|
مع
ازدياد أحداث التفجيرات الأخيرة بدأ
التساؤل حول التربية الدينية في
المجتمع السعودي:
-
هل هي سليمة المنهج؟
-
هل لها دور في بذر الإرهاب في نفوس
النشء؟
وأسلوب
التربية الدينية ليس أمرًا غير قابل
للنقاش فلا يجوز نقده أو مراجعته وإنما
هو اجتهاد يجوز بل يجب إعادة تقويمه من
حين لآخر تحقيقًا للمعنى الديناميكي
لهذا الدين من حيث صلاحيته لكل زمان
ومكان.
هذه
الورقة ليست بحثًا متكاملاً وإنما
استقراء شخصي من خلال مراجعة مقتضبة
لأسلوب التربية الدينية في المجتمع
برؤية نفسية لا يمكن أن تنفصل عن الرؤية
الاجتماعية في البيئة السعودية سعيًاَ
لمراجعة افتراض الباحث:
«إن
التربية النفسية الدينية هي جزء من
منظومة التربية الاجتماعية ونتاج لها،
أي إن السلوك الاجتماعي والفكر
الاجتماعي هو الذي شكَّل الفكر الديني
السعودي وليس العكس كما يفترضه البعض.»
المجتمع
السعودي:
يتصف
المجتمع السعودي بأنه مجتمع من نوع فريد
في أيديولوجيته التي تتكون من مزيج
سياسي ديني تناسقت فيه أمور لا تتناسق
عادة وتعايشت فيه اختلافات من الغريب أن
تتوافق دون وجود صدام أو جدال كبير.
ولعل
السبب النفسي في عدم وجود التصادم الجلي
بين الفئات المتناقضة - في نظري - هو أن
الفرد السعودي يعيش برضا واكتفاء داخل
مجموعته الصغيرة ضمن مجموعة الوطن
الكبيرة، وإذا اضطر للتعامل مع الأجنبي
أو حتى مع الغريب عن مجموعته الصغيرة من
بني وطنه فإنه يتعامل معه حسب حاجته ثم
يعود إلى مجموعته؛ ما أعاق عملية
التطور؛ إضافة إلى ذلك فإن عدم وجود
الانتماءات السياسية قلَّل من نشوء
الصدام، ولم تسر روح العنف في المجتمع
إلا بعد احتكاكه ببعض الوافدين الذين
جاءوا للعمل في السعودية من المنتمين
لبعض الحركات الإسلامية وكذلك بعد سفر
بعض أبنائه للجهاد في بقاع مختلفة من
العالم الإسلامي. هذا الاحتكاك رغم
إيجابياته الكثيرة إلا أنه فعّل لدى
نفسية الفرد السعودي استخدام العنف كحل
لبعض المشكلات التي لا تحتاج إلى العنف.
هذه
المتغيرات الاجتماعية المتسارعة زاحمت
عقل المتلقي السعودي الذي تربى في أصله
بتشكيلة معينة لم تهيؤه للتعامل مع
المتغيرات الخارجية وإنما أعدته
للتوافق مع الظروف الداخلية.
إن
الاضطراب المعاصر في فكر بعض الشباب
السعودي في نظري ليس فقط نتاجًا لظروف
اجتماعية سيئة كالبطالة، لأن هذه
الظروف لم تصل إلى الحد الشديد كما في
بعض البلدان العربية ولم تستمر مدة
كافية لتفجر مثل ذلك السلوك المتطرف،
وإنما هي نتاج لاستعداد تشكل عندهم بسبب
الأسلوب التربوي الاجتماعي الذي نشئوا
عليه، وشعور عام بالإحباط لأحوال
المسلمين والذي تم استغلاله بذكاء من
قبل الجماعات المتطرفة.
