|
في
الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2003 نظمت
اللجنة حوالي 100 جلسة استماع علنية
وحوالي 40 جلسة مغلقة. وقد اختارت
الاستماع ليس فقط للمسئولين السياسيين
والدينيين والنقابيين والإداريين،
ولكن أيضا لرؤساء شركات ومؤسسات
ومدرسين ومديري مستشفيات ومديري سجون
وممرضات. وقد تم تنظيم مناقشة علنية مع
تلميذ وطالب من مدارس الليسيه (المدارس
الثانوية) كانوا قد سبق لهم العمل على
موضوع العلمانية. وقد انتقلت اللجنة
أيضا إلى عدد من البلدان الأوربية
لمناظرة التجربة الفرنسية مع تجارب
الآخرين من الشركاء في هذه التجربة.
وأخيرا
فقد وصل للجنة عدة مئات من المشاركات
المكتوبة. إذن ففي خلال هذه الشهور
الستة استمعت اللجنة إلى بانوراما
واسعة تضم آراء عديدة حول الموضوع محل
الدراسة.
إن
التشخيص التالي للقضية هو ثمرة هذا
البحث الذي قاده الأعضاء العشرون في
اللجنة، وهم أنفسهم يمثلون تخصصات
مختلفة إلى أبعد حد. هذا التشخيص يعبر عن
التحدي الذي يواجه العلمانية اليوم.
في
مواجهة معطيات اجتماعية وروحية جديدة
تمكنت العلمانية من التأكيد على مبدأ
المساواة التي تقوم عليه. ولكن هناك
العديد من الأسئلة التي لم يتم الإجابة
عليها والتي تضع العلمانية موضع
التهديد.
3.
1 – من المساواة القانونية إلى
المساواة العملية
3.
2 – الخدمات العامة والعمل
3.
3 – العقد الاجتماعي
3.
1 – من المساواة القانونية إلى
المساواة العملية: بعض
التقدم:
بدأت
العلمانية في التأقلم العملي مع التعدد
الجديد على المستوى الديني الروحي،
وهذه المساواة التي تحتل مرتبة
الأولوية تحتاج إلى عملية طويلة المدى
لم تنتهِ بعد.
3.
1. 1 – الأفضل الأخذ في الاعتبار كافة
المعتقدات الروحية أو الدينية:
العلمانية
حركة ممارسة حية. وقد تمكنت السلطات
العامة الأخذ في الاعتبار اهتمامات
وحاجات تم التعبير عنها حديثا في المجال
الروحي والديني. منذ خمسة عشر عاما مضت
كان أساس المطالبات ينحصر في إنشاء
أماكن عبادة جديدة: مساجد، معبد يهودي
أو معبد بوذي.
اليوم،
تمتد المطالبات إلى مجالات أخرى: إعادة
تنظيم للمعطيات الخاصة داخل المجموع،
احترام الواجبات المرتبطة بالاحتفالات
الدينية الرئيسية، تعليم الحقائق
الدينية.. وقد جاءت الإجابات على هذه
المطالبات بتطبيق قانون 9 ديسمبر لعام
1905، أو في حالة عدم انطباق القانون على
الواقعة بإيجاد "توافقات مناسبة"،
وهكذا نجد أن مجالس البلدية تضع الآن
معوقات أقل من ذي قبل لإقامة دور عبادة
جديدة. ويتم إصدار تراخيص البناء بصورة
أيسر. وقامت بعض إدارات الأراضي بتشجيع
بناء مبانٍ "عقائدية" بإتاحة أراضي
ملكية عامة؛ وذلك في إطار عقود إيجار
طويلة المدى أو بإتاحة ضمانات للسلفة.
إلا أن هذه الممارسات لا تتلاقى جميعها
في هذا المجال.
إذ
إنه من الواضح أن المادة الثانية من
قانون 9 ديسمبر 1905 رغم أنها تمنع التمويل
العام للمباني ذات طابع ديني فإن ذلك لا
يعني العمل على إعاقة إقامتها.
