بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

خطاب جاك شيراك حول مبدأ العلمانية في فرنسا *

 23-12-2003

القاهرة – إسلام أون لاين.نت

( أ ف ب ) جاك شيراك

نص الخطاب الذي ألقاه الريئس جاك شيراك مساء يوم الأربعاء 17-12-2003 وبحضور 400 شخصية فرنسية سياسية ودينية، من بينهم الأعضاء العشرون للجنة برنار ستاسي التي قدمت تقريرها النهائي حول مراقبة تطبيق العلمانية في فرنسا، وأعلن فيه تأييده لسرعة إصدار قانون يحظر كافة الرموز الدينية الظاهرة، وعلى الأخص الحجاب:

السيد رئيس الوزراء،

السيد رئيس الجمعية الوطنية والسيد رئيس مجلس الشيوخ،

السيدات والسادة الوزراء،

السيدات والسادة أعضاء البرلمان،

أيها السيدات والسادة،

يحدث النقاش الدائر حاليا حول مبدأ العلمانية صدى قويا في أقصى أعماق ضمائرنا. وهو مبدأ يرتبط بتلاحمنا الوطني وبقابليتنا على العيش معا وبقدرتنا على الالتفاف مجتمعين حول جوهر الأمور.

إن العلمانية هي مبدأ راسخ في تقاليدنا. وهي تشغل قلب هوية نظامنا الجمهوري. ولا يكمن الأمر اليوم في إعادة تأسيسها أو في تعديل حدودها. ولكن الأمر يتعلق بإحيائها مع الاحتفاظ بوفائنا للتوازنات التي استطعنا ابتكارها ولقيم الجمهورية.

منذ ما يزيد عن مائتي عام والجمهورية تبني وتجدد نفسها مرتكزة على الحرية التي يضمنها تفوق القانون على المصالح الشخصية والمساواة بين المرأة والرجل وتكافؤ الفرص والمساواة بين الحقوق والواجبات والتآخي بين الفرنسيين جميعهم، أيا كانت أوضاعهم الاجتماعية أو أصولهم.

في جمهوريتنا، يحظى كل منا بالتقدير والاعتبار أيا كانت الفوارق التي تميزه لأن كلا منا ملتزم باحترام القانون العام المشترك. وهكذا تعرف فرنسا في جميع أنحاء العالم على أنها موطن حقوق الإنسان.

ولكن العالم يتغير والحدود تتلاشى والمبادلات تتكاثر. وفي الوقت نفسه فإن المطالب المتعلقة بالتمسك بالهوية أو بالانتماء إلى مجموعات تتأكد وتتأجج مهددة غالبا في الجنوح نحو التقوقع والانغلاق على الذات ونحو الأنانية وأحيانا عدم التسامح أيضا.

فكيف سيتسنى للمجتمع الفرنسي أن يرد على هذه التطورات؟

يمكننا الرد عليها باتخاذ خيار الحكمة وبتجميع ورص صفوف الفرنسيين بكافة أصولهم وكافة معتقداتهم. يمكننا الرد عليها أيضا، مثلما فعلنا في لحظات هامة من تاريخنا، جاعلين وفاءنا لقيمنا ولمبادئنا القوة الدافعة لنا للقيام بمجهود صحوة جديدة.

صحوة الضمائر لكي نعيد اكتشاف باعتزاز أصالة ورفعة ثقافتنا ونموذجنا الفرنسي. صحوة في التحرك لكي ندرج في قلب ميثاقنا الجمهوري تكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق واندماج الجميع ملتزمين باحترام الفوارق. صحوة جماعية، لكي نتمكن معا، معتمدين على هذا التنوع الذي هو مكمن ثروتنا، بأن نوجه إرادتنا والتزامنا ورغبتنا بالعيش معا نحو مستقبل مفعم بالثقة والعدل والتقدم.

وانطلاقاَ من الوفاء لمبدأ العلمانية، الذي يُعَد حجر الزاوية للجمهورية والرابط القوي بين قيمنا المشتركة القائمة على الاحترام والتسامح والحوار، فإنني أوجه نداء لكل الفرنسيات والفرنسيين ليتحدوا ويتلاحموا.