والمتأمل
بعمق في شخصية المتدين وغير المتدين
السعودي؛ يجد التشابه الكبير، وما
التفلت الحاصل عند غير المتدين مقابل
الانضباط الزائد أحيانا عند بعض
المتدينين إلا اختلافًا سلوكيًا أما
البنية الشخصية فهي متقاربة؛ لأنها
نتاج ذات التربية الاجتماعية التي
تجاوزت واستوعبت واحتوت وشكلت طريقة
التربية الدينية في محيطها؛ لأن
التربية الاجتماعية كانت الأقوى
والأكثر تجذرًا وعمقًا في سلبياتها
وإيجابياتها.
الشخصية
السعودية
في
هذه الأسطر سنعرض بشكل أساسي للجوانب
السلبية في هذه الشخصية. والجدير ذكره
ابتداءً أن هذه الخصائص السلبية ليست
سمات للسعوديين دون غيرهم، فقد تشترك في
بعضها مجتمعات أخرى. فالملاحظ أن
الشخصية السعودية تتسم بالشك بالآخر (ميراث
اجتماعي) وضعف القدرة على التكامل
والانسجام بسهولة مع الآخر من خارج
محيطها حتى تعرفه وتطمئن إليه، ونلحظ
ذلك من خلال عدم التكامل بين كثير من
السعوديين ونظرائهم من دول أخرى.ورغم
دور الشخصية السعودية في ذلك؛ فإنه لا
يجب أن يتجه اللوم لها وحدها وإنما هي
أيضًا مشكلة حضارية عربية تمنع التكامل
بين الفرد والآخر حقيقة التكامل، وهذه
السمة ليست سعودية أو عربية فقط بل تكاد
تجدها في مجتمعات أخرى مثل المجتمع
الإنجليزي. ورغم ما في بنية الشك من
سلبية إلا أنها قد تكون مزية حياتية إن
كان صاحبها متشككًا فاحصًا لا متشكك
طارد!
ومن
سمات الشخصية السعودية أنها لا تعبِّر
عن أفكارها الحقيقية وتضطر أن تلعب
الدور الذي يجب أن تمارسه أكثر من الدور
الذي تحب أن تمارسه. ومن سمات الفرد
السعودي المتميزة استعداديته للتطور
والتغير إلى الأفضل طالما وجد الإخلاص
والمصداقية والتلقائية التي يقدرها
بدرجة تفوق غيره.
كما
أنه من الملاحظ أن الفرد السعودي رغم
أنه شخصي للغاية إلا أنه إذا عاش خارج
إطار مجتمعه لظرف ما فإنه سرعان ما
يتشكل ويتعايش ويتميز في البيئة
الجديدة، ما يعكس لنا أن هذه السمات
الشخصية هي سمات نفسية اجتماعية أكثر
منها سمات نفسية متأصلة في نفسية الفرد
السعودي، ما يؤكِّد لنا الأثر
الاجتماعي التربوي أكثر من سواه في نفس
الإنسان السعودي.
التربية
الدينية السعودية
تأثرتْ
طريقة هذه التربية في بعض جوانبها
بطبيعة المجتمع. ولعلي أضرب مثالاً
واحدًا على ذلك وهي طريقة عدّ المصلين
في صلاة الفجر التي كانت سارية في بعض
مناطق الدولة والتي لم يفعلها الرسول
وإنما كان يتفقد أصحابه للطمأنينة
عليهم.
ولقد
حرص الوعظ الديني والمحاضرات والمقررات
الدينية المدرسية في مجملها على
العبادات والأخلاق الشخصية أكثر من
تركيزها على الأخلاق الاجتماعية وعلاقة
الفرد بغيره، مثل: علاقة الطبيب بالمريض
وعلاقة المسلم بالكافر.
ومما
تميزت به التربية الدينية هو عدم
ارتباطها بالواقع ومتغيرات الزمان
والمكان بحد كاف. إضافة إلى ذلك اتسم
التعليم والتوجيه الديني بالعموميات
فمثلاً عند تدريس التعصب فإنه عند القول:
إن الإسلام دين الوسطية نجد أنه لا يقدم
تعريف التعصب وكذلك الوسطية بوضوح.