كذلك
فإن السلطات العامة تأخذ في الاعتبار
الالتزامات المرتبطة بتنظيم الأعياد
الدينية الكبرى، فيتم إتاحة الأماكن
العامة لبعض التنظيمات لاستخدامها في
احتفالاتها، مثل احتفالات العيد الكبير
(الأضحى) أو احتفالات يوم الكيبور، وذلك
لمعالجة عدم كفاية أماكن العبادة
المتاحة لاستقبال المحتفلين. كذلك فإنه
يتم تعميم تواريخ الاحتفالات الدينية
كل عام على الإدارات المختلفة، ويتم
إصدار تصاريح للتغيب بهذه المناسبات،
وأخيرا فإن عملية الذبح "الديني"
يتم تنظيمها بصورة أفضل.
من
ناحية أخرى فإن الإدارات تأخذ في
الحسبان، بصورة أفضل الآن، المحرمات في
المجال الغذائي المرتبطة بالعقائد
الدينية، ويسعى المسئولون عن
الكافيتريات (الكانتين) في المدارس
والمستشفيات والسجون على توفير بدائل
متنوعة من الأطعمة، بقدر الإمكان.
وأخيرا..
فإن تعليم الوقائع الدينية، كما هو
الحال بالنسبة لمجموع الوقائع
الإنسانية، ليس غائبا من التعليم
المدرسي تبعا للتوجيهات الجديدة لمناهج
الفرنسية والتاريخ وذلك في فصول السادس
الابتدائي والأولى إعدادي والأول
والثاني الثانوي، ويجب التذكير هنا أنه
منذ بداية حكم الجمهورية الثالثة فإن
الأسئلة الكبرى المتعلقة بالأديان
العتيقة وأديان القرون الوسطى والأديان
الحديثة موجودة دائما في المناهج
التعليمية.
3.
1. 2 – مواصلة الإصلاح :
إن
تفعيل مبدأ العلمانية لم يسمح حتى الآن
بتحقيق المساواة التامة بين المؤمنين
أو بين المؤمنين وغير المؤمنين.
3.
1.2. 1 – في التعبير عن الأفكار:
إن
بعض الآباء يضطرون إلى إدخال أبنائهم في
مدارس دينية؛ نظرا لعدم وجود مدارس عامة
في المنطقة التي يقيمون فيها. كذلك فإن
الأفراد المنتمين للفلسفة العقلانية أو
التفكير الحر لا يملكون حق التعبير عن
أنفسهم من خلال البرامج التلفزيونية
بالدرجة المتاحة للكنيسة، وهذا على عكس
ما هو متبع في بعض البلاد الأوربية
الأخرى.
3.
1. 2. 2 – في ممارسة المعتقدات الشخصية:
إن
أخذ يوم إجازة في يوم الكيبور أو في عيد
الأضحى أو في غيره من المناسبات الدينية
قد يكون صعبا، رغم عدم تعارض هذا التغيب
مع السير العادي للعمل. كذلك يحدث
أحيانا مرور لجنة تفتيش على المدارس
خلال أيام الأعياد الدينية الكبرى مما
يحرم أولئك الذين لهم حق التغيب من
المشاركة في احتفالاتهم.
من
ناحية أخرى ليس هناك عدد كافٍ من
المرشدين الدينيين المسلمين في السجون
والمستشفيات والجيش والمنشآت
التعليمية. ولكن في حقيقة الأمر فإن
غياب هياكل تنظيمية للإسلام هي السبب
وراء عدم وجود جهة تلجأ إليها الإدارة
لترشيح مرشدين مسلمين.
3.
1. 2. 3 – في احترام المراسم الجنائزية:
إن
إعداد الموتى للدفن في المستشفيات
مثلا، لا يمكن أن يتم طبقا للقواعد
الدينية المحددة في كل الأحوال. وأخيرا
فإنه أحيانا يتعذر دفن الموتى تبعا
للتقاليد الدينية المختلفة وفي ظل
احترام قوانين الجمهورية.
3.
2 – الخدمات العامة والعمل: انتهاكات
تثير القلق:
ظهرت
مشاكل جديدة ومتزايدة، وتعبر هذه
المشاكل عن ضعف الوجوب العلماني في
الخدمات العامة، خاصة المدارس وفي
العمل، أمام مطالبات تحاول ترجيح
المعتقدات لفئات معينة على القواعد
العامة. إن مبدأ العلمانية اليوم يتم
انتهاكه في قطاعات أكثر كثيرا مما نظن،
إلا أن اللجنة على قناعة بأن المشاكل
التي تقابلها العلمانية اليوم ما زالت
مشاكل صغيرة، إلا أنها مشاكل حقيقية،
قوية وتنبئ بمشاكل في القيام بالمهام،
خاصة لما يثيره الانتشار السريع لهذه
الظواهر من قلق. هذه المشاكل تؤثر على
الخدمات العامة، حيث إنها تجعل الأفراد
في حالة بلبلة.