هناك قيم مشتركة توحد بين شعبنا وأمتنا وجمهوريتنا. وهذه القيم لم تفرض نفسها بسهولة ويسر. لقد كانت أحيانا سببا للتفرقة والانقسام بين الفرنسيين قبل أن تساهم في تلاحمهم وفي أن تجمع ما بينهم. وغالبا ما تشكلت هذه القيم في ظل المحن المؤلمة التي مثلتها تلك الصراعات التي عبرت تاريخنا والتي تركت أثرا واضحا في ذاكرتنا.

تُعَد هذه القيم أساسا للطابع الفريد لأمتنا. وهي ترتفع بصوتنا عاليا لتوصله إلى أبعد مدى في العالم. إنها القيم التي تتشكل منها فرنسا.

بين المرجعيات الذاتية واحترام القيم المشتركة

فرنسا، أرض الأفكار والمبادئ، وهي أرض مفتوحة ومضيافة وسخية. والشعب الفرنسي، المتحد حول إرث فريد من نوعه هو مصدر قوته وعزته، هو شعب غني بتنوعه. وهو تنوع مقبول ومعترف له بموقعه في قلب هويتنا الفرنسية.

إنه تنوع المعتقدات، في هذه الأرض التي نبتت فيها المسيحية منذ القدم والتي تأصلت فيها أيضا جذور تقليد يهودي يرجع إلى ما يقرب من ألفي عام. أرض الكاثوليكية التي استطاعت أن تجتاز التمزق الذي أحدثته الحروب الدينية وأن تعترف في النهاية بمعتنقي المذهب البروتستانتي وتعطيهم مكانتهم كاملة عشية الثورة الفرنسية. أخيرا، أرض الانفتاح للفرنسيين السائرين على التقليد الإسلامي والذين يعدون جزءا لا يتجزأ من أمتنا.

وبالطبع إنه تنوع هؤلاء، نساء ورجالا، في كل جيل من الأجيال، ممن جاءوا لينضموا إلى هذا المجتمع الوطني والذين كانت فرنسا بالنسبة لهم في المقام الأول مثالا قبل أن تصبح وطنا لهم.

توافد على فرنسا عدد ضخم من المهاجرين الإيطاليين مع بدايات أول ثورة صناعية جالبين معهم لبلدنا موهبتهم وطاقتهم. وجاء أيضا الأسبان، الذين طردوا بفعل التشرذم الرهيب في الثلاثينيات، فأتوا ليجدوا ملاذا في فرنسا. وجاء أيضا في الستينيات برتغاليون مفعمون بالحماسة والشجاعة، وأيضا بولنديون وأرمن وآسيويون. توافدت أيضا رعايا المغرب العربي وإفريقيا السوداء التي ساهمت بصورة كبيرة في النمو الذي شهدته بلادنا في فترة "الثلاثين عاما المجيدة" قبل أن تتأصل تلك الرعايا على أرضنا. كل هؤلاء ساهموا في صقل ملامح بلدنا وفي أن يجعلوه أكثر قوة وأكثر رخاء وساهموا أيضا في ازدياد إشعاعه في أوروبا وفي العالم.

إن راية بلدنا ولغتنا وتاريخنا: تحدثنا كلها عن هذه القيم المبنية على التسامح واحترام الآخر، تحدثنا عن تلك المعارك التي خضناها وعن هذا التنوع وهي كلها أمور ساهمت في رفعة فرنسا وعظمتها. فرنسا التي تناضل من أجل السلام والعدل وحقوق الإنسان، نحن نعتز ونفخر بها جميعا. يتعين علينا الدفاع عنها. وبدلا من أن نجعلها موضع مساءلة وتشكيك، يجب على كل واحد منا أن يقيس ويقدر ما قدمته فرنسا له وأن يسأل نفسه عما يمكن أن يقدمه لها.

ولكي تظل فرنسا على ما هي عليه يجب علينا اليوم الرد على التساؤلات وأن ننزع فتيل التوترات التي تعبر مجتمعنا.

وكل منا يعرف عوامل التوترات هذه وماهيتها.

وعلى الرغم من كونها حاملة لفرص جديدة، فإن العولمة تؤرق وتفقد الأفراد توازنهم وتدفعهم أحيانا للتقوقع على أنفسهم.

في الوقت الذي خارت فيه الأيديولوجيات الكبيرة، باتت الظلامية ومعها التعصب يشهدان امتدادا في العالم.

