوة هائلة بين الواقع
والمنال. وهذه الفجوة تحدث هزة نفسية -
اضطرابًا شديدًا - يستغله المرجفون
الغلاة ويوظفونه في خدمة برنامجهم
المرتكز - في الأساس - على المقارنة بين
مثال خيالي وبين الواقع الموجود، مع ما
في هذه المقارنة من مفارقات وإيماءات
تثير الاستفزاز والإحباط.
عاشرًا:
النظر إلى الغلو بـ (عيون سعودية) - وهي
عيون مسلمة بطبيعة الحال - لا بعيون
خارجية أو أجنبية؛ ذلك أن استعارة عيون
أجنبية يقضي - بالاضطرار - إلى استعارة
المعلومات المغلوطة، والتفسيرات غير
النزيهة، والنقد الهدام الذي تنظر تلك
العيون من خلاله إلى ما يجري في
المملكة، فيما يتعلق بظاهرة الغلو
وتداعياتها. ويلحظ - ها هنا - أن الغلاة
يقيسون بلدهم على بلدان أخرى - على الرغم
من وجود فروق كبيرة - ويحكمون عليه - من
ثمَّ - بالحكم ذاته، ثم يحاربونه بموجب
هذا الحكم !
حادي
عشر: رفع استعداد الناس وتهيئتهم للتكيف
السوي مع التطورات العصرية المتلاحقة
في العلوم والتقنيات والاتصالات
والأفكار والعلاقات.. إلخ؛ لأن ضعف
الاستعداد للتكيف السوي مع هذه
التطورات المذهلة في إيقاعها وسرعتها،
يصيب الناس برجات فكرية ونفسية صاعقة أو
صادمة. وحين تقع الرجات تضطرب النفوس
والعقول، وبتأثير من ذلك، يغدو الناس
اشتاتا، ويكون منهم من يقوم برد فعل
مثقل بالغلو والعنف: كمقاومة سلبية
بائسة لهذه التطورات.
ثاني
عشر: الإطراء الزمني. ويعني طول
النَّفس، والانتظام، والمثابرة في
تناول ظاهرة الغلو وعلاجها؛ فالإطراء
الزمني هو البديل العلمي والعملي
والواقعي للمعالجات الموسمية المتقطعة
التي لا تظهر إلا إذا ارتفع صوت الغلو،
وتفجر عنفه.
وقد
انتهى البحث إلى توصيتين:
1-
التوصية الأولى: وضع استراتيجية فكرية
إعلامية واضحة في ضوء مفاهيم البحث -
ونظائرها.
2-
التوصية الثانية: تكوين فريق وطني -
متكامل التخصصات والتمثيل - يعهد إليه
برسم هذه الاستراتيجية، وفق مدى زمني
محدّد سقفه الأعلى.
عودة
للملف
*
قدمت
في ندوة التي نظمها مركز الملك عبد
العزيز للحوار الوطني في الفترة من
27/31-12-2003 وشارك فيها أكثر من 40 شخصية من
العلماء والمفكرين.
|