ومما
تتسم به التربية الدينية أنها انتقائية
على جميع مستويات التربية مثلها مثل
التربية الدينية في المجتمعات الأخرى.
ومما
تتسم به هذه التربية - وأنا أذكر هنا
السلبيات - أنها لم تُعر الأمور
الاجتماعية نفس ما حرصت به على
الإيمانيات وركزت على السلوك أكثر من
الفكر والمشاعر والقيم
ويبدو
أن التربية الدينية بسبب تشربها
وتأثرها بالبيئة الاجتماعية لم تستطع
أن ترقى إلى القيم الدينية العليا رغم
محاولاتها المتكررة، فأنزلتها إلى
مستوى منخفض يلائمها.
ولقد
تمت محاولات لنقل الفكر الديني
بالطبيعة الاجتماعية السعودية لتعميمه
خارجيًا فكان له الأثر السلبي على
المسلمين في الخارج الذين كان يردون بأن
بعض هذه الاشتراطات ليست من الدين في
شيء. ومما يشهد على ذلك كثير من الأمور
التي كان يعتقد أنها من الدين لكنه مع
الانفتاح الحضاري حدثت مراجعات شرعية
أثبتت أن تلك الأمور مجرد عادات
اجتماعية!
ولذا
إن أردنا أن نرقى بالتربية الدينية فمن
الضروري تحريرها من سلبيات البيئة
الاجتماعية - التي سنعرض لها لاحقًا - من
أجل إنشاء جيل مسلم متمدن.
وفي
المقابل فلقد كان للتربية الدينية
السعودية آثارٌ إيجابيةٌ تميزت بها عن
غيرها من المجتمعات العربية، من أهمها:
1- اهتمام الفرد السعودي بالدين وأحكامه.
2- الشعور المميز بالجذور التاريخية
الإسلامية.
3- وجود مرجعية قوية ( وهو الدين ) يعود
إليه الفرد في السراء والضراء.
4- أصبح السلوك الديني ضرورة حياتية
للفرد السعودي ومنحه استراتيجية
عالمية، ولذا لا خيار له في التخلي عنه
لأسباب دينية أولاً وأسباب سياسية
واجتماعية ثانيًا.
ويجب
علينا مراجعة السلبيات في أسلوب
التربية الدينية السعودية؛ لأنها لا
ترتقي بحد كاف لمستوى تلك الاستراتيجية
الدينية السياسية.
التربية
الاجتماعية الخاطئة في المجتمع السعودي
في
هذه الأسطر سنعرض أيضًا بشكل أساسي
للجوانب السلبية لهذا اللون من التربية
التي تتصف بما يلي:
1- عدم التربية على الاستقلالية وإنما
تفعيل روح التبعية وهذا وإن بدا للناظر
أنها تضبط روح التمرد لدى المتلقي إلا
أنها حقيقة لا تحقق الإشباع النفسي إلى
الاستقلال عن غيره، التي هي جزء من
النمو النفسي السوي لنفس المراهق والتي
إن لم يتم إشباعها فسيجتهد المراهق
بذاته في البحث عن وسائل الإشباع
منطلقًا من تصوره الشخصي للصواب والخطأ
أو مما يرده من مصادر أخرى قد تكون غير
آمنة.
ومن
المعلوم أن من تم تربيته على الاتباع
دون الإدراك الواعي فإنه أيضًا عُرضة
لاستباق الغير إليه وتربيته على اتباعه
خصوصًا إذا وفر له ما يحتاجه من احترام
أو شهوات على عكس التربية على المسؤولية
التي تنتج لنا أفرادًا قادرين على
الإدراك واتباع الصواب وتجنب الخطأ مما
يراه نابعًا من ذاته من فكر آمن.