وما بين الأمة الفرنسية وذاك الكيان الأوروبي القائم على المواطنة التي نصبوا إليها، يجب على كل واحد منا أن يعيد تحديد مرجعياته.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار التفاوت وعدم المساواة بل وتفاقمها، أي تلك الهوة التي تزداد اتساعا بين الأحياء ذات الوضعية الصعبة وبقية أنحاء البلد، بات يشكل تكذيبا لمبدأ تكافؤ الفرص ويهدد بشرذمة ميثاقنا الجمهوري.

هناك أمر مؤكد: إن الجواب على تلك التساؤلات المطروحة لا يكمن في صغائر الأمور كالانغلاق على الذات أو تقوقع المجموعات، لا بل على العكس إن الجواب يكمن في التأكيد على رغبتنا على العيش سويا من خلال تدعيم الاندفاع المشترك ومن خلال وفائنا إلى تاريخنا وقيمنا.

وفي مواجهة قلق وريبة ينتابان الزمن والعالم، وأمام مشاعر العجز وأحيانا وطأة الاضطراب، يسعى كل واحد منا إلى التمسك بمرجعيات ذاتية وآنية أكثر فأكثر: كالأسرة وأعمال التضامن بين أهل الجوار والالتزام في نشاط الجمعيات. إن هذا التطلع هو أمر طبيعي، لا بل إنه من الإيجابيات ويبين قدرة الفرنسيين والفرنسيات على حشد طاقاتهم وعلى التحرك وإطلاق العنان لحيويتهم ومبادراتهم.

إلا أن هذا التحرك يجب أن يقف عند حدود احترام القيم المشتركة. فالخطر يكمن في تفجر طاقات تنبذ وتفرق، وفي تمجيد مميزات خاصة تبعد ولا تقرب. كما أن الخطر يتمثل بإعطاء الأولوية لقواعد محددة، خاصة لتطغي على القانون العام المشترك. إن الخطر يتأتى من التفرقة والتمييز والمواجهة.

لننظر لما هو حاصل بعيدا في أنحاء أخرى، فالمجتمعات المشكلة من مجموعات متقوقعة غالبا ما تكون عرضة لتفاوت وعدم مساواة لا يمكن القبول بهما. فتقوقع المجموعات لا يمكن أن يشكل خيارا بالنسبة لفرنسا، بل على العكس، فهو يمثل نقيضا لتاريخنا وتقاليدنا وثقافتنا، ومن شأنه أن يكون النقيض لمبادئنا ولإيماننا بمفهوم تسلق السلم الاجتماعي بالاعتماد على المهارة والجدارة وحدهما فقط، ومغاير لتمسكنا بقيم المساواة والتآخي بين جميع الفرنسيين.

لذا فإنني أرفض أن تتجه فرنسا لاتخاذ هذا المنحى، فقد تفقد فيه ميراثها وقد تعرض مستقبلها للخطر، لا بل إنها ستفقد معه روحها وخلاصها.

ولهذه الأسباب أيضا، يقع علينا واجب التحرك بنشاط جامح، فلن نجد لا في الجمود ولا في الحنين إلى الماضي طريقا مصيريا جديدا مشتركا فيما بيننا، بل سنجد ذلك في الحكمة الواعية والخيال الواسع والوفاء إلى الذات وما هي عليه.

عرفت فرنسا خلال العام الحالي، فيما يخص كافة مجالات التوتر والأزمات، كيف توصل كلمتها التي هي رسالة سلام وتسامح داعية الشعوب التي تعرف التمزق والتشرذم إلى احترام الآخر.

وفي داخل حدودنا، وفي صميم مجتمعنا، دعونا نعيش سويا حاملين في أنفسنا هذا الأمر الملزم نفسه، ونفس هذا الطموح القائم على الاحترام والعدل.

إن تكافؤ الفرص أمام الجميع كان دائما وأبدا في صلب المعركة التي تقودها الجمهورية، والخطوط الأمامية لهذه المعركة باتت تمر عبر الأحياء، فكيف لنا أن نطلب من ساكنيها أن يشعروا بالانتماء إلى الأمة وإلى قيمها عندما يعيشون في أحياء مدقعة معزولة، في محيط يبدو فيه العمران المدني معدوما من كل أشكال الإنسانية، وفي بقعة يراد للقانون فيها أن يظل محجوبا متواريا وأن تكون الغلبة والسيطرة لمن يدعي أنه الأقوى؟

فمن خلال تدعيم الأمن وعبر تطبيق برنامج التجديد العمراني للمدن الهادف إلى إزالة "الحواجز"، إضافة إلى إنشاء المناطق الحرة المرجو منها إعادة توفير فرص العمل وإعادة النشاط إلى المدن، نكون قد قضينا على حتمية المصير واستعدنا بريق الأمل. إن هذا الأمر بالنسبة للحكومة كما بالنسبة لي شخصيا يشكل رهانا وإحدى المستلزمات الرئيسية.

