|
بصفة
أساسية فإن العلمانية تتبع نظاما
قانونيا محددا، مصدره قانون 9 ديسمبر 1905
بخصوص الفصل بين الكنائس والدولة: إن
الجمهورية علمانية وتحترم جميع العقائد.
ويتبع هذا المبدأ الأساسي عدة التزامات
قانونية بالنسبة للمستخدمين وبالنسبة
للخدمات العامة بدءا من وزارة التربية
القومية (التربية والتعليم). ولكن هذا
النظام القضائي بعيد كل البعد عن كونه
كتلة صماء. فإنه متشتت في عدة مصادر
قانونية ومتنوع؛ إذ إن العلمانية ليس
لها نفس الملامح في باريس مثلها في
ستراسبورج أو كايان أو مايوت.
2.
1 – مادة عمل قانون مشتت
2.
2 – ضرورة مزدوجة
2.
3 – اتجاه أوربي
2.
1 – مادة عمل قانون مشتت:
مادة
العمل القانوني بالنسبة للعلمانية
محددة أكثر مما يمكن تصوره. فمنذ
الدستور (الكونستيتوسيون) في 1946. اتخذ
مبدأ العلمانية قيمة تأسيسية، فمادة (الكونستيتوسيون)
في عام 1958 تكرر المادة الأولى في
الدستور (الكونستيتوسيون) في 1946، وهي
تؤكد أن "فرنسا جمهورية لا تنقسم،
علمانية، ديمقراطية واجتماعية".
وبذلك تم رفع العلمانية إلى أقصى نقطة
في سلم القواعد.
ولكن
على المستوى التأسيسي لم تحظَ
العلمانية بتشريع قانون مستفيض من قبل
المجلس التأسيسي مثلما حدث في حرية
الضمير والرأي.
لقد
أكدت قوانين كبرى على التأكيد القانوني
لمبدأ العلمانية. فقد تم ذكر القوانين
المدرسية في 28 مارس 1882 بشأن التعليم
الابتدائي الإجباري وفي 30 أكتوبر 1886
بشأن تنظيم التعليم الابتدائي. لكن
القانون الكبير هو قانون 9 ديسمبر 1905
المتمم بقانون 2 يناير 1907 بشأن الممارسة
العامة للديانات.
بجانب
هذه النصوص المؤسسة فإن المادة
القانونية مكونة من ترتيبات موزعة على
كثير من نصوص القوانين، إن النظام
القانوني للعلمانية لا يشكل مجموعة
منظمة بل هو بالأصح مجموعة مبعثرة من
النصوص، صدرت أساسا من المبادئ المؤسسة
لقانون 1905 ومرتبطة بظهور مسائل متعلقة
بقانون الفصل. في هذا البازل المبعثر
كان دور القاضي وبالأخص في مجلس الدولة
أن ينظم الأمور. وكما قال البروفسير
ريفيرو ففي هذا المجال الذي له "رائحة
البارود" كان عليه في أغلب الأحيان أن
يلعب دور المنسق الاجتماعي للعلمانية
ويستخلص القاعدة القانونية من
الإجراءات التأسيسية ومن المعاهدات
الدولية وكذلك من القواعد المطبقة -
قوانين، مبادئ عامة للقانون، تشريع
في
مجال القانون الدولي فقد تم معالجة
موضوع الحرية الدينية في نصوص، مثل
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10
ديسمبر 1948 وليس له أي قيمة قانونية
ملزمة، معاهدة محاربة التفرقة في مجال
التعليم والتي تبنتها اليونسكو،
الوثيقتين الدوليتين لهيئة الأمم
المتحدة في 19 ديسمبر 1966 بشأن الحقوق
المدنية والسياسية من ناحية والشئون
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من
ناحية أخرى. إن الاتحاد الأوربي -والحوار
الحالي على- ذكر الميراث الديني في
المعاهدة يشهد بذلك - لا يشمل ذكر مبدأ
الفصل بين السلطة السياسية والسلطة
الدينية أو الروحية. وبالرغم من ذلك فإن
التكوين السياسي للاتحاد الأوربي لا
يرتكز على أي أساس ديني ويلائم في
الواقع ضرورات العلمانية حتى لو كان
يفضل على المستوى الأوربي استخدام لفظ
Seculausation (علمانية).
بالنسبة
للمعاهدة الأوربية لحقوق الإنسان
والحريات الأساسية فإن المادة 9 تحمي
الحرية الدينية دون أن تجعلها حقا مطلقا.
إن الدولة يمكن أن تضع لها حدودا في ظل
ثلاثة شروط: أن هذا التدخل يكون موجودا
في القانون أن تكون مرتبطة بهدف قانوني
وأن تكون ضرورية في مجتمع ديمقراطي.
وعلى أساس هذه المادة 9 اضطرت المحكمة أن
تدرس مواضيع مرتبطة بالعلمانية. إن
تناول المحكمة يرتكز على الاعتراف
بتقاليد كل بلد، دون محاولة فرض نموذج
موحد للعلاقات بين الكنيسة والدولة.
في
مرسوم jhalouve tsedek Chaiore ضد فرنسا في 27 يونيو
2000 لجأت المحكمة إلى صيغة بها حرص: "نظرا
لهامش التقدير الذي يجب تركه لكل دولة،
خاصة لوضع علاقات حساسة بين الكنائس
والدولة". إن مرسوم رفاه بارتسيى (حزب
الرفاه) وآخرين ضد تركيا في 13 فبراير 2003
يعتبر مثاليا في هذا الصدد. لقد منعت
الحكومة التركية الرفاه وهو حزب إسلامي.
وقد قدرت المحكمة التأسيسية في تركيا أن
المشروع السياسي للرفاه خطر على الحقوق
والحريات التي يضمنها الدستور التركي،
ومن ضمنها العلمانية، وأنه كانت هناك
فرص حقيقية لتطبيق برنامجها إذا وصلت
إلى السلطة. وقد أيقنت المحكمة الأوربية
لحقوق الإنسان أن العلمانية تحتل مكانة
كبيرة في دستور للحكومة التركية وبذلك
قبلت أن يتم حل حزب الرفاه دون أن يكون
هناك مساس بالمعاهدة الأوربية، وبذلك
أخذت التشريعات القومية في الاعتبار
خطر مثل هذا الحزب بالنسبة للديمقراطية.