3.
2. 1– بعض الخدمات العامة يتم إنكارها
من حيث المبدأ أو يتم عرقلة أدائها:
إن
بعض الخدمات العامة يتم إنكار المبدأ
القائمة عليه، ويتم عرقلة الأداء بها
باسم عقائد دينية من جانب مستخدميها أو
أحيانا من جانب القائمين عليها. ذلك أن
المطالبات التي يجب مواجهتها تؤثر على
مبدأ المساواة والاستمرارية القائمة
عليها هذه الخدمات أو الأعمال. وإذا لم
تقم الدولة بإصلاح أداء هذه القطاعات
فإن مستقبل الخدمات العامة قد تكون في
خطر.
قليل
من قطاعات العمل العام بعيدة عن هذا
التطور الجديد، ولا يقتصر هذا الخلل على
المدارس بل إنه أصاب أيضا المستشفيات
والسجون والمحاكم والخدمات الإدارية.
3.
2. 1. 1 – في المدارس:
إن
ارتداء العلامات الدينية الواضحة في
المدارس، مثل الصليب الكبير أو
القلنسوة أو الحجاب، يعكر صفو الحياة
المدرسية. لكن المشاكل التي نجدها هنا
أكبر كثير من هذه العلامات التي تم
تضخيمها إعلاميّا.
في
حقيقة الأمر، فإن الانتظام العادي
للدراسة يتم انتهاكه بطريقة منتظمة
بطلب إجازة يوم في الأسبوع أو الاستئذان
في الحصة أو الامتحانات لغرض الصلاة أو
الصوم. كذلك نجد أن أجزاء كاملة من مناهج
التاريخ أو العلوم يتم رفضها أو إثارة
الجدل حولها؛ وهو ما يؤثر على تدريس هذه
المواد. بعض الفتيات يلجأن إلى شهادات
مرضية غير مبررة لكي يتم إعفاؤهم من حصص
الرياضة البدنية. بعض الامتحانات يتم
إثارة القلق فيها بسبب رفض التلميذات
الخضوع للتحقق من شخصياتهن أو أن يمتحن
أمام ممتحن رجل. ويرى بعض المدرسين
ومديري المدارس سلطاتهم منتهكة من جانب
التلاميذ وأولياء الأمور لسبب واحد وهو
أنهن نساء.
أصبح
التحاق الجميع بالدراسة غير مؤكد بسبب
حالات الانقطاع عن الدراسة لأسباب
دينية. وتم تسجيل حالات من لجوء البعض
إلى الدراسة بالمراسلة. من ناحية أخرى
هناك بعض المدارس الخاصة لا تقبل إلا
التلاميذ المنتمين إلى الديانة الخاصة
بهذه المدرسة، وهذه المدارس لا تقوم
بتدريس أجزاء من المناهج تراها لا تتفق
مع بعض أوجه رؤيتهم للعالم.
هذه
المواقف كلها ليست قانونية، حتى إذا لم
يقم بها إلا أقلية من الحركيين إلا أن
هذا يصيب بشدة المبادئ التي تحكم الخدمة
العامة، هذه الخدمة العامة يتم
انتهاكها في جذورها هذه المواقف من جانب
القلة يمكن أن تثير رد فعل معاكس، فقد
علمت اللجنة أن بعض المدرسين قد اجتمعوا
على وجود أمهات بعض التلاميذ عند خروج
هؤلاء التلاميذ من المدرسة في نهاية
اليوم الدراسي بسبب ارتداء هؤلاء
الأمهات للحجاب.
3.
2. 1. 2 – في المستشفى:
لم
تسلم المستشفيات من هذه الظاهرة. فقد
وجهت بعض المحرمات الدينية مثل رفض
عملية نقل الدم من بعض أتباع مذهب يهوذا
jehovah، وأخيرا تضاعف حالات رفض أزواج
وآباء لعلاج زوجاتهم أو أبنائهم على يد
أطباء رجال وذلك لأسباب دينية. كذلك
حُرِمت بعض النساء من حقنة ضد الألم
خلال الولادة، وتم استبعاد أطباء بسبب
عقيدتهم المفترضة.