الاندماج الاجتماعي يحقق تكافؤ الفرص

إن أمر إحياء تكافؤ الفرص أمام الجميع ينطوي على فكرة إعادة تعزيز الاندماج الاجتماعي بما يمثله من تقليد قائم لدينا بقوة، معتمدين بذلك على ما تم تحقيقه من نجاح بات من المكتسبات ولكن أيضا من خلال رفضنا لما هو غير مقبول.

هناك كثير من الشباب المنحدرين من الهجرة، ممن باتت اللغة الفرنسية لغتهم الأم، وغالبا ما تكون جنسيتهم فرنسية، قد نجحوا في حياتهم ويشعرون بالارتياح في مجتمع هو مجتمعهم. يتعين تقدير هؤلاء والاعتراف بما يمثلونه، سواء من حيث قدراتهم أم مسارهم أم جدارتهم. إنهم راغبون في التعبير عن نجاحهم وعن توقهم إلى العمل والتحرك وعن اندماجهم وانتمائهم الكامل إلى المجتمع الوطني.

إن هذه الأشكال من النجاح ينبغي أيضا أن نقوم بالإعداد لها مع الأجانب الذين ينضمون إلينا بصورة قانونية، طالبين منهم الانتماء إلى قيمنا وتشريعاتنا. فهذا هو الهدف المرجو من العقد الذي أرسته الحكومة بطلب مني والمعروف بمسمى عقد "الترحيب والاندماج"، والذي يقترح عليهم فردا فردا الانضمام إليه. فهو يوفر لهم فرصة متابعة دروس إتقان اللغة الفرنسية ويؤهلهم للانضمام إلى المواطنة الفرنسية الحقة، كما يحظون بمتابعة على الصعيد الاجتماعي، وذلك مقابل التزام منهم باحترام دقيق لقوانين الجمهورية.

ولكي يصبح بالإمكان تحقيق هذه الأشكال من النجاح يتعين هدم جدار الصمت وعدم المبالاة الذي يحاصر اليوم واقع التمييز والتفرقة على أنواعها. إنني مدرك لما يشعر به هؤلاء الشبان الفرنسيين، المنحدرين من الهجرة، من عدم تفهم لهم وقلق وحتى من رغبة في التمرد أحيانا، عندما يرمى بطلبات التوظيف التي يتقدمون بها في سلة المهملات، لا لشيء إلا لما توحي به أسماؤهم، ولطالما واجهتهم أشكال التمييز والتفرقة في سعيهم للحصول على مسكن أو حتى وبكل بساطة لدخول مكان ما من أماكن اللهو والتسلية.

يجب أن نعي هذا الأمر ونتداركه من خلال ردة فعل قوية ونشطة. فهذا ما ستكون عليه المهمة التي ستضطلع بها الهيئة المستقلة المكلفة بمحاربة كافة أشكال التمييز والتفرقة والتي سوف تتأسس اعتبارا من مطلع العام القادم.

إن جميع أطفال فرنسا، أيا كان تاريخهم وأيا كانت أصولهم أو معتقداتهم هم أبناء وبنات الجمهورية الفرنسية، وينبغي التسليم والإقرار بذلك، إن من حيث التشريعات أو بالأخص من حيث الواقع، فمن خلال السهر والحرص على هذه المستلزمات وإعادة صهر سياستنا المتعلقة بالاندماج الاجتماعي وقدرتنا على إعادة إحياء تكافؤ الفرص سوف نعيد لتلاحمنا الاجتماعي كامل حيويته. وسوف نحقق ذلك أيضا من خلال إعادة إحياء مبدأ العلمانية الذي يشكل ركيزة أساسية من ركائز دستورنا الفرنسي. إنه مبدأ معبر عن إرادتنا في العيش معا ملتزمين باحترام التحاور والتسامح.