وعلى
أساس هذا المنطق فقد أصدرت المحكمة عدة
قرارات في مواضيع العلمانية وهي تؤكد من
خلالها ضرورات مماثلة لضرورات التشريع
الفرنسي بشأن مواضيع تخص العوامل
العامة كما تخص المستخدمين. فبالنسبة
للعوامل العامة وفي مرسوم القبول
المسمى دهلب ضد سويسرا في 15 فبراير 2001
الخاص بمدرسة في جينيف كان قد طبق عليها
إجراءات تأديبية لأنها رفضت خلع
الحجاب، فقد رفضت محكمة ستراسبورج
الطلب لأن منع لبس الحجاب في إطار نشاط
التعليم الابتدائي يمثل خطوة ضرورية في
مجتمع ديمقراطي. وفي المرسوم كالاس ضد
تركيا في 1 يوليو 1997 وافقت المحكمة على
العقاب التأديبي ضد ضابط اتجه إلى
الدعوة الدينية، أما بالنسبة
للمستخدمين فقد اعترفت المحكمة أيضا
بإمكانية تحديد الممارسة الكاملة
للحرية الدينية. في مرسوم كارادوم ضد
تركيا في 3 مايو 1993 فقد وافقت المحكمة
على حظر لبس علامات دينية في المؤسسات
التعليمية العليا العامة التركية بعد
أن لاحظت وجود تعليم خاص مواز للتعليم
العام وذلك نظرا لضرورة حماية المرأة من
الضغوط. وفي القرار فالساميس ضد اليونان
في 6 يوليو 1995 رأت أن الطالبة لا يصح لها
أن تتذرع بمعتقداتها الدينية لترفض
الانصياع لنظام المدرسة. إن هذا التشريع
يوضح أن الحرية الدينية تجد أيضا حدودا
في المواجهة مع ضرورات العلمانية.
إن
هذا التشريع يظهر أن العلمانية لا
تتعارض، في حد ذاتها، مع الحرية
الدينية، كما تحمها المعاهدة الأوربية
للمحافظة على حقوق الإنسان والحريات
الأساسية.
2.
2 – ضرورة مزدوجة:
على
أساس هذه النصوص يحمل مبدأ العلمانية
ضرورة مزدوجة: حيادية الدولة من ناحية
وحماية حرية الضمير من ناحية أخرى.
2.
2. 1 – حيادية الدولة:
إن
حيادية الدولة هي أول شروط العلمانية.
ففرنسا لا تعرف إذن موقف ديانة معترف
بها أو غير معترف بها. إن حيادية الدولة
ينتج عنها أساسا نتائج ضرورية.
من
ناحية فإن الحيادية والمساواة
متلازمتان. وكما سجلته المادة 2 من
الدستور فإن العلمانية تفرض على
الجمهورية أن تحافظ على "المساواة
أمام القانون لجميع المواطنين بغض
النظر عن أصلهم، عن جنسهم أو عن دينهم".
إن المستخدمين يجب أن يعاملوا بنفس
الطريقة أيا كانت معتقداتهم الدينية.
ومن
ناحية أخرى يجب على الإدارة، الخاضعة
للسلطة السياسية، أن تعطي ليس فقط
ضمانات الحيادية ولكن أن تقدم أيضا
المظاهر التي تمنع المستخدم من الشك في
حيادها. وهذا هو ما يسميه مجلس الدولة
واجب الحياد التام الذي يفرض على كل من
يساهم في الخدمة العامة (مجلس الدولة 3
مايو 1950 مدموازيل جاميه والمرسوم
الإشكالي في 3 مايو 2000 مدموازيل مارتو)
بقدر ما يكون العميل العام حرا في
التعبير عن آرائه ومعتقداته مع الحرص
على عدم تأثر هذه التعبيرات على أداء
الخدمة (مجلس الدولة في 28 إبريل 1958
مدموازيل فليس) بقدر ما عليه، في إطار
خدمته، أن يلتزم بالحيادية التامة. إن
أي تعبير عن معتقدات دينية في إطار
الخدمة ممنوع ولبس علامة دينية ممنوع
أيضا، حتى لو أن العميل ليس في علاقة
مباشرة بالجمهور. وحتى في التطلع إلى
وظائف عامة فإن الإدارة يمكنها أن تأخذ
في الاعتبار تصرف المرشح لدخول الخدمة
العامة إذا أعرب عن عدم إمكانية أداء
الوظيفة المرغوبة في أتم احترام
للمبادئ الجمهورية.
وعلى
المستوى المادي تلخص المادة 2 من قانون
1905 نتائج العلمانية: "إن الجمهورية لا
تعترف ولا تدفع ماهية ولا تمول أي ديانة"
لقد ساعدت هذه المادة على وضع أساس
تقييمي دقيق للتشريع الإداري لجميع
أشكال الإعانات، مستترة أو غير مباشرة،
لأي منظمة دينية (مجلس الدولة 9 أكتوبر
1992 حناحية سان لويس)، حتى لو
أمكن للقاضي الإداري أن يحتفظ ببعض
الاستثناءات. وقد اعتبر مجلس الدولة
بهذا الشكل أن الاشتراك في الميزانية
البلدية قانوني وذلك بدفع مبلغ "مخصص
لتمويل احتفال ديني من أجل عودة الموتى
من الجبهة" (مجلس الدولة 6 يناير 1922 بلدية
باركيوه).
وبصفة
عامة فقد احتفظ قانوننا -بعض الترتيبات
التي تسمح بمواءمة حيادية الدولة مع
ممارسة العمل الديني. وبرغم أن قانون 1905
يفصل الكنيسة عن الدولة فهي ترسي مراكز
تبرعات تكون مصروفاتها مسجلة في
ميزانية الإدارات والخدمات والهيئات
التي من الممكن أن تمنع ضرورات تشغيلها
من ضمان احترام الحرية الدينية. والشيء
نفسه بالنسبة للجيش والكليات والمدارس
الثانوية والسجون والمستشفيات، فضلا عن
ذلك فقد رأى حول فيري إرساء يوم عطلة
بالإضافة ليوم الأحد للسماح - بالتعليم
الديني، حق أُخذ من المادة ل. 141 – 3 من
تشريع التعليم. كذلك وبالرغم من أن
المدافن قد تم علمنتها فإن الممارسة قد
أخذت في الاعتبار بعض التقاليد الخاصة
بالديانة اليهودية والديانة المسلمة.
