نص البيان الصادر عن الخارجية
الفرنسية بتاريخ 22 ديسمبر 2003 حول العلمانية والحجاب:
إن
التدابير التي أعلن عنها رئيس الدولة
في خطابه المتعلق باحترام مبدأ
العلمانية في الجمهورية الفرنسية لا
تتسبب قطعاً في قلب الموازين بل إنها
تشكل ترتيبات من شأنها أن تأخذ في
الحسبان، على نحو أفضل، التطورات
العميقة التي انطبع بها المجتمع
الفرنسي. وهذه الترتيبات تهدف بالأخص
إلى تمكين مسلمي فرنسا من إيجاد
مكانتهم في المجتمع الفرنسي، وتحديداً
عبر تجديد سياسة الاندماج التي
نتبعها، ملتزمين بالوفاء لقيم ومبادئ
الجمهورية.
1-
يتساءل البعض عما إذا كانت هذه
التدابير تطال المجموعات المسلمة
وحدها دون غيرها؟
إن
هذا الإجراء التشريعي المقترح ينطبق
على العلامات الدينية المجاهر بها
بمجملها، أي بالنسبة لكافة الديانات
دون استثناء ومن غير الصحيح الادعاء
بأن هذه التدابير لا تنطبق إلا على
المؤمنين المسلمين. فالمدير المشرف
على جامع باريس، والذي انتخب رئيساً
للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في
آيار/مايو الماضي، علق إيجابياً على ما
صدر عن رئيس الجمهورية قائلاً بأن "هذا
موقف تستدعيه الحكمة" وبأن المسلمين
يجب أن يلتزموا بإسلام معتدل عملاً
بفحوى الميثاق الجمهوري. وينوي المجلس
الفرنسي للديانة الإسلامية الالتزام
كلياً في مجالات الحوار المفتوحة،
التي دعا إليها رئيس الجمهورية،
مشاركاً بالتحليلات التي سوف تؤدي إلى
اعتماد قانون في هذا الشأن.
كما
أن بعض البلدان ذات الأغلبية المسلمة،
مثل تركيا وتونس، قد أدخلت ضمن
تشريعاتها الهادفة إلى علمنة القطاع
العام تدابير يقصد منها ضبط المظاهر
الدينية في المدارس الحكومية العامة.
2-
هل يتعين الاستنتاج بأن لبس الحجاب
ممنوع في فرنسا؟
بالطبع
لا.. ليس هناك، ولن يكون هناك، أي منع
معمم للبس الحجاب في فرنسا. فالمسلمات
الراغبات بذلك يمكنهن الاستمرار في
ارتداء الحجاب في حياتهن اليومية، في
الشارع كما في سائر الأماكن العامة،
وحتى في أماكن عملهن.
كما
أن المنع ليس معمماً في القطاع
التعليمي: بل يقتصر على المدارس
والمعاهد التكميلية والثانوية
الحكومية، أي ينطبق على التلاميذ
الذين لم يتجاوزوا سن الثمانية عشر
تقريباً. إن المؤسسات المدرسية
الدينية الخاصة غير معنية بهذا
التشريع، والشيء نفسه ينطبق على
الجامعات، فهي ليست معنية به أيضاً.
ووفق
استطلاع للرأي أنجز مؤخراً، تبين أن ما
يناهز 80 بالمائة من النساء المولودات
في فرنسا، وهن من أصل مسلم، يؤكدون
بأنهن لم يرتدوا الحجاب يوماً،
وبالتالي فمعظم هؤلاء النساء لن
يتأثروا بتطبيق هذا التشريع الذي لن
يطالهم. حتى أنه منذ بداية العام
الحالي لم يتم إحصاء سوى 4 حالات إقصاء
من المدرسة من بين 13 مليون طالب وطالبة
تعدها فرنسا.
إن
القانون لا يهدف بالطبع إلى جعل
الإقصاء أو الاستبعاد، وهو أقصى
العقوبات، تدبير من تدابير القانون
العام، في ما يخص التعامل مع مسألة
العلامات الدينية في المدرسة، وقد أكد
رئيس الجمهورية على هذا الأمر قائلاً:
"فيما يخص مجال تطبيق هذا القانون
سيتم السعي بانتظام إلى الحوار
والتشاور قبل اتخاذ أي قرار في هذا
الشأن. سوف يتم المباشرة بخطوات
تفسيرية وبوساطات وبتحرك تربوي، موجهة
جميعها إلى التلاميذ وعائلاتهم. كما أن
مجموعات من المدرسين، الواعية
للرهانات القائمة، سوف تبذل قصارى
جهدها لتطبيق نصوص هذا القانون بحكمة
واتزان.