لا قيود للتعبير عن حرية المعتقد

إن العلمانية هي ضمان لحرية الفكر والضمير، إنها حامية لحرية المعتقد، بوجوده أو بعدمه. إنها تؤمن لكل فرد إمكانية ممارسة شعائره والتعبير عن إيمانه، بكل طمأنينة وحرية دون أن يجد نفسه تحت وطأة التهديد بأن تفرض عليه قناعات أو معتقدات أخرى. إنها تسمح لأشخاص، نساء كانوا أم رجالا، قادمين من آفاق مختلفة ومنتمين إلى ثقافات متنوعة، بأن يشعروا بأن الجمهورية ومؤسساتها تصون معتقداتهم وتحميها. فالعلمانية بانفتاحها السخي تمثل مكمن متميز للتلاقي والتبادل يتواجد فيه كل فرد لتقديم أفضل ما لديه للمجتمع الوطني. إن الحيادية في المجال العام هي التي تسمح بتعايش بانسجام متناسق بين كافة الديانات على أنواعها.

وشأنها شأن كافة الحريات الأخرى، لا قيود للتعبير عن حرية المعتقد، إلا بحدود عدم المساس بحرية الآخرين وباحترام قواعد الحياة في المجتمع. إن الحرية الدينية التي هي موضع احترام وحماية في بلدنا لا يجوز الانحراف بها، فمن غير الممكن لها أن تنال من القانون العام أو أن تطال من حرية معتقد الآخرين. فهذا التوازن الدقيق والقيم والحساس الذي بُني بصبر منذ عقود عدة، هو الذي يؤمن احترام مبدأ العلمانية. وهذا المبدأ هو حظوة لفرنسا؛ لذا قد تم إدراجه في المادة الأولى لنصوص الدستور، وهذا ما يجعله غير قابل للمساومة.

بعد أن كانت سببا في تشرذم فرنسا عند اعتماد التشريع الفرنسي الهام القاضي بفصل الدين أو الكنائس عن الدولة عام 1905، جاءت علمانية مهادنة مكنت جميع الفرنسيين من التلاحم. وبعد أن تم اختبارها طيلة قرن من الزمن، أثبتت الحكمة منها وقد أجمعت عليها كافة المذاهب الدينية والتيارات الفكرية، منضمة إليها.

بيد أنه بالرغم من كونها من أقوى مكتسبات الجمهورية الفرنسية، وفق ما أظهرته بالأخص أعمال اللجنة (ذات الصلة) التي ترأسها السيدة برنار ستازي، والتي أود هاهنا أن أوجه لها مجددا تحية خاصة جدا، بات تطبيق مبدأ العلمانية في مجتمعنا اليوم موضع جدل محتدم. لا شك بأنه مبدأ قل ما يتم الاعتراض عليه، وكثيرون هم الذين يجاهرون بالانتماء إليه. إلا أن كيفية تطبيقه تصطدم في عالم التوظيف والعمل كما في المؤسسات العمومية، وبالأخص في المدرسة أو المستشفى، بصعوبة جديدة متنامية.

قوانين الجمهورية ليست موضع اعتراض

لا يمكننا أن نسمح بأن تصبح قوانين الجمهورية موضع اعتراض وجدل تحت ستار الحرية الدينية. فالعلمانية هي إحدى أعظم إنجازات الجمهورية، وتمثل عنصرا رئيسيا هو الأهم بالنسبة للسلام في المجتمع والتلاحم الوطني. لا يمكننا أن ندعها تعرف الوهن، وعلينا العمل من أجل تدعيمها. ولهذه الغاية، علينا أن نوفر بالفعل الاحترام نفسه والتقدير نفسه لكافة الأسر الروحية الكبرى. وفي هذا الصدد، إن الإسلام الذي هو الدين الأكثر حداثة على أرضنا، له مكانته الكاملة بين كافة الديانات الكبرى التي اتخذت موطئ قدم لها على ترابنا. إن إنشاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بات من شأنه أن يسمح بتنظيم العلاقة بين الدولة والإسلام في فرنسا. يتعين أن يتاح للمسلمين إمكانية رصد دور عبادة لهم من شأنها أن تسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية في وقار وطمأنينة. وبالرغم مما تحقق من تقدم حديث في هذا الميدان، يجب الإقرار بأنه لا يزال هناك الكثير الذي ينبغي فعله وإنجازه. وسيكون قد تم تحقيق خطوة جديدة عند الانتهاء من تأهيل جمع من الأئمة الفرنسيين بحيث تكون قد أتيحت الفرصة لتثبيت إسلام ذات ثقافة فرنسية، له شخصيته.