أخيرا، ومنذ قانون 1987 فإن الهبات
الممنوحة للمنظمات الدينية تستفيد من
نظام ضريبي أكثر تميزا تماثلها
بالمنظمات ذات الفائدة العامة.
إن
ضرورات الحيادية المطلقة قد خُففت إذن
بـ "ترتيبات عاقلة" تمكن كل شخص من
ممارسة حريته الدينية.
2.
2. 2 – حرية الضميـر:
إن
العامود القانوني الثاني للعلمانية هو
بالطبع حرية الضمير مع فرعه وهو حرية
الديانة - على المستوى القانوني لم تكن
العلمانية أداة لمنع الاختيارات
الروحية على حساب الأديان وأنها كانت
التأكيد على حرية الضمير الديني
والفلسفي للجميع. فيجب مواءمة مبادئ
الفصل بين الكنائس والدولة مع حماية
حرية الرأي، "حتى الديني"، في
إعلان حقوق الإنسان والمواطن، وفي
الأساس فإن المادة القانونية وخاصة
التشريع الإداري حاولوا ضمان الممارسة
الفعلية للديانة حين لا تعكر النظام
العام (ارجع أيضا إلى نتائج محقق
الحكومة كورنيل في مرسوم مجلس الدولة لـ
10 أغسطس 1907 بالدى).
إن
أول شيء هو حماية حرية ممارسة الديانة
وضمانها بالفعل فمنذ قانون 1905 تم إعادة
أملاك منقولة وغير منقولة للدولة فهي
تتكفل إذن جميع المصاريف وهذا أمر لا
يُستهان به خاصة بالنسبة لمبان دينية
تحتاج لصيانة مكلفة. ومن ناحية أخرى فإن
المباني المبنية منذ قانون الفصل تمثل
أملاك خاصة مبنية ويتم صيانتها من قبل
التابعين لديانة ما مع الأخذ في
الاعتبار الصعوبات المتمثلة في التمويل.
ومع ذلك يمكن للمجموعات المحلية إعطاء
ضمانات قروض وعقود طويلة المدى (99 عاما)
لتمويل أبنية دينية. للتأكد من ممارسة
الديانة توقع قانون 1905 أن تظل هذه
الأملاك في حيازة منظمات دينية يتم
تشكيلها. وقد وافق الكالفينيين
واللوثريين والإسرائيليين على إنشاء
هذه المنظمات، بالنسبة للكنيسة
الكاثوليكية كان يجب انتظار الحل
التوفيقي في 1924 حتى تتمكن المنظمات
اللاهوتية من مساواتها مع المنظمات
الدينية. هذه المنظمات الدينية
واللاهوتية تشكل لتحمل المصروفات
والصيانة والممارسة العامة للديانة.
ولا يجوز لها أي هدف آخر. إن التزاماتهم
محددة وقاهرة على المستوى القانوني
والحسابي. ولكن من ناحية أخرى تمتاز
بإمكانية قانونية مماثلة للمنظمات ذات
المنفعة العامة مما يسمح لها بالتالي
الحصول على عطاءات أو هبات. نستطيع أيضا
أن نجد منظمات مؤسَسة تحت سلطة قانون 1901
وتتحمل تنظيم ديانة طبقا لإمكانات
قانون 2 يناير 1907، ويمكنها بالتالي
الاضطلاع بأهداف أخرى سواء كانت دينية
أو اجتماعية أو تطوعية. ولكنها من جهة
أخرى لا تتميز بقدرة قانونية محدودة ولا
تستطيع تلقي هبات أو تبرعات. إن منظمات
قانون 1901 هذه محددة بالنسبة للديانة
الكاثوليكية أو البروتستانتية ولكنها
شائعة في العقائد الأخرى خاصة
الإسرائيلية والأرثودكسية والإسلامية.
بالسبة للباقي فممارسة الديانة حرة.
فمنذ قانون 28 مارس 1907 يجتمع أتباع أي
ديانة دون إنذار مسبق. كذلك أصبح رنين
الأجراس مسموح بعد أن كان محل جدال.
بالنسبة للمسيرات فقد قطع مجلس الدولة
الموضوع في حالة المسيرات الجنائزية،
لقد أوقف قرار تنظيم محلي كان قد منع
الجنازات بحجة أنها تضر بحياد الشارع (مجلس
الدولة 19 فبراير 1909 القس أوليفية). يرتكز
على هذا المرسوم كل التشريع الإداري
الذي يحمي المظاهر الخارجية للديانة مع
احترام العادات والتقاليد المحلية.
ولكن
كما هو الحال للحرية العامة فإن أي
تعبير عن حرية الضمير يمكن أن يحدد في
حالة تحديد النظام العام. أنه التطبيق
التقليدي لنظام الحريات العامة. لو أن
الحرية هي القاعدة والإجراء البوليسي
هو الاستثناء فإن السلطات العامة لها
دائما إمكانية أخذ الإجراءات التي تحدد
مظاهر حرية الضمير، تحت إشراف القاضي،
حتى تتجنب ما يهدد النظام العام (مجلس
الدولة 19 مايو بنيامين). إن المقارنة مع
قواعد قانون العمل في هذا المجال شيقة،
فنحن نجد نفس التأرجح بين ضرورات
متناقصة مؤقتا: حماية حرية الضمير
وإرادة وضع حدود ضرورية لحسن تنفيذ
ميثاق العمل.
إن
ميثاق العمل يحمي بشدة الحقوق الشخصية
والحريات الفردية للموظفين. إن
الاستثناءات الوحيدة المسموحة ضد
الحريات هي التي يكون لها تبرير في
طبيعة العمل وبالتناسب مع الهدف
المطلوب.
وهكذا
فإن المادة 1200 – 2 من قانون العمل تفترض
أن "لا يجوز لأي شخص أن يفرض
استثناءات على حقوق الأشخاص وعلى
الحريات الفردية والجماعية إلا لو كانت
مُبرَرة بطبيعة المهمة التي يجب
إنجازها ومتناسبة مع الهدف المطلوب".