3-
المسلمون ليسوا معرضين للتفرقة والتمييز في فرنسا وحظر المجاهرة
بالعلامات الدينية في المدرسة، وتحديدا مسألة الحجاب، لا تمثل فشلاً
للسياسة الفرنسية القائمة على الاندماج وعدم التفرقة.
لم
يحاول رئيس الجمهورية تحاشي مواضيع
التمييز والتفرقة التي تصادف في
فرنسا، كما في بلدان أخرى، فيما يخص
الشبيبة المنحدرة من الهجرة ولا سيما
السكان ذات الأصول المغربية. بل إنه
على العكس أراد تحطيم جدار الصمت الذي
يحيط بواقع التفرقة والتمييز، من حيث
الحصول على مسكن أو بالأخص البحث عن
وظيفة. كما أن رئيس الجمهورية قد أعلن
أيضاً عن إنشاء هيئة مستقلة، خلال عام
2004، تكون مكلفة بمحاربة جميع أشكال
التفرقة والتمييز.
إن
انحصار مجموعات في أماكن مخصصة لها
تنغلق على نفسها فيها، كما هو حاصل في
بلدان أخرى، هو أمر يتنافى مع قيمنا
التاريخية وتقاليدنا وثقافتنا،
ومبادئنا الإنسانية، كما إنه يتنافى
مع إيماننا بإمكانية الترقي اجتماعياً
بفضل المهارة الشخصية والجدارة فقط،
دون حاجة إلى الاعتماد على أي شيء آخر،
فضلاً على أنه أمر يتعارض مع تمسكنا
بقيم المساواة والتآخي بين كافة
الفرنسيين.
وفيما
يخص المسلمين الذين يعيشون في فرنسا،
لقد حرص رئيس الجمهورية على التذكير
بإصرار على أنه ينبغي أن يحظوا بنفس
الاحترام الذي يكن للمجموعات المذهبية
الأخرى، وقد أكد على حقهم في أن توفر
لهم أماكن عبادة تليق بهم. إن هذه
الرغبة لا.. بل هذا الحرص على إعطاء
الإسلام -وهي ديانة حديثة العهد في
فرنسا- المكانة التي يستحقها كاملة بين
سائر الديانات الكبرى المتواجدة على
التراب الفرنسي، هو الذي قاد نحو إنشاء
المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في
شهر مايو/آيار الماضي، بعد أن ظل هذا
المشروع مجمداً لسنوات عدة.
بيد
أنه من المستحب عدم الخلط بين ممارسة
الشعائر والمسائل الدينية الصرفة،
والصعوبات الحقيقية المتصلة بموضوع
الاندماج الاجتماعي. إن الاندماج على
الطريقة الفرنسية قوامه تكافؤ الفرص
أمام الجميع، دون تفرقة من حيث الأصل
أو الدين. كما إنه يقوم أيضاً على
المساواة بين الرجل والمرأة. وفي فرنسا
ليس هناك من شيء يمنع مواطن ديانته
الإسلام من تبوؤ منصب رئاسة الجمهورية
وتقديم ترشيحه له.
4-
"العلمنة" والحرية الدينية في فرنسا اليوم:
إن
مبدأ العلمانية مندرج في المادة
الأولى للدستور الفرنسي. والعلمانية
هي خصوصية تتميز بها فرنسا، وهو مصطلح
من بين المصطلحات التي يصعب ترجمتها.
إنها تكفل لكل فرد إمكانية التعبير عن
إيمانه وممارسته بطمأنينة وحرية. إنه
مفهوم يسمح للأشخاص، رجالاً ونساءً،
قادمين من مختلف الآفاق والأقطار، على
تنوع ثقافاتهم، بأن يحظوا بالحماية من
حيث معتقداتهم، وهي حماية توفرها لهم
الجمهورية بكافة مؤسساتها. ومن
انعكاسات هذا المفهوم في بلد ذات
تقاليد مسيحية هي الحماية التي تنعم
بها أيضاً الأقليات الدينية.