من
ناحية أخرى يمكن لبعض الاهتمامات
الدينية للمرضى أن تؤثر على سير العمل
في المستشفى: بعض الممرات بالمستشفى تم
تحويلها إلى أماكن خاصة للصلاة، تم
إنشاء كافيتريات موازية للكافيتريا
بالمستشفى لتقديم الأطعمة التقليدية،
متجاهلين بذلك القواعد الصحية. هنا أيضا
نجد انتهاكا مباشرا لأسس العمل العام:
مبادئ المساواة والاستمرارية، واحترام
اللوائح الصحية.
3.
2. 1. 3 – في قطاع العدالة:
في
السجون ظهرت العديد من المشاكل. فمزاولة
الحياة الروحية والدينية للمسجونين يتم
تنظيمها بقانون 9 ديسمبر 1905.
ولكن
في مكان يزيد فيه الضغط الجماعي، نجد
ضغوطا عديدة تمارس على المسجونين لكي
يخضعوا لعدة تعاليم دينية. فخلال
الزيارات يتم حث عائلات وأصدقاء
المسجونين لتبني ملابس لائقة دينيّا. في
هذا الجو من التوتر قد تلجأ إدارة السجن
إلى إعادة تنظيم السجناء تبعا
لانتماءاتهم وذلك للحفاظ على النظام
داخل السجن، مثل هذا الحل يوشك أن يؤدي
إلى دائرة مفرغة بتمكين أصحاب النفوذ في
كل مجموعة على المسجونين الأكثر ضعفا.
العدالة
أيضا لم تسلم من هذه الظاهرة. فتم تقديم
طلب رفض قاضٍ بسبب عقيدته. كذلك أراد
المحلفون بعد تعيينهم الظهور في
المحكمة وهم يرتدون علامات دينية مميزة.
وقد رفض وزير العدل أن تقوم محامية بحلف
اليمين وهي ترتدي حجاب.
3.
2. 1. 4 – مواقف تتكرر:
خلال
أيام "النداء من أجل الدفاع" لوحظت
بعض المشاكل. فبعض الفتيات رفضن
الاشتراك في تدريبات مختلطة للإسعاف
وأعلن رفضهن من حيث المبدأ لإسعاف
الرجال. كذلك يتم مطالبة مديري المهمات
العامة بتوفير ساحات للمستخدمين لا
يوجد بها اختـلاط. هذا المنطق خطير يقوم
على التمييز، ويفتح الباب لصور أخرى من
التمييز قد تقوم على القومية أو الجنس.
وهذه التصرفات تضعف بشدة الخدمات
العامة وهذا يأتي على حساب الجميع، خاصة
المواطنين الأكثر فقرا الذين يفترض أن
يكونوا أول المستفيدين بها. بعض هذه
الظواهر الدينية يتم رؤيتها على موظفين
عموم، بعض هؤلاء الموظفين صمموا على
ارتداء القلنسوة أو الحجاب في مكان
عملهم معلنين بذلك عن انتمائهم
العقائدي. أخيرا بعض الأطباء الشباب
المقيمين بالمستشفيات أعلنوا عن رغبتهم
في الظهور بهذه الملابس.
مثل
هذه التصرفات، المخالفة لمبدأ الحياد
الذي ينظم العمل العام، تثير القلق.
ويجب إدراك أن هذه التصرفات كثيرا ما
تصدر من جماعات منظمة تختبر قوة الدولة
ومقاومتها.
3.
2. 2 – موظفون قلقون أمام هذه التطورات:
أمام
هذه الظواهر فإن الأفراد المعنيين
يجدون أنفسهم في موقف صعب، فهم يعبرون
عن شعورهم بعدم الارتياح من هذه الأوضاع
التي تحول دون استكمالهم لعملهم، فبعض
المدرسين يرون عدم إمكانهم استكمال
مهمتهم وأصبحوا نتيجة تلك المعوقات لا
يقومون إلا بدور المشرف أو الموظف
الاجتماعي. بعض العاملين في المستشفيات
يجهدون أنفسهم في حوارات مع المرضى على
حساب العلاج الذي يجب أن يقدموه لهم
سريعا.