2- التربية على التفكير الحدي (أي إما معي
أو ضدي، أما صديقي أو عدوي) وهو أحد آثار
التفكير القبلي. وتكمن خطورة هذا النوع
من التفكير على التعامل مع الآخر بأنه
شر محض أو خير محض وبالتالي يكون سهل
الانقياد من قبل الآخرين من خلال كشف
خطأ في الشخصية المراد إسقاطها أو تلميع
مزية في الشخصية المراد إبرازها لدى
المتلقي فيسقط هذا ويقدس ذاك. ولكي لا
يشعر بالازدواج النفسي؛ قد يرفض
المراجعة لأفكاره أو الانطلاق من روح
الشك في التعامل مع الآخر.
3- تفعيل ثقافة الخوف؛ ما يؤدي إلى نشوء
ثقافة الصمت، فلا يتم التعبير عن الرأي
ولذا يخسر المربي من حيث يظن أنه قد نجح
في أن المتلقي لا يشتكي من شيء رغم أن
الذي منع المتلقي من التعبير هو خوفه
الذي أظهره بشكل مقبول من خلال الصمت
الذي هو أحد علامات القبول والرضا في
الحس الاجتماعي (إنه الالتزام الخائف)!
هذا
اللون من التربية يؤدي إلى ظهور السلوك
الانتهازي والنفاق، ولذلك كلما ازداد
رفعة اجتماعية كلما ازداد خوفه ونفاقه،
ما يؤدي إلى عيش الجميع في وهم أن الأمور
على خير ما يرام في حين أن الواقع غير
ذلك.
4- بث ثقافة {إنا وجدنا آباءنا على أمة} في
نفوس النشء، ما قلَّل روح الإبداع في
نفوسهم وفعل روح المحافظة على ما هو
موجود والخوف عليه. ولقد أدى هذا بدوره
إلى عدائية الجديد وعدم مراجعة القديم
بل والمحافظة عليه صالحه وطالحه، بل
وأحيانًا وصف الجديد بالبدعية والمجدد
بسوء النية دون نظرة فاحصة تحليلية قد
تصل إن وظفت إيجابيًا إلى التوافق
الكامل أو الجزئي أو الرفض على بينة.
5- تقديم المفهوم الاختزالي للدين - كما
ذكرنا في التربية الدينية السعودية - من
حيث التربية على السلوك أكثر من الفكر
والمشاعر ونسي الناس أن الدين ما وقر في
القلب وصدَّقه العمل؛ ولذا تجد عدم
التركيز على القيم والمبادئ في بعض
الأحيان كما يجب وإنما تقديم الوصف
السلوكي لأوامر الدين وجعله طقوسية
خالية من القيم والمعاني.
6- عدم تفعيل الموضوعية في علاقة الفرد
بالآخر وإنما الشخصانية هي التي تحكم
فكر المتحاورين في أكثر الأحوال. بل
أصبحت العلاقة الشخصية تؤثر في القرار
الإداري أكثر من الأنظمة التي تعاني من
عدم الوضوح ومن إمكانية التحايل عليها.
بل إن تلك الأنظمة قد تشرَّبت فكر الشك
بالآخر ولذا جاء كثير منها مُعيقًا
لحركة التقدم في المجتمع حيث التضييق
أكثر من التيسير، وإذا حدث التيسير فهو
من شخص المسؤول عن تطبيق النظام!
7- عدم التجديد في أساليب التربية
وافتراض الستاتيكية (الجمود) في مجتمع
ديناميكي ( متغير) وعالم متسارع التغير
والتطور.
8- تشير بعض الدراسات النفسانية أن الفرد
يسلك ما يتوقعه غيره منه، ولذا فإن
افتراض الشيطانية والمخادعة في نفس
المتلقي التي ينتهجها البعض في تربية
الأبناء أكثر من افتراض الخير والصدق
تؤثر تأثيرًا بالغًا في سلوك الناشئة.
