|
تهدف
هذه الورقة إلى محاولة تقصي علاقة الدين
والدولة في المحيط الخارجي للدولة
القومية الحديثة بما في ذلك الدولة
الإسلامية. وترى أن الطرح التقليدي الذي
يقسّم العلاقات الدولية الإسلامية بين
دار للإسلام، ودار للحرب ودار للعهد،
طرح مبسط ربما انطبق على ماضي الدولة
الإسلامية في عصر ازدهارها، وسيطرتها
على أجزاء واسعة من العالم. أما في العصر
الحاضر، حيث أصبحت الدولة المسلمة
المعاصرة جزءًا من نظام الدولة القومية
الحديثة؛ فإن هناك حاجة لإعادة النظر في
مثل هذه التقسيمات.
كما
أن الطرح المغاير الذي ينظر بالعداء لكل
ما هو أجنبي وغير مسلم هو الآخر طرحًا
متزمتًا، وذا طابع إيديولوجي منغلق.
تحاول
الورقة تلمس بعض الأدبيات العربية
القديمة التي حاولت دراسة السياسة من
منظور عملي وعقلاني. وتستعرض كتاب
المرادي، الموسوم «كتاب الإشارة في أدب
الإمارة» وهو يعد من أفضل الكتب التي
عرفت في التاريخ العربي والإسلامي
بمسمى «مرايا الأمراء». ومثل هذا النمط
من الكتابات السياسية سبق صدور كتاب
ميكافيللي «الأمير» بحوالي ستة قرون.
ومن
منهج ما يسمى بالتحليل السياسي المعتمد
على أساليب الاقتصاد السياسي، تطرح
الورقة أنموذجا رشيدًا يحاول أن يبيّن
الخيارات المطروحة أمام صاحب القرار في
الدولة المسلمة، وكيف عليه أن يوازن بين
سياسات خاصة بمصالح الأمة الإسلامية
بشكل كامل، وسياسات خاصة بالمصالح
الوطنية للدولة نفسها. ومن ثم يحاول
صاحب القرار أن يعظم من منفعته الحدّية (أو
المنفعة الحدّية لسياسة بلاده الخارجية)
عن طريق إيجاد نقطة توازن وسطى في اتخاذ
القرار السياسي، وتبني السياسات العامة.
الجهاد
السياسي
وفي
الجزء الثالث من الورقة، يطرح الباحث
رأيًا يقول بأن موضوع الدفاع عن
المسلمين، خاصة الأقليات المسلمة في
البلدان غير المسلمة يتطلب تبني آليات
دفاع قضائية وقانونية أمام محاكم تلك
البلدان، خاصة ضد أولئك السياسيين
الذين يستخدمون العداء والكره الديني
ضد المسلمين كوسيلة لتعظيم مكانتهم
السياسية.
كما
يطرح البحث موضوع قضايا المسلمين وما
يسميه بالمجاهدة السياسية. ويرى أن
استعمار أجزاء واسعة اليوم من العالم
الإسلامي، سواء في فلسطين أم في العراق،
أم في غيرها من البلدان الإسلامية.
ودعوة شباب المسلمين إلى مجاهدة هذه
القوات هي دعوات صادقة تهدف إلى تحرير
البلدان المسلمة، إلا أن العالم
الإسلامي لم ينجح في العصر الحديث في
درء الأعداء عن بلاده عن طريق استخدام
القوات النظامية بشكل أحادي؛ لأسباب لا
يتسع المجال لذكرها. ولعبت في المقابل
القوات غير النظامية من المتطوعين
والفدائيين دورًا مهمًا في تحرير بعض
البلدان الإسلامية. وهناك نماذج مضيئة
لما قام به هؤلاء الفدائيون في التاريخ
الحديث، في تقديم أرواحهم في سبيل تحرير
أوطانهم. فالجزائر لم تتحرر إلا على يدي
أبنائها من المقاتلين، وكذلك الحال في
جنوب لبنان، الذي قدمت فيه المقاومة
الوطنية أروع الأمثلة في المعاناة
والتضحية، والفداء.
وفي
جميع هذه النماذج الناجحة، ارتبط الجهد
القتالي لقوات الفدائيين بالجهد
السياسي الموازي الذي بذلته هذه الدول،
أو الدول العربية المجاورة لدعم
المقاومة وجني ثمار جهدها، عن طريق
اخضاع العدو لمشيئة الشعوب التي تقاتل
من أجل استقلالها وحريتها.
وهكذا
كان هناك تناغمٌ حميمٌ بين الجهد
القتالي وبين الجهد السياسي الموازي،
وتنسيقٌ كاملٌ في الميدانين العسكري
والسياسي. وكان الهدف من ذلك إقناع
الأعداء بأن سياسة الاحتلال سياسة غير
ناجحة، وأنها تؤدي إلى آلام تحل
بأبنائهم ومقاتليهم، مثلما يحل بأبناء
البلدان الإسلامية المستعمرة نفسها.