فالاحترام والتسامح وروح التحاور سوف تترسخ أيضا عبر تفهم الآخر والتعرف به، وهي الأمور التي يتعين على كل واحد منا أن يوليها أكبر درجة من الأهمية؛ لذا يبدو لي أن التوسع في تعليم الدين في المدارس بات اليوم أمرا جوهريا ورئيسيا.

كما ينبغي أيضا شن حرب عشواء، لا هوادة فيها، حازمة ومتشددة، ضد الكراهية للأجانب والعنصرية وبالأخص اللاسامية. دعونا لا نتهاون مع الشتيمة والإهانة المراد تهميشهما. دعونا لا نقلل من أهمية تلك المؤشرات أو التصرفات أو الكلمات أيا كانت. دعونا لا نسمح بمرور أي منها، فإن هذه المسألة هي مسألة عزة وكرامة.

مؤسسات الدولة.. علمانية ومحايدة

علينا أن نؤكد بقوة على حيادية وعلمانية مؤسسات الدولة، فهي شأن يخص كل عامل في القطاع العام يعمل في خدمة الجميع وفي سبيل مصلحة الجميع، والذي يفرض عليه الامتناع عن المجاهرة بمعتقداته الذاتية أو آرائه. إنها قاعدة عامة من قواعد شرعنا؛ لأنه لا يجوز تمكين أي فرنسي من التشكيك بأن ممثل السلطة العامة يعطيه الأفضلية بالنسبة لغيره أو على العكس يحرمه من حظوته بالاستناد لمعتقدات أو قناعات شخصية. وعلى النحو ذاته، لا يجوز لمواطن ما انطلاقا من معتقداته أن يتنكر لموظف عام.

يجب التأكيد مجددا على العلمانية في المدارس؛ لأن المدرسة يجب أن تصان بشكل مطلق. فالمدرسة هي المكان الأول الذي نتشاطره، والذي يتم فيه اكتساب القيم وتلقينها، وهي تمثل الجهاز الأساسي الذي يتم فيه ترسيخ الفكر الجمهوري. إنه المكان الذي ننشئ فيه مواطني الغد فندربهم على النقد والتحاور والحرية، والمكان الذي تسلم لهم فيه كافة المفاتيح المؤدية للانفتاح والنضوج كما للتحكم في مصيرهم. إنه المكان حيث يجد كل فرد منهم السبيل ليرتسم أمامه أفق أوسع.

إن المدرسة هي صرح جمهوري يتوجب علينا المدافعة عنه سعيا لصون المساواة في اكتساب القيم والمعرفة، والمساواة بين الفتيات والفتيان، والاختلاط في كافة مجالات التعليم ولا سيما في مجال الرياضة، وذلك سعيا منا لحماية أطفالنا. وأيضا، كي لا نعرض شبابنا لإغواءات سيئة من شأنها أن تفرق وتقسم وتثير الأفراد الواحد ضد الآخر.

ليس من الوارد بالطبع أن نجعل من المدرسة نموذجا واحدا متشابها، نكرة ولا تنوع فيه، مكان يحظر فيه الدين أو الانتماء الديني. إن الأمر يكمن في إتاحة الفرصة أمام المدرسين والمشرفين على المؤسسات المدرسية، الذين يجدون أنفسهم اليوم في الخطوط الأمامية يواجهون صعوبات حقيقية، كي يمارسوا مهامهم بطمأنينة من خلال تثبيت قاعدة واضحة.

حتى تاريخ حديث، وبموجب تقاليد منطقية كانت تحترم تلقائيا، لم يكن أحد يشكك بأن التلاميذ، الذين بالطبع لهم الحرية بأن بعيشوا إيمانهم، عليهم الامتناع عن المجيء إلى المدرسة أو الثانوية برداء ديني.

إن الأمر لا يتعلق باستنباط قواعد جديدة أو بإعادة رسم حدود العلمانية، بل بتبيان بكل احترام، ولكن بشكل واضح وحازم، قاعدة هي في صميم تقاليدنا وعاداتنا وممارساتنا منذ أمد بعيد.

حظر العلامات التي تشير للانتماء الديني

لقد عاينت ودرست التقرير الصادر عن اللجنة برئاسة ستازي، وتفحصت الحجج التي تقدمت بها بعثة الجمعية الوطنية والأحزاب السياسية والسلطات الدينية وكبار ممثلي التيارات الفكرية الهامة.