9- تدريب الابن وتشجيعه على ممارسة ما يجب
من مثله أن يمارسه في تعريف المجتمع
أكثر من ممارسة ما يحب ويريد من
المباحات. والإشكال في هذا يكمن في نشوء
فكر القولبة (النمطية) أي وجود قالب واحد
هو المرجعية في التصوبة والتخطئة في
أمور يفترض فيها تعدد الميولات
والتوجهات؛ ما يؤدي بدوره إلى إضعاف
القدرة على تأمل الصواب والخطأ وإنما
افتراض المثالية في شيء ما والاحتكام
إليه. إن هذا اللون من التربية النفسية
يعني إهمال نمو فردية الإنسان، ما قد
يدفع المجتمع إلى السير ضمن تقاليد تجعل
الفرد صورة كربونية من الآخر!
10- عدم الانطلاق في التربية من المفاهيم
الصحيحة وإنما من الانطباعات والنون
وتغليف ذلك بما يناسب المتلقي لكي ينال
القبول مع الأيام باعتياد الناس عليه.
11- استخدام المنهج التوفيقي غير المقنع
عادة والحلول المؤقتة لأزمات ومشكلات
طويلة المدى.
12- تركيز الرقابة الأسرية على سلوك
وأخلاق النشء أكثر من بناء الفكر وتقويم
الشخصية والبنية النفسية لديهم.
13- عدم تفعيل روح الاعتذار كما ينبغي،
وعدم قبول احتمال حدوث الخطأ من الناشئ
بالدرجة الكافية.
14- أن المتلقي ربما بسبب الطفرة التنموية
المتسارعة جدًا أصبح أكثر تأهيلاً
نفسيًا وحضاريًا من المُوجِّه، ما
سبَّب شيئًا من صراع الأجيال لكن لم
يظهر على السطح جليًا بسبب درجة الضبط
الأخلاقي الديني كبر الوالدين. ولذا كان
لزامًا بث روح الوعي التربوي لدى جيل
الآباء وإدراك أن زمان الأبناء غير
زمانهم ولذا فيجب تربية الشباب على غير
الطريقة التي تربوا عليها. والمؤلم في
حال جيل الشباب السعودي المعاصر أنه لا
يعاني من الصراع مع الجيل السابق فحسب
بل أيضًا يعاني من صراع الذات الذي هو
بذاته مرحلة مؤلمة من نمو الإنسان السوي!
15- وجود العلاقة السلطوية لا التفاعلية
المفتوحة بين المُوجِّه والمتلقي بين
المدرس والطالب وكذلك بين الأب والابن.
هذا النوع من العلاقة يحد من درجة
التواصل ويقتل روح الحوار، ولذا ربما
بحث المتلقي عن حل لتساؤلاته عند من
يستمع له وهو ما حدث تمامًا لشباب
التكفير الذين اتجهوا إلى بعض علماء
الشريعة العرب المميزين ابتداءً لكنهم
كانوا في الغالب يقابلون بالطرد أو رفض
الحوار لأنهم في نظرهم صبيان أغرار
والتي هي في نظري امتداد لهذا النوع من
العلاقة الاجتماعية (البنية الأبوية
السلطوية)، ما حدا بأولئك الشباب إلى
البحث عن رموز دينية خارجية لم تعرف
بالعلم الشرعي الواسع أو رموز داخلية
أقل علمًا لكنها أوسع صدرًا، تقبلتهم
وكسبت ثقتهم واستطاعت أن تبذر في صدورهم
حقيقة الولاء لهم.
خصائص
الأسرة المفتوحة ( ذات العلاقة
التفاعلية ) (الأسر الحوارية):
1- السلطة فيها ليست سلطة بمقدار ما هي
قيادة وتوجيه.
2- فيها يتربى الأفراد على احترام الذات
والتفكير الإيجابي بمعنى أنه يفعل
الخير لأنه جيد له ويترك الشر لأنه
يهينه ويضعه في موقف المساءلة.