هذا
الشعور بعدم الارتياح يتحول أحيانا إلى
معاناة حقيقية. بعض الأشخاص الذين
استمعنا إليهم أعربوا عن شعورهم بأنهم
متروكون لحل هذه المشاكل بأنفسهم،
فاللوائح ليست واضحة، والنظام لا يقدم
لهم إلا مساعدة ضعيفة في هذا المجال،
ولهذا فهم في هذا المضمار يواجهون مواقف
صعبة بالفعل.
فهم
يرون أنهم ضحايا لحرب مستمرة ضد
العلمانية. وعلى هذا المستوى فإن
المستوى المحلي لم يعد صالحا لوضع
إستراتيجية مواجهة لهذه الحملة، ولهذا
فهم ينتظرون دعم الدولة بصورة واضحة
وحاسمة.
3.
2. 3 – العمل أيضا لم يسلم من هذا الوضع:
في
الستينيات تمكنت الشركات الكبيرة من حل
المشاكل الدينية التي واجهتها نظرا
لأصول العاملين بها. فتم تنظيم أوقات
العمل بحيث يتخللها أوقات راحة محددة
تأخذ في الاعتبار فترة رمضان. كذلك بعض
المؤسسات حرصت على تخصيص أماكن للصلاة
داخل منشآتها، وكانت هذه الإجراءات
تهدف إلى استيعاب الأيدي العاملة
الأجنبية مع احترام بعض الممارسات
الدينية طالما أنها لا تتعارض مع
الإنجاز الطبيعي في العمل.
الموقف
اليوم مختلف، فالمؤسسات لا يتم التعبير
لها عن احتياجات، ولكنها تواجَه
بمطالب، خاصة مع وصول جيل جديد من
الناشطين إلى ميدان العمل. هذه
المطالبات، في رأي العديد من رؤساء
الشركات، تتعدى حدود "العيش معا".
يواجه المسئولون في هذه المؤسسات
عاملات يرتدين الحجاب ويرفضن مصافحة
زملائهم الرجال. وبعض العاملين لا
يعترفون بسلطة رؤسائهم إذا كانوا نساء.
من هنا فإن هذه المطالبات تمثل تهديدا
من ثلاث نواحٍ: فهي تضعف التوافق الذي
يجب أن يسود بين العاملين بصرف النظر عن
الجنس أو المعتقدات الفلسفية والدينية.
وهي تؤثر على العلاقة مع المتعاملين مع
هذه المؤسسة وهي علاقة يجب أن تتسم
بالحيادية. وأخيرا فهي تمثل تهديدا على
المستوى الأمني في المؤسسات الصناعية.
هذه
التصرفات تؤذي أولئك الذين يتبنونها،
فبعض رؤساء الشركات يرون أن ارتداء
الحجاب والمطالب الأخرى المرتبطة به
يؤدي إلى حرمان هؤلاء الفتيات من فرص
قبولهن في أي عمل، وحتى إذا كانوا
يعملون بالفعل فإنهن يحرمن أنفسهن من كل
فرصة للترقي. بعض العاملات يرفضن تقلد
مناصب عليا حتى لا يضطرن الإشراف على
عمل رجال؛ وبالتالي فهن ينغلقن
باختيارهن في وظائف دنيا. هذه التصرفات
يتم وصفها "بالتمييز الذاتي".
هذه
المطالبات بجانب تأثيرها على العمل
الداخلي للمؤسسات فهي في كثير من
الحالات تعتبر عائقا في سبيل الذوبان في
نظام العمل وفي سبيل المساواة الوظيفية.
3.
3 – العقد الاجتماعي: أسس منتهكة:
إن
أسس العقد الاجتماعي تم انتهاكها من
خلال تراجع تم فرضه في قلب بعض
الجماعات، هذا التراجع ناجم من التهديد
الذي يخيم على الحريات الخاصة ومن نمو
التمييز القائم على الجنس والجذور
والأصول.
3.
3. 1 – تراجع مفروض داخل جماعات
اجتماعية أكثر منه مرغوب:
كل
من استمعت إليهم اللجنة عبروا عن إطار
اجتماعي وحضري مناسب لنمو منطق يدفع إلى
إعطاء الولاء إلى جماعة معينة بدلا من
إعطائه إلى الدولة أو الجمهورية.
هذه
الظاهرة لم تكن لتلاحظ في فرنسا حتى
أخيرا.