لذا وبضمير واع، أعتبر بأن ارتداء لباس أو أي علامات أخرى تشير جهارا إلى الانتماء الديني يجب أن يتم حظرها في المدارس والمعاهد التكميلية والثانويات. هناك علامات مستورة، غير ظاهرة سوف يبقى بالطبع مسموح بها، كالصليب على سبيل المثال، أو نجمة داود، أو يد فاطمة. ولكن العلامات الجلية الفاضحة، أي تلك التي يكون ارتداؤها من شأنه أن يؤدي إلى تميز الفرد باختلافه عن الآخرين والتعرف عليه على الفور من خلال انتمائه الديني، لا يجوز السماح بها.

إن كل تلك العلامات، أي الحجاب الإسلامي، أو أيا كان المسمى الذي يطلق عليه، أو القبعة اليهودية أو الصليب ذا الحجم المبالغ به جهارا، لن يكون لها مكان داخل أسوار المدارس الحكومية العامة. فالمدرسة الحكومية ستبقى علمانية.

ولهذا الغرض، بات من الضروري وضع تشريع في هذا الشأن، تشريع أود أن يقره البرلمان وأن يوضع موضع تطبيق كامل اعتبارا من مطلع السنة المدرسية المقبلة. ومنذ الآن، أطلب من الحكومة الاستمرار في حوارها مع السلطات الدينية وانتهاج أسلوب الشرح والتفسير والوساطة واتباع الأصول التربوية.

إن الهدف الذي نصبو إليه يكمن في جعل القلوب والأذهان تنفتح على بعضها البعض، كما ويكمن في جعل الشبيبة المعنية تتفهم الرهانات التي يمليها الوضع وحماية هذه الشبيبة من التأثيرات والاندفاعات الحماسية التي هي أبعد من أن تحرر هؤلاء أو أن تتيح لهم فرصة تثبيت خيارهم الحر، بل إنها تشكل إكراها ملزما وتهديدا لهم.

وفيما يخص تطبيق هذا التشريع، سوف يتعين السعي مباشرة للتحاور والتشاور قبل اتخاذ أي قرار.

لا زيادة في أيام الإجازات المدرسية

وعلى العكس، والمسألة باتت مطروحة، لا أعتقد بأنه ينبغي زيادة عدد أيام العطل على البرنامج الزمني المدرسي، الذي يعد أيام عطل كثيرة، فضلا عما قد يسببه ذلك من صعوبة شاقة للأهل الذين يعملون ولن يكونوا في إجازة. وعليه، وتبعا للتقليد المعمول به والذي بات معمما، لا أرغب في أن يتغيب أي تلميذ عن مدرسته متعذرا في غياب يبرره عيد ديني كبير كعيد الكيبور أو عيد الأضحى، إلا بشرط إعلام مؤسسته التعليمية المسبق. ومن البديهي القول إنه لا يجوز الإعداد لامتحانات هامة أو مسابقات مدرسية في تلك الأيام المشار إليها، وسوف تعطى تعليمات في هذا الاتجاه للعمداء القيمين على المدارس في وزارة التربية الوطنية.

ويتوجب التذكير أيضا بقواعد العيش المشترك المبدئية. وهنا يذهب بي التفكير إلى ما يحدث في المستشفى حيث لا يمكن لأي شيء أن يبرر رفض مريض ما، من حيث المبدأ، الخضوع للمعالجة من قبل طبيب من الجنس الآخر. سينبغي سن تشريع يكرس هذه القاعدة بتعميمها على كافة المرضى الذين يجيئون إلى المستشفيات العامة الحكومية.

وعلى النحو ذاته، سيتوجب على وزير العمل مباشرة مشاورات ضرورية، وإن اقتضت الحاجة، طرح نص قانوني على البرلمان من شأنه أن يصرح لأصحاب الشركات بوضع نظم خاصة بمسائل ارتداء علامات دينية، وذلك عملا باعتبارات ملزمة لها صلة بالنواحي الأمنية -وهذا أمر بديهي- أو لها صلة بالعلاقات مع الزبائن.

وبصورة عامة، أعتقد أنه من المستحب وضع قوانين للعلمانية تجمع بين كافة المبادئ والقواعد المتعلقة بالعلمانية. وسوف توضع هذه النظم بين أيدي الموظفين الحكوميين والعاملين في القطاع العام في اليوم الذي يباشرون فيه ممارسة مهامهم أو يدخلون فيه الخدمة العامة.