وتحدد المادة ل 1220 – 135 من قانون العمل
أن التنظيم الداخلي "لا يمكن أن يفرض
استثناءات على حقوق الأشخاص وعلى
الحريات الفردية أو الجماعية إلا لو
كانت مُبَررَة بطبيعة المهمة التي يجب
إنجازها وبالتناسب مع الهدف المطلوب. لا
يجوز أن يحتوي على استعدادات تضر
الموظفين في وظيفتهم أو عملهم نظرا
لجنسهم أو عاداتهم أو اتجاهاتهم
الجنسية أو سنهم أو وصفهم العائلي أو
أصولهم أو آرائهم أو عقائدهم أو مظهرهم
الخارجي أو اسمهم أو إعاقتهم في حالة
مساواة الإمكانيات الوظيفية".
ومن
ناحية أخرى يحرم قانون العمل التفرقة
خاصة من حيث المعتقدات الدينية. المادة
ل 122 – 145 من قانون العمل توضح أن "لا
يصح عزل أي شخص من إجراء توظيف أو الحصول
على دورة تدريبية أو على فترة تدريب في
مصلحة، لا يجوز مجازاة أي موظف أو طرده
وتطبيق إجراء تفريقي، مباشر أو غير
مباشر وخاصة في مجال التقييم المادي أو
التدريب أو إعادة التأهيل أو اليقين أو
التقييم أو التقويم أو الترقية
الوظيفية أو النقل أو تجديد العقد وذلك
استنادا على أصله أو على جنسه أو على
عاداته أو على اتجاهاته الجنسية أو سنه
أو حالته العائلية أو خصائصه الجينية أو
انتمائه أو عدم انتمائه، حقيقي أو
مفترض، لجنس أو أمة أو سلالة، أو على
نشاطه النقابي أو اعتقاداته الدينية أو
مظهره الخارجي أو اسمه إلا في حالة عدم
تأهيله الذي يقره طبيب العمل في إطار
المادة 4 من الكتاب 2 للقانون الحالي
نظرا لحالته الصحية أو إعاقته".
بالرغم
من ذلك توصل القاضي القانوني إلى تخفيف
هذه المبادئ حتى تتواءم مع احترام قانون
العمل وتنفيذه. لقد بلورت هكذا الهيئة
التشريعية هذا الصراع الممكن بين
الحياة الوظيفية والشخصية، سواء أراد
صاحب عمل أن يحكم على تصرف أو مظهر موظف
واتخاذهم كذريعة لخطأ يوجب رفدهم، أو
حين يرى موظف أن له حق فرض بعض معتقداته
على القانون الوصفي.
في
الأصل فإن تصرف الموظف في حياته الشخصية
خارج وقت العمل وخارج مكان العمل لا
يمكن أن يُتخذَ ذريعة ضده. وعلى العكس
فإن الموظف مُطالَب بالامتثال لسلطة
صاحب عمله خلال وقت العمل. وحتى لو احتفظ
بالطبع بحقوقه وحريته التي ترجع إلى
حياته الشخصية والتي لا يمكن لصاحب
العمل أن يعترض عليها دون سبب أو بطريقة
غير متناسبة (محكمة النقض، الحجرة
الاجتماعية، 18 فبراير 1998)، فإنه
مطالباته يجب أن تواءم ضرورات العقد
وتنظيم العمل. وبالتالي فإن الموظف لا
يستطيع أن يطلب من صاحب عمله احترام
مظاهر معتقداته الدينية، في غياب ذكر
الواقع الديني في عقد العمل، سواء كان
يريد إعادة بدلات غذاء الظهر التي
يمنحها مجانا صاحب العمل والتي امتنع عن
تناوله لأسباب دينية (محكمة النقض،
الحجرة الاجتماعية 16 فبراير 1994)، أن
يرفض تنفيذ عمله كموظف في قسم الجزارة
نظرا لاضطراره التعامل مع لحم الخنزير (محكمة
النقض، الحجرة الاجتماعية، 24 مارس 1998)
أو يرفض لأسباب دينية التعرض لزيادة
طبية إجبارية (محكمة النقض، الحجرة
الاجتماعية، 29 مايو 1986).
بالنسبة
للبس الحجاب، القرارات الوحيدة صدرت من
قرارات تحكيم جلسة أولى أو استئناف. فقد
تم هكذا الحكم على رفض موظفة، بائعة في
مركز تجاري مفتوح لجمهور عريض، التنازل
على لبس حجاب واضح فضلا عن غطاء رأس بسيط
واعتُبر ذلك سببا حقيقيا وجادا لرفتها (محكمة
الاستئناف في باريس، الحجرة 18، 16 مارس
2001، مدام شارنى ضد هامون).
وبالعكس ومع غياب أي تبرير معقول لمنع
لبس الحجاب حيث إن الموظفة قد تم
تعيينها وهي ترتدي نفس هذا الحجاب، فإن
رفت الموظفة تم إلغائه بصفته عمل تفريقي
في معنى المادة ل. 122 – 145 من قانون العمل
(17 ديسمبر 2002 طاهر ضد تليير فورمونس
فرنسا).
إذن
الاتجاه هو أساسا اتجاه حالة بحالة. وفي
الأساس فإن القاضي القانوني يعترف
بالحقوق التي يعطيها احترام حرية
الضمير وهو يحرص على أن تتواءم الضرورات
مع حسن تنفيذ قانون العمل.
2.
2. 3 – نقاط التوتر:
إن
صعوبة الترجمة القانونية لمبدأ
العلمانية يمكن تفسيره بالتوتر بين
هذين القطبين غير المتعارضين ولكنهما
غير متواءمين أحيانا، حيادية الدولة
العلمانية والحرية الدينية. إن العلاقة
تكون حساسة حين يواجه المتعاملون مع
الخدمات العامة أو الموظفون العموميون
مواقف ممكن أن تؤثر على اعتقاداتهم
الدينية.
وهذا
هو الحال بالذات في حالة العوالم
المغلقة حيث تكون الحياة المشتركة لها
دور مهم. ويكون التوتر شديد في هذه
الحالة حيث ضرورات الخدمات العامة
مُفتَرض أن تظل سلبية ورغبه كل شخص في
فرض معتقداته الدينية بكل حرية.