بعض
الأرقام تؤيد خطورة هذا الوضع، فقد تم
الإشارة إلى أن في 700 حي تستقبل العديد
من الجنسيات نجد العديد من المشاكل
تتراكم: بطالة تزيد عن 40%، مشاكل حادة في
التعليم. إن سكان هذه الأحياء المهملة
لديهم الشعور بأنهم ضحايا عملية
استبعاد اجتماعي تدفعهم للانكفاء على
أنفسهم. وهذا هو وضع الفئة الأكثر شبابا.
فـ 32% من السكان أقل من 20 سنة: هذا يعني
الفوضى لهم وللجمهورية.
في
بعض الحالات لم تعد المدرسة والرياضة
تسمح بمقاومة هذا الانكفاء الاجتماعي؛
لأنهم لم يعد يمكنهم تحقيق دورهم في
إحداث الذوبان بين فئات المجتمع. فأبناء
الطبقات الوسطى يهربون إلى مدارس
القطاع الخاص فالمدارس أصبحت موحدة
اجتماعيّا وإثنيّا. كذلك فإن نمو الفرق
الرياضية داخل الأحياء لا يسمح
بالمواجهة بين الأوساط الاجتماعية أو
الثقافات في الملاعب، ففرق الأحياء لم
تعد تشترك في المنافسات المنظمة على
مستوى الدولة والتي كانت فيما سبق فرصة
للقاء. كذلك الممارسة النسائية للرياضة
أصبحت في تراجع ملحوظ في هذه الأحياء،
وأصبح الفتيات والنساء مستبعدين فعليّا
من الملاعب وحمامات السباحة، وبدأت بعض
النوادي النسائية أو المختلطة تختفي،
وأصبح ضعف الحوار بين الثقافات أو عدم
القيام بتقييم الثقافات في جو من
التفاهم والتواصل يؤدي إلى تدهور
الموقف. هذه المجموعة من الظواهر تنتهك
الثقة في الجمهورية (أو الدولة)
والانتماء للأمة. وهذا الوضع يغذي
انكفاء اجتماعيا مفروضا وغير مرغوب فيه
في كثير من الأحوال.
وهنا
نجد مجموعات سياسية – دينية تستغل هذه
الحالة من القلق الاجتماعي الحقيقي
لتجنيد أعضاء بها. وهم يقومون بتطوير
إستراتيجية هجومية ضد الأفراد حتى
يخضعوا لقانون المنطقة أو الحي. هذه
المجموعات تقوم بهذا الدور في الأحياء
المنبوذة أو المهشمة بإخضاع أهاليها
الأكثر ضعفا لخالة من التوتر المستمر.
وهذا
الأمر ينسحب على الضغوط التي تمارس على
الفتيات والنساء لكي ترتدي زيّ بعينه أو
تحترم رؤى دينية تتبناها هذه الجماعات
حتى لا يتم استبعادهن من الحياة
الاجتماعية.
3.
3. 2 – تهديدات موجهة إلى الحريات
الشخصية:
3.
3. 2. 1 – تراجع خطير في وضع المرأة:
"إن
وضع الفتيات في المدن أصبح يمثل مأساة
حقيقية"، بهذه الكلمات أوضحت مسئولة
اجتماعية أن أول الضحايا لتدهور الوضع
الاجتماعي هي المرأة. امرأة أخرى، تم
الاستماع إليها في جلسة مغلقة نظرا
للتهديدات التي تخشاها على نفسها لخصت
الموقف في هذه الكلمات: "الجمهورية لم
تعد تحمي أبنائها".
إن
الفتاة اليوم أصبحت ضحية لهجمة جديدة ضد
الأنثى تترجم في صورة ضغوط عديدة وعنف
كلامي ونفسي وجسدي. ويقوم بعض الفتيان
بإجبارها على ارتداء ملابس تغطيها
تماما وبخفض البصر عند رؤية أي رجل،
وإذا لم تخضع الفتاة لهذه الأوامر فهي
توصف بالمنحرفة. كثير من المؤسسات يثير
قلقها الاستقالات المتزايدة من جانب
العاملات من أصول أجنبية بسبب رفض
المحيطين بهن انخراطهن في الحياة
الجماعية.