3- داخل هذا النوع من الأسر تتوزع الأدوار
فالأب له دور والأم كذلك والابن والبنت
فتتفاعل هذه الأدوار فيما بينها بشكل
تعاوني فيه الخير للجميع.
4- فيها علاقة الحب واحترام الآخر.
خصائص
الأسرة السلطوية:
1- المساءلة المستمرة بشكل يومي دون عائد
مفيد.
2- مبدأ الثواب والعقاب في معظمه عقابي.
3- التركيز على التخويف وليس التشجيع
وبناء الثقة.
4- عدم وجود وسائل تعبير مفتوحة داخل
الأسرة بل تستخدم وسائط كالأم أو شخص
محبوب للأب.
5- تركيبة هذا النوع من الأسر فيها
مفاضلة، وهذه المفاضلة مبنية على
ميولات شخصية وعلى من يتملق أكثر.
6- علاقة الأوامر والنواهي.
7- السلطة بطبعها مركزية ( عادة لدى الأب )
والأم هامشية داعمة له.
8- يكون لدى الأولاد في هذا النوع من
الأسر شعور دائم بالتهميش والظلم.
9- يكون لدى الأولاد غضب مكبوت لا
يستطيعون التعبير عنه.
10- يلجأ الأولاد حينما تتوافر لهم القدرة
إلى وسائل منحرفة مثل التمرد والانحراف
والتطرف.
11- يسلك الفرد فيها سلوك النفاق إرضاءً
للمتسلط.
ولقد
سرت تلك الخصائص السلبية إلى المجتمع
بشكله الكبير فأصبحت تحكم علاقة
الإنسان بالآخر في مختلف جوانب الحياة.
ومن
الملاحظ أن المجتمع السعودي مبني على
خطوط متوازية بدون وجود شبكة قوية من
الترابط، ما أكد الحاجة إلى ردم تلك
الفجوة الاجتماعية.
وفي
العادة تسير الأمور بهدوء - كما حدث في
المجتمع السعودي - طالما لا توجد عوامل
خارجية أو داخلية - بغض النظر عن صوابها
أو خطئها - التي بطبيعتها تخلق المحك
وتكون أداة فاحصة لما هو سار. ومن الواضح
أن الامتحان بين أنها بحاجة إلى التغيير
إلى الأفضل ولكن يجب أن يكون على أساس
منهجي وعلى جميع المستويات.
وفي
نظري أن قادة التطرف قد استفادوا
ووظَّفوا الخلل النفسي الحاصل جراء هذه
التربية الاجتماعية في شحذ فكر التطرف.
وبعد
كل ما أسلفناه ماذا يتوقع من مثل تركيبة
مجتمعنا؟
في
نظري أن الناس ستنقسم إلى ما يلي:
1- الغالبية العظمي سيتبعون سلوك من أغلق
عليه بابه فهو آمن!
2- القلة سيسعون إلى الإصلاح المنهجي
بالقول والفعل.
3- جزء لا بأس به سيسعون إلى الإصلاح
بأساليب ليست ذات أثر مباشر وإنما هي
تقليدية كالتبرعات ورعاية الفقراء.
4- جزء يسير سيسعى إلى التمرد والعصيان.
5- جزء سيستغل الموقف من الانتهازيين
ويحافظون على نفس التركيبة والوعي وهم
من يحصل على أكبر المكاسب الاجتماعية
والاقتصادية والإعلامية من حطام الدنيا.
ولذلك
لعلاج آثار هذه التربية الاجتماعية كان
لزامًا تشجيع ظهور الفئات الأولى
الثلاث وإبرازها وتفعيل دورها الإيجابي
وإلا فسيتفرغ الجميع للوم الحكومة على
حدوث الخطأ وتحميلها وحدها مسؤولية
الإصلاح!