لذا
فإن العنف الذي تمثله أعمال المقاومة
والفداء لم يكن عنفًا أعمى، مثلما
نشاهده اليوم في بعض الأعمال
الإرهابية؛ بل كان عنفًا مسيَّسًا يهدف
بصفة أساسية إلى إقناع قطاعات واسعة من
الرأي العام في الشعوب التي تقودها
حكوماتها إلى حروب استعمارية ضد الشعوب
الإسلامية، بأن مثل هذه الحروب تقود إلى
دمار مشترك، ليس للدولة الإسلامية
المستهدفة، ولكن للدولة الغازية نفسها.
وأن اقتصادها ووضعها المالي سيهتزان
نتيجة اقترافها لأعمال إجرامية في حق
الشعوب المسلمة.
والشعوب
جميعها - مسلمة كانت أو كافرة - شعوب جبلت
على السلم والمسالمة، ولم تجبل على
العنف والقهر والعدوان. فالسلام طبيعة
غريزية، وهو جزء من القانون الطبيعي
الذي يفهمه كل إنسان، سواء كان مسلما أو
غير ذلك، من أتباع الديانات الأخرى.
ورسالة
الإسلام هي رسالة سلام ومحبة في المقام
الأول. الحرب ليست إلا حالة شاذة في
العلاقات بين الدول والشعوب؛ لذلك فان
نجاح أي مقاومة عسكرية أو حرب جهادية،
هي ليست في القضاء على الأعداء قضاءً
مبرمًا، بل هي في استمالة هؤلاء الأعداء
لنبذ السلاح جانبًا، والاحتكام إلي
العقل والسلم والمفاوضة كأساس لحل
الصراعات والاختلافات السياسية.
وحينما
جاهد المسلمون أعدائهم في فجر الإسلام
الأول، لم يكن هدفهم هو إفناء هؤلاء
الأعداء، بل كانت رسالتهم سامية تهدف في
المقام الأول إلى إقناع هؤلاء الأعداء
أن قيادتهم السياسية تقودهم إلى سبل
الهلاك والدمار، وإفناء الحرث والنسل.
وكان نجاح المسلمين الأوائل باهرًا في
تحويل شعوب العالم القديم في آسيا وشمال
أفريقيا إلى الاهتداء بنور الحق
والهدى؛ اقتناعًا من هؤلاء الشعوب
بسماحة الإسلام وسموه، ولم يكن التحول
العظيم في حياة هذه الأمم خلال ثلاثين
عامًا، نابعًا من عنف المسلمين أو من
قوتهم العسكرية، بل من قوة معنوية لهذا
الدين، من قناعة أبناء هذه البلدان
بالرسالة المحمدية، وبأهدافها السامية.
وينطبق
هذا المنطق اليوم على قضية العرب
الأولى، القضية الفلسطينية؛ فالعرب لم
يمتلكوا سلاحا نوويا يمكن لهم به من شن
حرب نووية ضد عدوتهم إسرائيل. وحتى لو
امتلكوا مثل هذه القوة فانه يصعب
شرعيًا، إن لم يستحل استخدامها؛ حيث
تحرم الشريعة استخدام سلاح لا يفرق بين
المقاتلين والمدنيين، وهناك الكثير من
القيود التي يسنها الشارع في استخدام
مثل هذه الأسلحة.
ولكن
التهديد باستخدام أسلحة رادعة سواء
كانت تقليدية أو غير تقليدية، يبقى
عنصرًا مهمًا من أي سياسة استراتيجية
للبلدان المسلمة. وتعطي هذه الدول ورقة
ضغط استراتيجي يمكنها من الدفاع عن
مصالحها، والضغط بها على أعدائها
لإقناعها بأن سياسات العنف والاحتلال
للبلدان الإسلامية سياسات عقيمة. وأن من
حق هذه الشعوب ومن مصلحة المجتمع الدولي
كافة أن ينعم المسلمون بالسلام
والطمأنينة مثلهم في ذلك مثل بقية
الشعوب الأخرى.
لذلك
فإن عُنصري المجاهدة السياسية
والمقاومة الشعبية هما عنصران أساسيان
في أي خطة استراتيجية لتحرير الأرض
العربية والإسلامية. ويتم التلاحم بين
هاتين الأداتين عن طريق العمل السياسي
المنظم والمدروس، لتحقيق إرادة الشعوب
الإسلامية في الحرية والتقدم والسلام.
عودة
للملف
*
قدمت
في ندوة التي نظمها مركز الملك عبد
العزيز للحوار الوطني في الفترة من
27/31-12-2003 وشارك فيها أكثر من 40 شخصية من
العلماء والمفكرين.
|