هناك
مثال شيق وهو مثال الجيش. إن المادة 7 من
تنظيم رجال الجيش يضع كمبدأ أساسي حرية
رأي رجال الجيش، ولكن هذه الحرية لا
يمكن التعبير عنها إلا خارج الخدمة.
وحين يتم احترام هذا الشرط يصبح مؤكدا
حماية حرية الضمير حتى داخل نطاق الجيش.
إن نظام الخدمة الرهبانية في الجيش ييسر
أيضا الحرية الدينية. ولكن في إطار
الخدمة يُفرض واجب الحياد المطلق.
في
السجون تنظيم هذه الضرورات يتم في إطار
قانون النظام الجزائي. فالمصاحبة
الروحية للمساجين تؤخذ في الاعتبار. إن
وزير العدل يعين رجال دين من مختلف
الديانات بعد استشارة السلطة الدينية
المؤهلة. ورجال الدين هؤلاء مهمتهم
إعانة المساجين بانتظام وإقامة شعائرهم.
ويتم إعلام المساجين بهذه الإمكانية
حين حضورهم إلى المكان. مع ذلك فإن
احتياجات المحافظة على النظام العام
يجب أن تكون صارمة ويخضع إثبات الحرية
الشخصية لرقابة دقيقة من خلال تنظيم
داخلي ومعاقبة أي خطأ نظامي.
في
مجال الخدمة العامة في المستشفيات
تختلف طبيعة الإصابات الممكنة. فأعلب
المستخدمين غير مطالبين بالإقامة بصفة
دائمة في المستشفى وفي جميع الأحوال
الحياة المشتركة محدودة. يمكن وجود
صعوبات مرتبطة بتأكيد المعتقدات
الدينية في إطار خدمه عامة مُفتَرض أن
تكون سلبية. لكن أهم المشاكل ترجع في
الحقيقة لتنظيم الخدمة أخذ مطالبات
مرتبطة بتعليمات دينية يجب ألا يصل
لدرجة التأثير على مهام الخدمة العامة.
في
الإطار المدرسي تُطرح المشاكل بجدة
حقيقية. ففي وسط مغلق جزئيا يجب أن يتعلم
التلاميذ، المسئول عنهم خلال مدة زمنية
طويلة، على الحياة سويا في موقف يكونون
فيه في حالة هشة نوعا ما، ويكونون
مُعرَضين لمؤثرات وضغوط خارجية. إن أداء
المدرسة يجب أن يسمح لهم بالحصول على
أدوات فكرية هدفها تحقيق استقلالهم
النقدي حتى حين. وتخصيص مكان للتعبير عن
معتقدات روحية ودينية لا يعتبر أمر
مفروغ منه.
إن
وجود تعليم عقائدي بعقد مشاركة مع
الدولة يسمح لتأكيد الحرية الدينية
تماما مع الأخذ في الاعتبار الشخصية
الخاصة لدين معين. إن حرية التعليم
تعتبر مبدأ ذا قيمة دستورية بما أنها
مبدأ أساسي معترف به من قوانين
الجمهورية. وفي هذا الإطار من الواضح
أنه لا يوجد استعداد قانوني يعارض إنشاء
مدارس مسلمة. إن العلاقات بين الدولة
وبين والمؤسسات التعليمية الخاصة، التي
يتم أيضا حماية طابعها الخاص، قد تم
تحديدها بقانون دوبرية في 31 ديسمبر 1959.
في مقابل المساعدات المالية – أجور
المدرسين ومصاريف التشغيل يجب على
المؤسسات الخاصة أن تتبنى مناهج
التعليم العام وأن تستقبل جميع الأطفال
دون التفرقة بين الأصل أو الآراء أو
الأيمان "مع الاحترام التام لحرية
الضمير". إن الالتزام بصيانة المباني
الخاصة من خلال موارد عامه ممكن في حدود
10 % كما سمح به قانون فالو.
في
الإطار المدرسي، باستثناء مؤسسات
التعليم الخاص، يكون المواءمة بين حرية
الضمير ومتطلبات الحيادية في الخدمة
العامة عملية دقيقة للغاية. وقضية
الحجاب، بحجمها الإعلامي، تعتبر رمزا
لذلك، حين ظهرت المسألة الأولى لأول مرة
في 1989 فضّلت السلطة السياسية، نظرا
للانفعالات، الأخذ برأي مجلس الدولة.
لقد طلبت الحكومة فقط من مجلس الدولة أن
يعلن عن وضع القانون في فترة زمنية
محدودة. فضلا عن ذلك فقد كان الإطار
مختلف تماما عما هو عليه الآن.
فالمطالبات الجماعية والهواجس من تحريم
الخدمة العامة كانت محدودة للغاية. لقد
كان تناول مجلس الدولة ذا معنى حيث لم
يشر إلى موضوع التفرقة بين الرجال
والنساء.
إن
تطور أركان الحوار خلال 15 عاما يسمح
بقياس قوة تصاعد المشكلة.
إن
الهيئة العامة لمجلس الدولة قد أبدت
رأيها في 27 نوفمبر 1989. فقد كان يجب
مواءمة القواعد الدولية والقومية التي
تحمي حرية الضمير من ناحية والمبدأ
الدستوري للعلمانية في الدولة من ناحية
أخرى. وقد كان ظاهرا بصفة خاصة في هذا
الإطار قانون التوجيه في التربية في 10
يوليو 1989 الذي يخصص في المادة 10 بشكل عام
حرية تعبير التلاميذ لم يكن في مقدور
مجلس الدولة إلا أن يلاحظ تأكيد حق،
معترف به من المشّرع، لتعبير التلاميذ
في المنشآت العامة، إن الرأي يقول إن
مبدأ العلمانية يفرض أن "يُعطَي
التعليم في الاحترام من ناحية بحادية
المناهج والمدرسين ومن ناحية أخرى في
حرية ضمير التلاميذ".
إن
مجلس الدولة يعترف على هذا الأساس مبدأ
حرية التلاميذ لارتداء علامات دينية في
الإطار المدرسي لكنه رأى أن يضع إطارا
لهذا الحق المعترف به قانونا للتعبير من
خلال الضرورات الملازمة لحركة الخدمة
العامة، وهو بذلك يحاول أن يحافظ على أي
إعادة تناول للموضوع بالمواءمة بين
الحق في التعبير المعترف به قانونا وبين
احترام ضرورات الخدمة العامة. لقد
وضع مجلس الدولة هكذا أربعة من
التكليفات:
1-
يتم منع أعمال الضغط أو الاستفزاز أو
الدعوة أو البروباجندا (الدعاية).