الاستنتاج
مما
سبق يتبيَّن أن الطبيعة الاجتماعية في
علاقة الفرد بالآخر أيًا كان في المجتمع
السعودي هي التي شكَّلت نمطية السلوك
الديني والاقتصادي والسياسي وغير ذلك
لدى الفرد في هذا المجتمع. إضافة إلى
ذلك؛ فإن التربية في البيئة السعودية
تعتمد على العادات والتقاليد والأنماط
السلوكية التي تتكرر عبر الأجيال أكثر
من اعتمادها على فكر أو منهج تربوي محدد.
وأرى أن التربية الاجتماعية في بعض
أحيانها قد تهيئ الاستعداد لظهور
التطرف؛ ولذا فإن اللوم يجب أن لا يتجه
إلى المؤسسة الدينية بمفردها وإنما هو
نتاج أسلوب وفكر اجتماعي تم ممارسته على
جميع المستويات بما فيها المؤسسة
التعليمية التي استمرت لفترة طويلة في
طرحها على ذات المنهج الاجتماعي ولم
تقدم دورها التطويري المطلوب في شخصية
الفرد السعودي لكي يكون مؤهلاً للتواكب
مع متطلبات عصره.
التوصيات
أرى
أننا بحاجة إلى رفع درجة الوعي وإدراك
الحياة لدى الناشئة بشكل أساسي، ولذا
أقترح ما يلي:
(أ)
إدراج مقرر للتربية النفسية في مقررات
المدارس يُعنى بما يلي:
1- التفريق بين الموضوعية والشخصانية في
التعامل والتفكير. والموضوعية هي
استخدام مبدأ الملاحظة والاستنتاج
والترابط والسببية في ربط الأشياء
ببعضها. أما الشخصانية فهي تحوير الواقع
برؤية الفرد أي يسقط تفكيره على الواقع
وليس العكس كما هو في الموضوعية. من هنا
نستطيع بناء فكر البدائل والتفكير
التعددي الذي يختار منه الإنسان ما يراه
أقرب إلى الحق والصواب.
2- بناء الثقة بالنفس والالتزام الذاتي
أولاً قبل السعي في الحصول على التوافق
الاجتماعي.
3- أساليب الحوار
4- أساليب التعامل مع الآخرين والتركيز
على أخلاقيات العلاقة مع الآخرين وعدم
الاقتصار على أخلاقيات الفرد السلوكية
مقابل إهمال أخلاقيات التعامل مع الآخر.
5- أساليب اتخاذ القرار
6- القدرة على التعامل مع المشكلات
7- أساليب التفكير الإيجابي
8- أساليب التعامل مع السلوكيات الخاطئة
9- أساليب التعامل مع العلل الشخصية
كالحساسية المفرطة والشك...
10- أساليب التعامل مع الضغوط النفسية
والإجهاد وصعوبات الحياة.
(ب)
الحرص على الموائمة بين مفهوم الأمة
والمواطنة في حس الإنسان السعودي، ولن
يتم ذلك - في نظري - إلا من خلال بناء وطن
قوي.
(ج)
توضيح معنى وحقوق الوطن والمواطن سعيًا
لتوظيفه في عملية البناء المدني لهذا
الوطن، من خلال معرفة الفرد ماله وما
عليه معرفة عملية تشعره بوجوده وأنه غير
مهمَّش الدور في التغيير المدني
الداخلي وهو تمامًا ما تم في النهضة
الأوروبية التي انطلقت أولاً من هذا
المفهوم ثم جاء بعد ذلك الإصلاح السياسي.
(د)
التركيز أكثر إعلاميًا وتعليميًا على
المشكلات الاجتماعية ومنحها اهتمامًا
تحليليًا صادقًا دون الاكتفاء بوصفها
بأنها مشكلات وافدة إلينا لأنها حقيقة
أصبحت جزءًا من واقعنا.
عودة
للملف
*
قدمت
في ندوة التي نظمها مركز الملك عبد
العزيز للحوار الوطني في الفترة من
27/31-12-2003 وشارك فيها أكثر من 40 شخصية من
العلماء والمفكرين. |