إن
الفصل بين الكنائس والدولة الذي أقر
عام 1905 والحيادية في المجال العام التي
نجمت عنه، هما أمران يسمحان بالتعايش
بانسجام بين كافة الديانات في فرنسا.
إن مبدأ العلمنة يحظى في بلدانا بتجاوب
كافة الطوائف المذهبية والتيارات
الفكرية معه، وبانضمامها إليه.
العلمنة لا تقتصر فقط على الشئون
المدنية (كفصل الكنائس عن الدولة
والمذاهب الدينية عن السلطة العامة) بل
إنها تتخطاها لتصل إلى مفهوم الحيادية
تجاه كافة المعتقدات والطوائف
المذهبية. وقد يكون من الخطأ تفسير "العلمنة"
على الطريقة الفرنسية على إنها تصرف
منافي للدين أو إرادة لتحجيم الدين
وحصره بما يحويه عمق الضمير البشري.
نعم
إن "العلمنة" على الطريقة
الفرنسية قد تأسست تاريخياً في بداية
القرن العشرين وبأسلوب نزاعي تجاه
الكنيسة الكاثوليكية، ولكن ما لبث أن
تمت بسرعة تصفية للخلاف، وقام
الاجتهاد القضائي بالتكييف بين عدة
نقاط تلاقٍ وتعاون بين الدولة
والطوائف الدينية (كالتعليم الطائفي
الممول من الدولة وتعليم الدين في
المدارس الحكومية العامة).
فاليوم
ليس هناك ديانة تنتقد ما تم تحقيقه من
تقدم سمح لنا بالانتقال من مرحلة
العلمنة النضالية إلى علمنة مهادنة.
فالتشريع المعلن عنه حول المجاهرة
بعلامات دينية بالمدرسة لن يزعزع
التوازن الذي تم التوصل إليه تدريجياً
بين الديانات والدولة. إن الأمر لا
يكمن في استنباط قواعد جديدة ولا
بإعادة رسم حدود "العلمنة"، وهذا
ما أكد عليه رئيس الجمهورية.
كل
ما في الأمر وبكل بساطة هو إعادة تثبيت
لمبدأ منبثق عن تقليد قائم في بلدنا.
فحرية التعبير عن المعتقدات لا يمكن
تقييدها إلا بحدود احترامها لحرية
الآخرين وبقواعد الحياة المعمول بها
في المجتمع.
إن
المدرسة الحكومية العامة هي مكان
لاكتساب العلم والمعرفة ويجب المحافظة
على الحيادية فيها، كما ينبغي أيضاً
المدافعة قطعاً وبكل تأكيد عن
المساواة بين الفتيان والفتايات. حتى
إن المسئولين عن المذاهب الطائفية
المختلفة قد رحبوا بخطاب رئيس
الجمهورية مؤيدين بالرغم من إن البعض
منهم قد سبق له وأعلن عن قلقه في هذا
الشأن.
5-
التدابير التي ستتبع بعد خطاب رئيس
الجمهورية:
في
مرحلة أولى، ستواصل الحكومة الحوار
الذي بوشر به، لا سيما مع كافة السلطات
الدينية بخصوص موضوع المجاهرة
بالعلامات الدينية في مؤسسات التعليم
العام، وذلك قبل اتخاذ الإجراءات
البرلمانية بحد ذاتها التي من شأنها أن
تؤدي إلى قانون مصوت عليه. وهذا
الأخير، من حيث كيفية تطبيقه، سوف
يُعطى الأفضلية للتحاور والتشاور،
وهناك نصوص قانونية وتنظيمية ستوضع
أيضاً من أجل توضيح بعض النقاط لا سيما
على صعيد الاستشفاء -كتجنب التفرقة بين
الجنسين بالنسبة للممرضين والمرضى-
إضافة إلى كيفية احترام الحيادية داخل
الوظيفة العامة.
إن
كافة هذه النصوص التشريعية والتنظيمية
سوف تجمع في نهاية المطاف في وثيقة
واحدة تشكل "قانون العلمنة".
6-
لماذا اللجوء إلى قانون؟
إن
اللجوء إلى قانون يفرض نفسه عندما
يتعلق الأمر في شأن يخص مجال الحريات
الأساسية (المادة 34 من الدستور والمادة
9 من الاتفاقية الجماعية الأوروبية حول
حقوق الإنسان). إن القانون يراد منه
الـتأكيد رسمياً، وإلى أقصى درجة
ممكنة، على أهمية المحافظة على مجال
الحيادية في المؤسسة المدرسية العامة.