الالتزام دون تردد بحقوق المرأة

ومن ناحية أخرى، سيقوم رئيس الوزراء بإنشاء مرصد للعلمانية، من جانبه، يكون مكلفا بإشعار الفرنسيين والسلطات العامة بالمخاطر الناتجة عن أية انحرافات أو انتهاك لهذا المبدأ الجوهري.

وأخيرا، إن معركتنا في سبيل قيم الجمهورية يجب أن تقودنا إلى الالتزام دون تردد إلى جانب حقوق المرأة ومساواتها الفعلية مع الرجل. إن هذه المعركة هي من النوع الذي سوف ترتسم من جرائها ملامح فرنسا الغد. فمستوى تمدن مجتمع ما يقاس أولا وقبل كل شيء نسبة للمكانة التي تحتلها المرأة فيه.

يتعين الإبقاء على اليقظة والحزم في مواجهة مخاطر تهدد بالتراجع إلى الوراء، وهي مخاطر قائمة.

لا يمكننا القبول بأن يسعى البعض، متسترين وراء مفهوم مغرض لمبدأ العلمانية، للنيل من مكتسبات الجمهورية، تلك التي تتمثل بالمساواة بين الجنسين وبكرامة المرأة. إنني أعلن رسميا: بأن الجمهورية ستعترض كل ما من شأنه أن يفرق أو أن ينتقص أو أن يقصي وينبذ. فالقاعدة المتبعة هي الاختلاط لأنها قاعدة جامعة موحدة، تضع البشر على قدم المساواة، ولأنها قاعدة تأبى التمييز وفقا للجنس أو الأصل أو اللون أو الدين.

فعلى صعيد حقوق المرأة، لا يزال أمام مجتمعنا الكثير من التقدم الذي ينبغي تحقيقه. فالتكافؤ بين المرأة والرجل بات يعرف حدودا جديدة قوامها المساواة المهنية بين النساء والرجال. يتعين على كل فرد منا أن يعي هذا الأمر وأن يعمل بهذا الاتجاه. وأنوي أنا شخصيا الالتزام بذلك خلال الأسابيع القادمة.

أيها السيدات والسادة،

إن النقاشات الجارية حول العلمانية والاندماج وتكافؤ الفرص أمام الجميع، وحقوق المرأة، تطرح علينا السؤال عينه: أية فرنسا نريد لأنفسنا ولأبنائنا؟ لقد ورثنا بلدا غنيا بتاريخه وبلغته وبثقافته وأمة قوية بقيمها ومثالياتها.

فكل واحد منا عليه أن يفخر ببلدنا فرنسا. وكل واحد منا يجب أن يشعر بأنه مؤتمن على ما أورثنا إياه هذا البلد، وعلى كل واحد منا أن يشعر أنه مسئول عن مستقبل فرنسا.

دعونا نتقن تحويل التساؤلات التي تطرح نفسها علينا اليوم إلى مؤهلات إيجابية للغد، وذلك من خلال السعي بإصرار ودون تردد إلى اللحمة بين الفرنسيين، ومن خلال تثبيت تمسكنا بعلمانية سخية منفتحة، على النحو ذاته الذي عرفنا فيه كيف ننشئها عاما بعد عام. ومن خلال إحياء تكافؤ الفرص وروح المسامحة والتضامن على أفضل وجه، ومن خلال شن معركة حاسمة في صالح حقوق المرأة، ومن خلال الالتفاف حول مبادئ نشبت عليها فرنسا ولا تزال قائمة.

وعليه، وعلى هذا النحو، سوف نبقى أمة مطمئنة آمنة وقوية بتلاحمها، وعلى هذا النحو سوف نتمكن من إعادة التأكيد على الطموح الذي يجمع بيننا والمتمثل ببناء مستقبل قوامه التقدم والعدل لبلدنا ولأبنائنا.

إنه أحد أكبر التحديات التي تواجهها أجيالنا، وهذا التحدي بمقدورنا أن نكسبه سويا ويتوجب علينا ذلك.

جميعا مع بعضنا البعض.

أشكركم.


                          قصر الإليزيه
                           17 ديسمبر/ كانون الأول 2003


* المصدر/ القسم الصحفي للسفارة الفرنسية بالقاهرة


وثائق و بيانات


 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع