|
إن
معرفة تاريخ العلمانية وفهم ثراء
معانيها يُعتبر ركيزة العمل من أجل
إتمام كل مبادئها.
1.
1 – مبدأ جمهوري يُبنى بالتاريخ
1.
2 – معنى وأمل العلمانية
1.
1 – مبدأ جمهوري يُبنى بالتاريخ:
إن
العلمانية مؤسسة لتاريخنا الجماعي.
إنها تستأصل وجودها في اليونان القديمة
في عصر النهضة وعصر الإصلاح.. في إعلان
نانت، وفي عصر الأنوار. وكل مرحلة من هذه
تعبر عن تطور استقلالية الشخص وحرية
الفكر.
إن
الملكية السابقة للثورة -للحق الإلهي-
ترتكز على أسس دينية: احتفالية التتويج
في رمز صورة الملك خليفة الله على الأرض.
هذا
النظام الاجتماعي كان يتميز بالعلاقة
المؤسسية بين الدولة والكنيسة
الكاثوليكية ومكانة هذه الكنيسة في
حياة الجميع.
إن
الثورة تحدد تاريخ ميلاد العلمانية
بمفهومها المعاصر. إن استقلالية
الضمير، بما فيه المفهوم الروحي
والديني، قد تأكدت.. إن هذا المفهوم جديد
بحيث إنه تم تحديده بحرص في المادة 10 من
وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن في
1789: "لا يجوز إقلاق أي شخص بسبب آرائه،
حتى الدينية، بشرط ألا تؤثر مظاهرها على
النظام العام الموضوع بالقانون". وفي
20 سبتمبر 1792 تم علمنة الأحوال المدنية
والزواج من قبل المجلس التشريعي. وأصبحت
المواطنة غير مرتبطة بالدين.
إن
تاريخ العلمانية غير خال من الأزمات أو
المواجهات. فقد أحدث تبني التشكيل
المدني لرجال الدين تدخلا سياسيا في
المجال الديني، وإصابات دامية. وبدأت مع
الكونكوردا في 1802 فترة من الاستقرار
السياسي؛ فالدور الاجتماعي والأخلاقي
للدين يبرر في مفهوم الكونكوردا. إن
الدولة تنتهج سياسة تطوعية في مجال
الديانات. لقد تم الاعتراف بالمكانة
الغالبة للديانة الكاثوليكية، لكن تم
أيضا الأخذ في الاعتبار تعدد الاتجاهات
الدينية. فقد تم الاعتراف بأربعة
اتجاهات: الكاثوليكية، اللوثرية،
الإصلاحية، والإسرائيلية. لكن تنفيذ
القانون المدني عَلمنَ بطريقة نهائية
حقوق الشخص والمجتمع.
وقد
استمر هذا النظام طوال القرن التاسع عشر.
وتدريجيا حدثت مواجهة جديدة بين
الكنيسة والجمهورية في صراع "فرنسا
المزدوجة"، فقد اهتم الجمهوريون بمنع
سيطرة الكنيسة الكاثوليكية وسطوتها على
الضمائر وعلى المجتمع. وقد تم من هذا
المفهوم تبني أكبر القوانين المدرسية
في الجمهورية الثالثة. وسيطر نموذجان من
العلمانية: أحدها مقاتل، ضد رجال الدين
ودافع عنه إميل كومب، الآخر يحبذ
التفرقة المتلازمة بين الدولة
والديانات مع احترام جميع الاختيارات
الروحية، وقد انتصر النموذج الثاني،
الأكثر ليبرالية وانفتاحا، وقد دافع
عنه خاصة أريسيتد بريان وجول فيري وجان
جورس.
وبذلك
ضربت العلمانية جذورها في مؤسساتنا مع
القانون الجمهوري الكبير في 9 ديسمبر 1905
الذي يفرق بين الكنائس والدولة. وقد كان
تعبيره شديد الإيجاز: المادة الأولى:
"إن الجمهورية تؤكد حرية الضمير. وهي
تضمن الممارسة الحرة للديانات. وذلك فقط
في ضوء الحدود الموضحة فيما بعد لمصلحة
النظام العام" والمادة 2: "إن
الجمهورية لا تعترف ولا تعطي ماهية ولا
تمول أي ديانة [... ]". إن الفصل بين
المواطنة والانتماء الديني قد تم وضعه،
وفقد الدين وظيفته كعنصر اجتماعي رسمي،
وانتهت فرنسا من تعريف نفسها كأمة
كاثوليكية. كما تنازلت عن مشروع دين
مدني جمهوري.. هذا الانفصال كان له تأثير
مؤلم على كثير من الفرنسيين كما أنه
ولّد صراعات عديدة، وبعد المحنة
المشتركة للحرب العالمية الأولى تم
إعادة السلام الديني بمعاهدة 1924 بين
الكرسي المقدس والحكومة الفرنسية.
وفي
المستعمرات -حيث قابلت العلمانية
الفرنسية الإسلام- اتسمت سياسة
الجمهورية بالالتباس في الجزائر التي
تعتبر جزءا مضمونا في الجمهورية حتى عام
1962، فقد تم تفصيل نظام استثنائي مع
دستور النظام المحلي الذي يحافظ على
الوضع الشخصي للمسلم والإسرائيلي. إن
إصدار مبادئ جمهورية علمانية وتطبيقها
في صيغة استثنائية على أرض معينة يعكس
تناقضا خاصا بالدولة الفرنسية
الاستعمارية، وإن هذا الوضع يمنع أي
ازدهار للديانة المسلمة في بيئة
علمانية.
بالرغم
من نواقصها وأفعالها القوية وعنفها
الرمزي فإن العلمانية في القرن العشرين
نجحت في تحويل راية معركة إلى قيمة
جمهورية يتقاسمها الجميع. وإن أغلبية
مكونات المجتمع التحمت بالعقد العلماني.
وإن اندماج العلمانية في عام 1946 ثم في
عام 1958 ضمن المبادئ المؤسسية أكد هذا
الاستقرار.
إن
قانون 31 ديسمبر 1959 قد وضع قوانين أداء
وتمويل المؤسسات الخاصة بعقود، وهي في
أغلبيتها كاثوليكية، التي اعترف
بشخصيتها الخاصة وتم حمايتها مؤسسيا.
لقد
تغير الإطار خلال قرنين. وأنشئت
العلمانية في البداية في مجتمع تسوده
الكنيسة الكاثوليكية ثم تأقلمت مع
تطورات هذا البلد. وبتأثرها بأزمات
عنيفة فقد تأرجحت العلمانية بين ضدين:
الإغراء المرتبط بالماضي لسطوة الأديان
على المجتمع وتداخل العلمانية مع إلحاد
نشط. إن تاريخ العلمانية ليس قصة مسيرة
بلا هوادة نحو التطور.
إن
العلمانية قد خرجت مُجددة من كل معركة
من معاركها. وإن الصراعات الحالية تندرج
في هذا المنظور.. فبالرغم من كونها قيمة
يتقاسمها الجميع في قلب العقد الجمهوري
فإنها لم تكن في يوم ما بناء قطعيا (دوجماتي).
فهي متطورة بأسلوب تجريبي، ومنتبهة
للحساسيات الجديدة ولميراث التاريخ،
وهي قادرة في الأوقات العصيبة على أن
تجد الاتزان وأن تتبنى آمال مجتمعنا.
1.
2 – معنى وأمل العلمانية:
إن
العلمانية تكون مجرد سلبية الدولة..
الاحترام والضمان والانضباط والحياة
سويا هي المبادئ الرئيسية، فهي تشكل
مجموع الحقوق والواجبات للدولة،
وللديانات وللأشخاص.
1.
2. 1 – احترام تباين الاختيارات
الروحية والعقائد:
إن
العلمانية تفترض استقلالية السلطة
والسياسة ومختلف الاختيارات الروحية
والدينية فهذه ليس لها سطوة على الدولة
كما أن الدولة ليس لها سطوة عليها.
في
الإطار العلماني، أي تدخل سياسي يعتبر
غير قانوني في مجال الاتجاهات الروحية.
فالدولة لا تفرض ولا تضطر أحدا، فلا
توجد شريعة مفروضة أو شريعة ممنوعة، إن
العلمانية تفترض حيادية الدولة:
فالدولة يجب ألا تميز أي اختيار روحي أو
ديني. وبما أنها ترتكز على مبدأ
المساواة، فالدولة العلمانية لا تعطي
أي ميزة عامة لأي ديانة وعلاقتها مع
الديانات تقسم بالتفرقة القانونية.. إن
حرية الديانة تسمح لجميع الأديان
بالتعبير الخارجي، والمشاركة ومواصلة
الأهداف الروحية جماعيا، وبهذا المفهوم
فهي تحرم على نفسها أي تناول مضاد للدين.
إن الدولة العلمانية لا تدفع بأي اعتقاد
ملحد أو لا ديني كما أنها لا تدافع عن أي
مبدأ ديني.
وبالتالي
فإن الروحي والديني يجب أن يحرموا على
أنفسهم أي سطوة على الدولة كما يجب أن
يمتنعوا عن أي تطلع سياسي. إن العلمانية
تتعارض مع أي تصور للدين يتمنى أن يحكم
باسم مبادئه النظام الاجتماعي أو
السياسي.
في
الإطار العلماني تندرج الاختيارات
الروحية والدينية تحت الحرية الفردية:
ولكن هذا لا يعني أن هذه المواضع تكون
مكتومة في خصوصية الضمير، " مخصخصة
" ويُنكَر لها أي حجم اجتماعي أو
إمكانية التعبير العام. إن العلمانية
تفرق بين التعبير الروحي أو الديني الحر
في المساحة العامة، قانونية وأساسية
للحوار الديمقراطي، وبين السيطرة غير
القانونية على هذا الحوار.. إن ممثلي
مختلف الاتجاهات الروحية لهم الحق في
المشاركة بصفتهم في الحوار العام،
مثلهم مثل كل مكون للمجتمع.
إن
الديانات والدولة، كلاهما يستفيد من
هذا الانفصال. فالديانات تركز على
مهمتها الروحية وتجد فيها حرية الكلمة.
والدولة متحررة من أي رابطة عقائدية،
تعتبر ملك المواطنين جميعا.
1.
2. 2 – ضمان لحرية الضمير:
إن
قانون 1925 يعطي للعلمانية مضمونا
إيجابيا يتعدى حيادية الدولة: "إن
الجمهورية تضمن حرية الضمير. وتضمن حرية
ممارسة الأديان، فقط في إطار هذه القيود
الواردة فيما بعد وذلك لصالح النظام
العام".
وبضمان
حرية التعبير لكل شخص، وبإعطاء الكل
تربية تصقل الاستقلالية وحرية الحكم،
تدمج الدولة العلمانية في سلسلة حقوق
الإنسان. فهو لا يكتفي من انحسار الأمور
الدينية والفكرية.
فالدولة
لن تغطي الموضوع الروحي والديني بـ "حجاب
من الجهل". فهي تحرص في علاقتها مع
الديانات ومجموعة العائلات الروحية،
على أن يستطيع الجميع التعبير. وهي بذلك
تسمح للجماعات الأكثر ضعفا أو الأقل
عددا أو الأكثر حداثة أن تستفيد من هذه
الحرية تبعا لاحتياجات النظام العام..
إن العلمانية تضمن لجميع الاختيارات
الروحية أو الدينية الإطار القانوني
الملائم لهذا التعبير، وبدون أن تنكر
ميراث التاريخ، خاصة العقلانية
اليونانية والميراث اليهودي-المسيحي،
فهي تسمح لهم بالحصول على مكانتهم.
إن
الدولة العلمانية، وهي الضامنة لحرية
الضمير بجانب حرية العبادات أو التعبير
فهي تحمي الفرد لأنها تسمح بالحرية
للجميع في أن يختاروا أو لا يختاروا
توجها روحيا أو دينيا، وأن يغيروه أو
يتنازلوا عنه. كما أنها تضمن أن أي
مجموعة أو أي تجمع لن يستطيع أن يفرض على
أي شخص انتماء أو هوية عقائدية، خاصة
بسبب أصولها. إنها تحمي كل واحدة وكل
واحد من أي ضغط حسي أو معنوي يُمارس تحت
غطاء أي تعليمات روحية أو دينية.. إن
الدفاع عن حرية الضمير الفردي ضد أي
دعوة دينية يتمم اليوم مفاهيم الانفصال
والحيادية الرئيسية في قانون 1905.
إن
هذه الضرورة تطبق أولا في المدرسة.. يجب
أن يتعلم ويتشكل التلاميذ في جو من
الصفاء حتى يتمكنوا من الوصول إلى
الذاتية في الحكم. إن الدولة يجب أن تمنع
أن تُلاحق عقولهم بعنف المجتمع: فبدون
أن تكون المدرسة حجرة مُعقمة يجب عليها
أن تصبح حجرة لأصداء انفعالات العالم
حتى تنجح في مهمتها التعليمية.
لو
اختصرت المدرسة في تصور ضيق للحيادية
بالنسبة للثقافة الدينية أو الروحية
فإنها تساهم في عدم معرفة التلاميذ لهذا
المجال، كما أنها تتركهم غير مسلحين،
بلا أسلحة فكرية في مواجهة الضغوط
والاستغلال النشيطين السياسيين
والدينيين اللذين سيترعرعا على أرضية
هذا الجهل. إن علاج هذا النقص يعتبر
ضرورة اجتماعية حيوية. وفي هذا المجال
يجب على المدرسة أن تسمح للتلاميذ
بممارسة أحكامهم على الأديان وعلى
الحياة الروحية بصفة عامة في تعبيراتها
المختلفة، بما في ذلك الوظائف
السياسية، والثقافية، والفكرية،
والقانونية.. إن التعليم يمكن أن يساعد
في اكتشاف النصوص المعلنة لعدة تقاليد
موروثة والتفكير في معانيها بدون
التدخل في تأويلها المقدس. إن العلمانية
تخلق للدولة مسئولية، فالمساهمة في
إثراء المعرفة النقدية للأديان في
المدرسة تسمح لمواطني المستقبل بالتحلي
بتكوين فكري ونقدي يمكنهم بالتالي من
ممارسة حرية الفكر والاختيار في مجال
المعتقدات.
لا
يمكن للدولة العلمانية أن تبقى غير
مكترثة حين يصيب النظام العام
اضطرابات، أو حين تدمر قواعدَ المدرسةِ
ممارسةُ الضغوط والتهديدات والممارسات
العنصرية أو القائمة على التمييز بحجج
دينية أو فكرية.
إن
العلمانية في التصور الفرنسي ليست مجرد
"حارس حدود" يتحدد دوره في الحفاظ
على احترام الانفصال بين الدولة
والديانات، وبين السياسة والنطاق
الفكري والديني. إن الدولة تسمح بتثبيت
القيم العامة التي تؤسس الوفاق
الاجتماعي في بلادنا.
ومن
ضمن هذه القيم أخذت المساواة بين الرجل
والمرأة مكانة هامة في قانوننا رغم
كونها انتصار حديث. لا تستطيع الدولة أن
تكون سلبية تجاه أي إصابة لهذا المبدأ
وبالرغم من ذلك فإن العلمانية لا تحل
محل الضرورات الروحية والدينية الأخرى.
إنها تكرر فقط أن الدولة تدافع عن القيم
العامة في المجتمع الذي هو مصدرها.
إن
العلمانية تخلق للدولة ضرورات تجاه
المواطنين وذلك لأنها تحمل وجهة نظر
قوية للمواطنة التي تتعدى حدود
الانتماءات الجماعية أو العقائدية أو
العرقية.
1.
2. 3 – ضرورة مشتركة:
إن
الدولة تضمن الاحترام لمختلف
الاختيارات الفكرية والدينية، كما تضمن
عدم التدخل في السلطة السياسية وخلق
إطار ملائم لحرية العبادة، كما تحمي
الأديان التي ليس لها صفة الأغلبية وكل
ذلك يتطلب مجهودا مقابلا.
إن
التاريخ يذكر المجهود المطلوب في
الماضي للديانات كي تتأقلم مع الإطار
العلماني، ولقد كانت الكنيسة
الكاثوليكية متحفظة في البداية إذ كانت
تخشى فقد كل شيء.. إن انصياعها ثم قبولها
ثم انتمائها للإطار العلماني كان
أساسيا في تهدئة مجتمعنا. وقد كان من
الضروري إذن أن الكنيسة الكاثوليكية
والدولة يتبادلان العلاقات الودية. لقد
لعبت الكنائس البروتستانتية دورا محركا
في تبني قانون 1905 في حين أنه كان من
الممكن أن تخشى الضغوط المرتبطة بتشكيل
الجمعيات الثقافية. كذلك فقد كان
القانون اليهودي الديني محل عديد من
أشكال التأقلم بداية من الكونكوردا كي
تطور مبادئها الدينية مع القانون
المدني مثل الاعتراف بأسبقية وارتفاع
الزواج أو الطلاق تبعا لقانون الدولة؛
وهذه "الفرنسية-اليهودية" مكنت من
توافق الأخلاقيات اليهودية والقانون
المدني.
إن
العلمانية تتطلب في الأصل مجهود تأقلم
من كل دين. حينما يكون للدين هدف عالمي
يشمل الآخرة مثل الدنيا يكون من الصعب
القبول بالتفرقة بينهما. وبالفعل فإن
العلمانية تتطلب مجهودا تأويليا لتوافق
بين العقيدة الدينية والقوانين التي
تحكم المجتمع حتى تصبح الحياة سويا
ممكنة.
إن
الإسلام وهو دين زُرع حديثا في فرنسا
وله عديد من التابعين يُعرَض أحيانا غير
متوافق مع العلمانية: وذلك بالرغم من أن
الشريعة الإسلامية أنتجت في عصورها
الزاهية فكرا جديدا في مجال العلاقة بين
السياسة والدين. إن الاتجاهات الأكثر
عقلانية في داخل الإسلام ترفض الخلط بين
السلطة السياسية والسلطة الروحية، وإن
الثقافة الإسلامية تستطيع أن تجد في
تاريخها مصادر تسمح لها بالتلاؤم مع
الإطار العلماني كما أن العلمانية
يمكنها أن تسمح بازدهار فكري كامل للفكر
الإسلامي في منأى من ضغوط السلطة.
بغض
النظر عن قيمة الديانات فإن الضرورة
العلمانية تطلب أيضا من كل فرد مجهودا
شخصيا. وإن المواطن يحصل من خلال
العلمانية على حماية حيرة ضميره. وفي
المقابل يجب عليه أن يحترم المساحة
العامة التي على الجميع أن يتقاسموها.
إن المطالبة بحياد الدول يتناقض مع
إعلان للدعوة مستفز، خاصة في المساحة
المدرسية.
إن
الموافقة على تأقلم التغير العام مع
خصوصيات الدين ووضع حدود لإثبات الهوية
يسمح بتقابل الجميع في المساحة العامة،
وهذا ما يسميه سكان كيبك (كندا) بالتأقلم
المعقول. وإن روح العلمانية تتطلب هذا
الاتزان بين الحقوق والواجبات.
1.
2. 4 – الحياة سويا، بناء مصير مشترك:
لقد
تغير المجتمع الفرنسي بالنسبة لإطار 1905:
إن سطوة الكنيسة الكاثوليكية لم تعد
مفهومة كتهديد. إن العلمانية وُجدت في
قلب العقد الجمهوري بصيغة جديدة.
لقد
شاهدت بلادنا تطورا جذريا خلال قرن من
الزمان. لقد أصبحت متعددة على المستوى
الروحي. إن فرنسا التي كانت تُسمى "الابنة
البكر للكنيسة" ولها تراث برتستانتي
متنوع تجمع أول جماعة يهودية في أوربا
الغربية.
في
خلال العقود السابقة تطورت أديان جديدة.