إن
النظر إلى بعض المدارس التكميلية
والثانوية قد بين حالات نزاعية
أحياناً حول مسألة ارتداء علامات
دينية، منشأة أجواء لا تتوافق مع ما
يتطلبه العمل التربوي من طمأنينة
وهدوء ضروريين. وفي بعض الأحيان أدت
هذه التشنجات إلى تطوير نزاعات ذات
طابع عنصري، ومعاد للأجانب أو للسامية.
وهذا أمر لا يمكن أن يسمح به. إن فرنسا -بخلاف
دول أخرى قد فضلت أسلوب التقسيم إلى
مجموعات في نظامها المدرسي- قد اختارت
الترويج لمدرسة حكومية حيادية ومفتوحة
أمام الجميع: إنه من المنطقي الاستمرار
في هذا المنحى وعدم السماح بتفشي كل ما
من شأنه أن يفصل أو يفرق بين الطلاب على
أساس اعتبارات دينية، جنسية أم عرقية.
والمجتمع
التربوي بأغلبيته الساحقة قد أعرب عن
عمق رغبته في توضيح القواعد المتبعة في
مجال ارتداء العلامات الدينية. إن
اللجوء إلى استصدار قانون سيكون
الأسلوب الأكثر مناعة للتأكيد على ما
يعتبر تذكيراً بقواعد الجمهورية للعيش
معاً. ليس في الأمر انقلاب على القواعد
القائمة، كما يحاول إظهاره البعض ولكن
تذكير بممارسات حميدة تتوافق مع تقليد
عريق يسير عليه التعليم الحكومي العام.
7-هل
من المتوقع تنامي النزاعات المتصلة
بمسألة ارتداء الحجاب وتزايدها؟
إن
فرنسا دولة قانون تضمن للجميع حماية
القانون لهم ورقابة على هذه الحماية
يمارسها القاضي إذا لزم الأمر: القاضي
الفرنسي أولاً، ثم الهيئات القضائية
الأوروبية لاحقاً، لا سيما المحكمة
الأوربية للحقوق الإنسان. إن
المواطنين الذي يعتبرون بأن حقوقهم
مهضومة من جراء تطبيق القانون، تتوفر
لديهم دوماً إمكانية اللجوء إلى
القضاء هذه.
8-
إن فرنسا هي البلد الوحيد حتى اليوم
الذي ينوي وضع تشريع حول ارتداء علامات
دينية ظاهرة.
إن
الخصوصية الفرنسية متصلة بمبدأ تثبيت
العلمانية في دستور عام 1958، الذي أخذ
بما كان واردا في دستور 1946. والعلمانية
هي ركيزة من ركائز الديمقراطية في
الجمهورية الفرنسية. إن بلدان أخرى قد
اختارت دروبا أخرى لتنظيم ظروف ممارسة
حرية الشعائر من خلال إسناد هذه
المسئولية إلى هيئات لامركزية أو من
خلال القبول بتطوير المؤسسات المدرسية
على أساس الانتماء إلى المجموعة أو
الطائفة أو أيضا من خلال ترك الحرية
لمديري المعاهد التعليمية ليقرروا
بأنفسهم في مجال المجاهرة بعلامات
دينية.
إن
فرنسا كان لها ردة فعلها الخاصة آخذة
في الحسبان التقاليد والحساسيات لدى
شعبها وتاريخها ونظامها الإداري
والجغرافي.
فالملحق
الحادي عشر من معاهدة أمستردام يرجع
إلى الهيئات الوطنية أمر تنظيم
العلاقات بين السلطات العامة
والمنظمات الدينية. ومن هذا المنطلق
وبهذه الذهنية قررت الحكومة توضيح
الجدل القائم بهذا الشأن.
وحتى
اليوم تبقى فرنسا البلد الوحيد من بين
أعضاء الاتحاد الأوروبي الذي قرر
استصدار تشريع وطني حول المجاهرة
بعلامات دينية ظاهرة في المدارس. ولكن
هناك تساؤلات وتحليلات مماثلة باتت
مطروحة في ألمانيا، على مستوى عدد من
المقاطعات، كما في بلجيكا أيضاً.
** المصدر القسم الصحفي في
السفارة الفرنسية بالقاهرة.