في
هذا الإطار نجد بعض الفتيات والنساء
يرتدين الحجاب طواعية، ولكن أخريات
يرتدينه تحت الضغوط. والأمر ينطبق على
الفتيات الصغيرات اللاتي لم يصلن إلى سن
المراهقة، حيث يتم إجبارهن على ارتداء
الحجاب بالعنف. والفتيات، عندما
يتحجبن، يمكنهن نزول سلالم العمارات
الكبيرة دون خشية تعرضهن لسوء معاملة أو
ألفاظ جارحة كما كن يتعرضن له قبل
الحجاب. هكذا يوفر الحجاب الحماية التي
يجب أن تضمنها الدولة. واللاتي لا
يرتدينه، ويرون فيه رمزا للدونية يؤدي
إلى انغلاق المرأة وعزلتها، يتم وصفهن
بالكفر والفجر.
ونجد
أن بعض الفتيات يتعرضن لصور أخرى من
العنف: بتر لأعضائهن الجنسية، تعدد
الزوجات، طرد. ونظام الأحوال الشخصية لا
يتمكن دائما من هؤلاء الفتيات،
فاستنادا إلى اتفاقات مزدوجة يكون
للدولة المنشأ حق تطبيق قانونها عليهن
بما في ذلك مواقف تتعارض تماما مع
المساواة بين الجنسين والحقوق الأساسية
للمرأة، ففي بعض المجتمعات داخل فرنسا
خاصة التركية والمغربية والأفريقية
والباكستانية يتم إجبار الفتاة على
الزواج. فالعائلات لكي تتفادى وقوع
بناتهن في الاستقلالية والحرية تقوم
باستجلاب عريس لهن من الخارج (بلد
المنشأ)، ونلاحظ أنه قد يحدث هذا أيضا
للأبناء. وأحيانا أخرى يتم زواج الفتاة
خلال الإجازة في بلد المنشأ؛ مما يعني
توقفها عن مواصلة مسيرة التعلم.
اللجنة
هنا تحيي الشجاعة التي عبرت بها بعض
النساء والفتيات عن وضعهن خلال تقديمهن
لشهادتهن خلال جلسات الاستماع. بعضهن
رفض الكلام إلا في جلسات استماع مغلقة.
واحدة منهن بعد موافقتها على الشهادة في
جلسة علنية يتم بثها على قناة PUBLIC-SéNAT
تلقت تهديدات.
إن
حقوقا أساسية للمرأة يتم الاستهزاء بها
اليوم بصفة مستمرة في بلادنا، وهذا وضع
غير مقبول.
3.
3. 2. 2 – مظاهرات عنصرية ضد الأجانب:
أكد
العديد من الذين استمعت إليهم اللجنة
إلى شعورهم بالكراهية المعلنة تجاه
المسلمين. فهناك وقائع تصل إلى انتهاك
حرمة القبور وعنف جسدي تعبر عن نوع من
الكراهية ضد الإسلام. هذه العنصرية تجاه
المسلمين جاءت لتحل محل أعمال عنصرية ضد
المغاربة والأتراك، يتم تصنيفهم ضمن
هوية دينية مفترضة متجاهلين الأبعاد
الأخرى لانتماءاتهم الثقافية. ويضاعف
من هذا الخلط إضافة فكرة تداخل الإسلام
مع التطرف السياسي والديني، متناسين أن
الأغلبية العظمى من المسلمين يدينون
بعقيدة تتمشى تماما مع قوانين الدولة.
3.
3. 2. 3 – تنامي حركة جديدة ضد السامية:
مع
تزايد التهديدات ضد العلمانية تزايد
العنف تجاه الأشخاص المنتمين للجماعة
اليهودية. ويزيد هذا العداء ضد السامية
اشتعالا، في فرنسا وفي دول أوربية أخرى،
صور الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.
ومهما كان السخط الذي تثيره هذه الصور
ومهما كان موقف تأييد البعض لطرف في هذا
الصراع إلا أن هذا لا يمكن أن يترجم على
أرض الجمهورية في صورة أفعال أو كلام. أي
عمل أو أي عنف أو أي قذف ضد السامية هو
موقف مرفوض، ويجب معاقبته بشدة تبعا
للقانون. في عام 2002 يعتبر العنف ضد
السامية النسبة الأكبر ضمن مجموع أعمال
العنف العنصرية في فرنسا: فهناك 200 فعل
أو أكثر من 730 تهديدا ضد ساميين تم
تسجيلهم في وزارة الداخلية.