إن الإسلام الذي نشأ أساسا من شعوب
أصولها في المغرب وأفريقيا والشرق
الأوسط أصبح يُمثل بأهم جماعة في
الاتحاد الأوربي. كذلك نجد
الأرثوزوكسية والبوذية. كما أن فرنسا
تعد في صفوفها عددا كبيرا من الملحدين
واللادينيين والمفكرين الأحرار.
وبطريقة موازنة تراجعت الممارسة
الدينية المنتظمة تاركة المجال
لاستقلالية متنامية للاعتقادات
الروحية والدينية. وهكذا أصبحت فرنسا
اليوم من أكثر الدول تنوعا في الدول
الأوربية. كما أن القطيعة الرئيسية في
تاريخها أعطتها الفرصة لتثري الحوار
الحر بين مكوناتها المتعددة.
ومن
ناحية أخرى فقد تطورت العقليات.. إن
فلسفتنا السياسية مبنية أساسا على
الدفاع عن وحدة البناء الاجتماعي. لقد
تغلبت الرغبة في توحيد المجتمع على أي
تعبير للاختلاف من الممكن أن يكون
مهدِدا. فاليوم التنوع يُعرض أحيانا
بصورة إيجابية، واحترام الحقوق
الثقافية يطالب به البعض إذ يعتبرونه
مظهرا أساسيا لهويتهم. إن المحافظة على
الثقافة وعلى الإيمان وعلى الذاكرة.
حقيقية أو خيالية - تُعتبر شكلا من أشكال
الحماية مع المشاركة في عالم متحرك من
التبادل. إن إنكار قوة الشعور الجماعي
سيكون بلا جدوى. لكن المبالغة في الهوية
الثقافية لن تؤدي إلا إلى خلق تعصب
للاختلاف يحمل القهر والتنابذ. ويستطيع
كل فرد في المجتمع العلماني أن يبتعد عن
التقاليد. ولا يعتبر ذلك إنكار للذات،
إنما حركة فردية من الحرية تمكن من
تعريف الذات بالنسبة لعلاقاتها
الثقافية أو الفكرية دون الخضوع لها.
من
وجهة النظر هذه يكون الخطر مزدوجا.. إن
انحراف الإحساس الجماعي تجاه تجمع ثابت
ومتشنج يهدد مجتمعاتنا المعاصرة
بالتشرذم. وبالعكس فإن إنكار أي تنوع أو
تعدد مع التأكيد بصيغة سطحية على العقد
الجمهوري يكون شيئا وهميا. وإن
العلمانية اليوم في تحد لصقل وحدة مع
احترام التنوع في المجتمع.
إن
الإطار العلماني يمكن أن يكون مجال
تأقلم لهاتين الضرورتين. ويجب عليه أن
يجد الوسائل اللازمة لمعايشة أفراد لا
يملكون نفس الاعتقادات على أرض واحدة
بدلا من ترخيص جماعات مغلقة على نفسها
ومتنافرة في رسم متعدد الألوان. إن
العلمانية ما هي إلا وسيلة لإمكان
معايشة أفراد لا يتقاسمون بالضرورة نفس
المعتقدات.
وبهذا
المعني تكون العلمانية ضمير انتماء
الجميع في المجتمع؛ فهي توازن الاعتراف
بحق الهوية الشخصية والمجهود اللازم
لنسج المعتقدات الفردية مع الرباط
الاجتماعي. وإن التدريب على المواطنة في
مجتمعنا متعدد الثقافات والأصول ويفترض
أن نتعلم الحياة سويا.
وبتوافق
الوحدة الوطنية وحياد الجمهورية
والاعتراف بالتنوع تخلق العلمانية
جماعة العواطف، تلك المجموعة من الصور
والقيم والأحلام والإرادات التي تؤسس
الجمهورية متخطية الجماعات التقليدية
لكل فرد.
حين
تكون العلمانية في أزمة يعجز المجتمع
الفرنسي عن عرض مصير موحد. وبالعكس فإن
البحث عن صيغ جديدة وترجمات واقعية
للعلمانية المعاصرة يمكن أن يصنع هذا
المصير.
تابع
بقية التقرير:
|