2-
يتم رفض التصرفات التي تمس الكرامة أو
التعددية أو حرية التلميذ أو أي عضو من
الجماعة التعليمية، كما يتم رفض
التصرفات التي تضر بصحتهم أو أمنهم.
3-
يتم منع أي اضطراب لمسيرة النشاط
التعليمي، للدور التربوي للمدرسين أو
أي اضطراب يمس نظام المنشأة أو سير
الخدمة الطبيعية.
4-
لا يُمَس المهمات الموكلة للخدمة
العامة للتعليم بتصرفات التلاميذ وخاصة
محتوى المناهج وضرورة الالتزام بالحضور.
فبصفة
عامة العلامات الدينية ليست ممنوعة في
حد ذاتها ولكن يمكن أن تُمنَع لو اتخذت
مظهرا واضحا أو مطلبا بحقوق. فلم يكن
بوسع مجلس الدولة أن يدعو إلا لتقدير
حالة بحالة تحت رقابة القاضي.
إن
التشريع السابق يعتبر امتدادا للرأي.
لقد تأثر بالصعوبة التي واجهتها إدارة
التربية القومية لشرح هذه القواعد
القانونية على مستوى العمداء. وقد تُرجم
ذلك بعديد من الإلغاءات لم تعبر بحق عن
احتياجات القاضي. وهكـذا اضطر القاضي أن
يفرض تعليمات تمنع مبدئيا ارتداء أي
علامـة دينية (راجـع على سبيل المثال
مجلس الدولـة 2 نوفمبر 1992 خرواء). إن هذا
المنع لم يُقبل بشكل جيد؛ حيث إن فرض
التعليمات كان يمكن أن يُبرَر بالتخاذل
لضرورات الانتظام أو الاستمرارية أو
النظام العام.
ومع
ذلك فإن هذا المنع يجب ألا يخفي صرامة
القاضي في مواقف أخرى. وهكذا فإن عدم
الالتزام بقاعة الانتظام لا تُقبَل إلا
لو لم تتعارض مع إتمام المهام الملازمة
للدراسة ومع احترام النظام العام داخل
المنشأة (مجلس الدولة 14 إبريل 1995 كون
والمجمع الرئيسي للإسرائيليين في فرنسا).
إن رفض حضور بعض الحصص، مثل حصة التربية
البدنية والرياضة مرفوض (مجلس الدولة 27
نوفمبر 1996 أطوف وفي نفس التاريخ ويسادان).
من الممكن مطالبة طالبة أن تخلع حجابها
خلال حصة تربية رياضية لضمان حسن سير
الحصة (مجلس الدولة 10 مارس 1995 الزوجين أو
كيلي).
وأخيرا
فإن أي مظاهر دينية داخل المنشأة تعاقب
بشدة وتمثل اضطرابا خطيرا لسير العمل في
المنشأة (مجلس الدولة 27 نوفمبر 1996 الرابطة
الإسلامية في الشمال).
إن
هذا التشريع بعيد تماما عن أي تسيب وذلك
عكس الصورة التي قد يمكن أن توحيه بعض
المراسيم التي صُعّدت إعلاميا من حيث
تمنع بعض القواعد الداخلية أو تعرض
إجراءات عزل. ومهما كان التعليق على هذا
الموضوع فيجب الاعتراف بفضل مجلس
الدولة الذي واجه على مدى 15 عاما موقفا
متفجرا لم يشأ المشّرع أن يتناوله. ولكن
هذا التشريع اصطدم بثلاث صعوبات. أولا
تبني سياسة حالة بحالة افترضت إمكانية
رؤساء المنشآت تحمل مسئولياتهم، ولكنهم
كانوا معزولين في كثير من الأحيان في
بيئة صعبه. ومن ناحية ثانية لم ير القاضي
ضروريا أن يدخل في تأويل معنى العلامات
الدينية وقد كان هذا في إطار الحدود
اللازمة لتعرض القاضي؛ إذ إنه رأى أنه
من المستحيل أن يدخل في تأويل معين
يعطيه دين لهذه العلامة أو تلك.
وبالتالي فلم يستطع أن يتناول التفريق
بين الرجل والمرأة وهذا التفريق مخالف
للمبدأ الأساسي للجمهورية المرتبط
بارتداء الحجاب من قبل بعض الفتيات.
وأخيرا وفي المقام الثالث فإن التشريع
قد منع العلامات الواضحة كوسيط للدعوة؛
ولكن عمليا كان من المستحيل بالنسبة
لرؤساء المنشآت وضع حدود بين العلامة
الواضحة غير الظاهرة والعلامة غير
الواضحة الظاهرة.
2.
3 – اتجاه أوربي:
هل
العلمانية خاصية فرنسية؟ إن فرنسا هي
الدولة الأوربية الوحيدة التي ذكرت
صراحة العلمانية في الدستور. نفس اللفظ
يظهر بصفة عفوية في القانون الأساسي
الألماني، حيث تذكر المادة 7 المدارس
"العلمانية"، ولكن النص نفسه ليس
له أسس علمانية. ففي الواقع يُعلن تبعا
لله: "الشعب الألماني (...) مسئول أمام
الله وأمام الناس". بالنسبة للعلاقات
بين الدولة والكنائس يمكن ملاحظة ثلاثة
نماذج بين دول الاتحاد الأوربي.
الأول،
وهو الأبعد عن التناول الفرنسي، يتوافق
مع بلاد تعترف بدين دولة. في إنجلترا،
الملكة "الحاكم الأعظم" تعيّن
الأرشيفلية للكنيسة الإنجليكية.
اليونان تذكر في "مقدمتها" الثالوث
المقدس، أساسي وخفي "وتعين الكنيسة
اليونانية الأرثوذوكسية كدين الدولة.
في فنلندا يعتبر البروتستانتية
اللوثرية والكنيسة الأرثوذوكسية
معاونين للأحوال المدنية. في الدانمرك
الكنيسة البروتستانتية اللوثرية تحصل
على إعانات عامة لنشاطها في الأحوال
المدنية والصحة والتعليم.
النموذج
الثاني يدمج الفصل بين الكنائس والدولة
مع وضع رسمي يُمنح لبعض الأديان. في
ألمانيا الأديان المعترف بها لها الحق
في منح تعليم ديني في المدارس وهي تحصل
على جزء من الضرائب على العائد،
الكيرشنستوير النظام النمساوي يتبع نفس
النهج. في لوكسمبورج يُعترف بالأديان
الأربعة، الكاثوليكية والبروتستانتية
والأرثوذكسية واليهودية؛ وذلك تبعا
للأساس القانوني للتنظيم النابولوني.
النموذج
الثالث السائد في الاتحاد الأوربي
يتوافق عن نظام الفصل البسيط بين
الكنائس والدولة. قبل فرنسا وضعت هولندا
منذ 1795 نهاية لسيطرة الكنيسة المُصلَحة.
نظام الفصل، وقد أسس في 1798، تم تطبيقه في
مجالات التعليم –مع تمويل مماثل
للتعليم العام والعقائدي– والصحة
والشئون الاجتماعية وهو يرتكز على
أربعة مبادئ مماثلة لمبادئ فرنسا:
الدولة لا تتدخل في محتوى القالب
الديني، لا تعتني بتنظيم الأديان؛
يعامل بالمثل الأديان والفلسفات
الإنسانية؛ لا توجد أديان موضوعة أو
أديان ممنوعة. إن البرتغال قد غير في 1971
نظام 1940 الذي لا ينطبق إلا على الكنيسة
الكاثوليكية وتبنى في 2001 قانونا للحرية
الدينية يمتد إلى جميع العقائد، ويشمل
الميزات التي كانت مخصصة للكنيسة
الكاثوليكية وحدها: إعفاءات ضريبية،
دور تسجيل المواليد والزيجات، أماكن
الشعائر... وقد شاهدت أسبانيا تطورا
مماثلا؛ دستور 1978 أولا ثم قانون الحرية
الدينية في 1980 ينظمون الفصل بين السلطة
السياسية والكنائس. في عام 2000 وضعت
السويد حدا لكنيسة الدولة التي كانت
امتياز الكنيسة اللوثرية إنه هناك
اتجاه للتقارب بين الأنظمة الأوربية
يتمثل في الفصل بين الكنائس والدولة.
وعلى صعيد آخر هناك تباين متزايد بين
أوربا التي تتميز بعلمانية متنامية –وهذا
لا يعني بالضرورة انحسار للأديان–
والولايات المتحدة، حيث يمتزج الدين
بأعماق المجتمع.
بغض
النظر عن المظاهر القانونية فإن الدول
الأوربية تواجه في الحقيقة نفس أنواع
التطور المرتبطة باستقرار شعوب مهاجرة
على أرضها ولها أديان لم تكن ممثلة من
قبل. إن فرنسا نظرا لأهمية وقدم
التيارات المهاجرة، وقد واجهت هذه
الظاهرة أولا، ثم تبعتها المملكة
المتحدة وألمانيا وإيطاليا التي تشجع
المفاوضات الثنائية بين الدولة
والكنائس -تابعت باهتمام إنشاء المجلس
الفرنسي للدين الإسلامي. إن كل دولة
تواجه هذا التحدي الجديد بتراثها الخاص.
إن
المطالبات الدينية متعددة تبعا لثقافات
كل مجموعة مهاجرين. إن معظم البلاد
الأوربية قد اختارت المنطق الجماعي.
ولكن مع تصاعد التوتر، انعكس الاتجـاه
الآن وبدأ يعود نحو سياسة انتماء أكثر
تطوعا.
في
ألمانيا، حيث كانت الحروب الدينية أكثر
شراسة أصبحت الحرية الدينية محورية وكل
سيطرة للسلطة السياسية مرفوضة. إن هذه
المواضيع مسئولية "اللاندر" وليست
مسئولية السلطة الفيدرالية. منذ عشر
سنوات تزايدت المشاكل وخاصة في المدرسة.
في بافيار ومنذ مرسوم 1995 الصادر من
المحكمة الدستورية يمكن رفع الصلبان من
فصول الدراسة عند طلب أي تلميذ.
وأخيرا
طالب المدرسات بحق التدريس وهن يردن
الحجاب. أما مرسوم لودن الصادر في 24
سبتمبر 2003 فهو يعترف مضمونا بإمكانية
منع ارتداء المدرسين بالقانون لعلامات
دينية. اللاندر في بافيار وبادورتمبرج
يستعدون لتبني قانون بهذا المعنى يمنع
فقط ارتداء المدرسات للحجاب الإسلامي.
وأخيرا
فقد طالب ممثلون للجماعة الإسلامية
بإمكانية إعطاء دروس دين في المدرسة
مثلها مثل العقائد الأخرى. إن حركة
ميللي جورو مسئولة عن تعليم من هذا
النوع منذ عدة سنوات رغم اعتراض التنظيم
الرسمي للإسلام التركي الممثل بالديتيب
DITIB إن هذا التطور يصطدم بعائقين: تأهيل
أساتذة وغياب متحدث ممثل عن الإسلام.
وتدريجيّا
فقد انتقل الحوار اليوم نحو عالم العمل.
فقد صدرت مراسيم جديدة من لوندسار بيسجر
يخت حول حق السائق السيخي في ارتداء
رباط رأس خلال ساعات العمل أو تسريح
عاملة تعمل في قسم الروائح في محل كبير
ورفضت خلع الحجاب، وقد كان اتجاه الحلول
هو المواءمة بين حماية حرية التعبير عن
المعتقدات الدينيـة واحترام عقد العمل.
وفي
الخدمات العامة فهناك مطالبات جماعية
مثل وضع حصص زمنية غير مختلطة للدخول
إلى حمامات السباحة.
إن
انتقال اللجنة إلى برلين بقياس الصعوبة
التي تواجهها ألمانيا لمواءمة ضرورتين:
الرغبة
في منح نفس الحقوق للإسلام مثله مثل
الأديان الأخرى، والخشية من فتح مساحات
تأثير لجناح نشط لا يعتبر الإسلام دينا
فقط، وإنما مشروع سياسي شامل.
إن
هولندا قد تقدمت كثيرا على طريق الحياة
الجماعية وذلك بدءا من 1960 كل التنظيم
الاجتماعي الهولندي مؤسس حول "أعمدة"
يرتبط بها الأشخاص وبالذات بالنسبة
لانتمائهم الديني أو الروحي. ويقابل كل
واحد من هذه الأعمدة تنظيم خاص يتضمن
مستشفياته ومدارسه ونواديه الرياضية
وصحفه ونقاباته... وقد انصبت المجاميع
المهاجرة في هذا القالب مع تشجيع
التنظيمات الجماعية. واليوم تعتبر
الحكومة نفسها قضية الاندماج في هولندا
قضية معلقة نتيجة لعدة تقارير تقيمية.
فبعض الباحثين، مثل هرمان فيليبس، قد
تحدثوا عن قبلية هولندا. إنهم يتجمعون
في أحياء جماعية. والتلاميذ ذو أصول
مهاجرة يجتمعون في منشآت تسمى "بالمدارس
السوداء"، إن تقسيم مساحة المدينة
إلى تجمعات بهذا الشكل يقلق في بلد
يعتبر تركيز مجموع المهاجرين والسيطرة
على المساحة عنصرا سياسيا أساسيا، ليست
هناك سيطرة على اللغة الهولندية.
والتلاحم بين التجمعات محدود للغاية؛
وهذا ما يكشفه ارتفاع نسبة الزواج داخل
نفس التجمعات. إن هذا الموقف يغذي نقاط
توتر عرقية وعقائدية ويقوي الحركة
المعادية للسامية والاتجاهات المتطرفة
كما اتضح في ظاهرة بيم فورتين.
وعند
الانتقال إلى هولندا، استمعت اللجنة
إلى أعضاء الحكومة الذين عبروا عن
رغبتهم في التخلي عن السياسة المنتهجة
حتى اليوم. فقد كانوا قلقين لاكتشافهم
أن الجيل الثاني بل الجيل الثالث يميلون
للإسلام مخالفين لأهلهم.
إن
الحكومة الهولندية -بالانفصال مع تعدد
الثقافات- ترغب في انتهاج سياسة اندماج
ضرورية، تسمى "بالمواطنة المشتركة"
تفترض أن المهاجرين الجدد عليهم
الانتماء إلى "القيم المؤسسة للمجتمع
الهولندي".
ليست
فرنسا الوحيدة في مواجهة هذا التآلف
الصعب بين ظاهرتين مثلا زمنيتين: عطل في
الاندماج الاجتماعي، وتطور المشهد
الديني أو الروحي. فما وراء كلمة
العلمانية مشكلة مشتركة في أوربا كلها:
إيجاد مكان للأديان الجديدة، إدارة
مجتمع متنوع، محاربة مظاهر التفرقة،
تشجيع الاندماج ومحاربة الاتجاهات
السياسية الدينية المتطرفة والتي تحمل
مشاريع تجميعية. وفي فرنسا هذه التحديات
تكون بحجم مجاميع مهاجرة قديمة، ذات حجم
كبير ومكونة لثراء مجتمعنا منذ عدة عقود.
إن بلدنا لا يخلو من المميزات: فهو لم
يدخل في طريق التجمعات بشكل متطرف؛ إن
الأشخاص ذو الأصول المهاجرة متمكنون
عامة من اللغة الفرنسية؛ وأخيرا فإن قوة
الهوية الثقافية الفرنسية تسمح بتفاعل
الاندماج.
إن
العلمانية نتاج تعامل كيميائي بين
تاريخ وفلسفة سياسية وقيم شخصية نافعة
ترتكز على الاتزان بين الحقوق
والضرورات.
إن
المبدأ العلماني يُعتبر ضمان
الاستقلالية وحرية كل شخص في اختيار
ذاته. إنه يفترض موقفا فكريا ديناميكيا
مخالفا لموقف كسول يكتفي بحيادية بسيطة.
إنها قضية تتخطى المسألة الروحية
والدينية لتشمل المجتمع بكل مكوناته. إن
العلمانية تمس بهذا الشكل الهوية
القومية، والانصهار في الجسد الاجتماعي
والمساواة بين الرجل والمرأة، والتربية...
إلخ.
بعد
قرن من الممارسات والتحولات في المجتمع
لم يصبح بعد مبدأ العلمانية مبدأ
متخلفا، ولكنه يحتاج إلى تنوير وتفعيل
في إطار مختلف تماما.
في
عام 1905 صدر قانون الفصل بالنسبة للكنيسة
الكاثوليكية أساسا لقد انقضى زمن
علمانية الحروب ليترك المجال لعلمانية
هادئة، تعترف بأهمية الاختيارات
الدينية والروحية، مهتمة بتحديد
المساحة العامة المشتركة. فخلال قرن من
الزمن وبفعل الهجرة أصبح المجتمع
الفرنسي متنوعا، خاصة في المجال الروحي
والديني.
يجب
إفساح المكان لأديان جديدة مع النجاح مع
الاندماج. لقد اختلفت طبيعة التحديات
وأصبحت المعطيات أكثر صعوبة في التناول:
كيف نوفق بين الوحدة واحترام التنوع؟ إن
هذه أطروحة مجتمع يتميز بالرغبة في
الاعتراف بالاختيارات الفردية. إن
العلمانية التي هي أيضا أسلوب لتشكيل
الحياة سويا تأخذ مظهرا معاصرا جديدا.
وكي ترد على هذه التحديات لا يجب أن تكون
العلمانية متحفزة؟
فهي
لا يجب أن تتشكل في هيئة حصن مُحَاصر.
ولتأكيد وجود القيم العامة في هذا
الإطار نحتاج إلى علمانية منفتحة
وديناميكية، قادرة على تشكيل نموذج
جذاب وجامع. يجب أن تسمح بتحديد مكانة
المواطن والمساحة العامة المشتركة
بطريقة متناسقة.
إن
العلمانية ليست إلا قاعدة من قواعد
اللعبة التأسيسية، إنها قيمة أساسية في
العقد الجمهوري، إمكانية المواءمة بين
الحياة سويّا والتعددية، التنوع.
تابع
بقية التقرير:
|