وقد
بلغ عدد من الممثلين للجماعة اليهودية
في فرنسا للجنة عن جو الخوف الذي تعيش
فيه الأسر اليهودية. ويتواجد العنف ضد
السامية بصورة أكبر في المدارس، الكلمة
النابية المعتادة في وقت الفسحة هو “Sale
juif” "يهودي قذر"، وتُرفض أحيانا
الحصص التي تتعرض فيها المناهج إلى
تاريخ الجماعة اليهودية. وبسبب
انتمائهم الديني يجد بعض الأطفال
أنفسهم مضطهدين من زملائهم في الفصل.
وارتداء القلنسوة عند الخروج من
المدرسة أو في الشارع أو في وسائل
المواصلات العامة يمكن أن يكون خطرا.
وخلال الاستماع لـ 220 طالبا من مدارس
الليسيه أعلن أحدهم، بدون أن يكذبه أحد،
أنه لا يمكن لطالب يهودي أن يرتدي
القلنسوة في المدرسة وإلا تعرض لأذى
كبير من مجموع زملائه.
وأمام
هذا العنف اضطر بعض التلاميذ للانسحاب
من المدارس العامة والانتقال إلى مدارس
أخرى. وفي هذا الإطار وجدنا أن طلبات
الالتحاق بالمدارس اليهودية
والكاثوليكية قد ارتفعت بصورة واضحة في
بداية العام الدراسي 2003. هذه التهديدات
لا تتوجه فقط إلى التلاميذ بل أيضا إلى
المدرسين الذين اضطر بعضهم إلى ترك
التعليم العام نظرا للصعوبات التي
واجهوها نظرا لاسم العائلة الذي يوضح
انتماءهم الديني.
3.
3. 3 – حالات من التمييز العنصري
المتزايد:
إن
وجود التمييز العنصري يؤدي إلى إضعاف
العلمانية. إن التمييز في سوق العمل
يدفع ضحاياه إلى اليأس من النموذج
الجمهوري وقيمه. فعندما يدرك فرد متقدم
لعمل ما أن اسمه أو اسم عائلته يمثل
عائقا في سبيل الحصول على العمل، فإنه
لا يسعه إلا أن يشعر بالظلم الذي لا
يمكنه مواجهته. هل يجب اللجوء إلى تغيير
اسم الشخص للحصول على عمل؟ هذا الفقدان
للهوية يدفع إلى الشك في حقيقة المساواة
والاحترام الحقيقي لكل الرجال والنساء.
ويذكر في هذا المجال ما يسمى "بالسقف
الزجاجي" وهو العائق غير المرئي الذي
يحول دون الصعود الاجتماعي، وهذا يكرر
تجربة التمييز ضد المرأة التي عانى منها
المهاجرون وقد استخدموا فيها نفس
المصطلح. إذا كان اللقب أو العلامة
المعينة المعبرة عن الأصل يمثلان عائقا
للقبول الاجتماعي والاقتصادي، وعائقا
أمام الاعتراف الحقيقي بالإمكانيات
المكتسبة فإنه ليس من المستغرب أن ينمو
الفرد بشعور الضحية مما يدفعه كرد فعل
إلى إعادة التأكيد على أصوله وعلى
التعظيم المتشنج للفروق بين الرؤيتين.
وهنا يكون التخبط المجتمعي قريبا جدّا.
هذه الظاهرة ما زالت محدودة، ولكن يجب
ألا نقلل من شأن مخاطرها إذا استمرت. إن
الذين راهنوا على التقدم من خلال
الدراسة والحصول على المعارف كانوا
يظنون أنهم "أبناء الجمهورية"،
ولكن في سوق العمل وجدوا أمامهم الأبواب
موصدة.
نفس
هذا التحليل ينطبق على الحصول على
المسكن رغم صعوبة رصد هذا الأمر. لا يمكن
إنكار سمو وعظمة المبادئ بسبب ضحالة
التطبيق العملي لها، إلا إذا كنا نسعى
إلى استثمار الشعور بالإحباط لأغراض
خاصة. العلمانية لا تستطيع أن تفعل كل
شيء. إنها تؤكد في الوقت نفسه على حقوق
وواجبات معينة. إن بعض المواقف
الاجتماعية تفقد الإيمان بالحقوق مما
يجعل أولئك الضحايا غير مستعدين لتحمل
واجباتهم.
تابع
بقية التقرير:
|