English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الموقع أيضًا:

نص المبادرة المصرية لتطوير الجامعة العربية وتفعيل العمل العربي المشترك*

وكالات - إسلام أون لاين.نت/ 28-07-2003 م

إن المتتبع المدقق لمسيرة جامعة الدول العربية يلاحظ أن الإنجازات التي حققتها قد ارتبطت دائما إما بإدراك سليم للمخاطر التي هددت النظام العربي، وإما بمناخ صحي للعلاقات العربية ـ العربية‏.‏ وعلى سبيل المثال فإن نجاح مجلس الجامعة في التصدي للمشكلة العراقية ـ الكويتية، في عام‏ 1961، في مقابل الإخفاق التام لمجلس الأمن في هذا الصدد، يرجع إلى وقفة الاتفاق بين الدول العربية، على الرغم مما كان بينها من خلافات في ذلك الوقت، على ضرورة الحفاظ على المبادئ المؤسسة للنظام العربي، ومن بينها الحفاظ على السلامة الإقليمية لأعضائه، ورفض مبدأ استخدام القوة في العلاقات العربية - العربية، وانبثقت الإنجازات التي حققتها القمتان العربيتان في القاهرة والإسكندرية، عام ‏1964، على صعيد التصدي للأطماع الإسرائيلية في المياه العربية والعمل على بناء الكيان الفلسطيني، من حقيقة التهديد الذي مثلته إسرائيل في ذلك الوقت‏.‏

وينطبق الشيء نفسه على الإنجاز التاريخي لقمة الخرطوم، في أغسطس ‏1967،‏ عقب العدوان الإسرائيلي واحتلال أراضٍ تابعة لبعض الدول العربية، وفي ‏1987،‏ عقدت قمة عمان التي ينسب لها الفضل في إعادة التواصل إلى العلاقات العربية - المصرية مع الإحساس بتفاقم تداعيات الصراع العراقي الإيراني في ذلك الوقت، وعقدت قمتا ‏1996‏ و‏2000‏ في القاهرة، توجسا لتداعيات الانقلاب الذي طرأ على السياسة الإسرائيلية تجاه التسوية السلمية، واعتماد لغة القوة المفرطة في التعامل مع الشعب الفلسطيني‏.‏

ولما كان النظام العربي يمر الآن بمرحلة من أخطر مراحل تطوره في ظل متغيرات عالمية وإقليمية ظاهرة للعيان، أوجدت وضعا جديدا في المنطقة، يشكل، دون مبالغة، خطرا داهما على المصالح العربية، فإن التعامل الرشيد مع هذه الأوضاع يستلزم بالضرورة أن تتم إزالة كل الشوائب من العلاقات العربية - العربية، والعمل على تسويتها جميعا، في إطار مسعى جاد لتنقية الأجواء العربية، بما يؤدي إلى تقوية أسس النظام العربي، ودعم مؤسسته الرئيسية جامعة الدول العربية.

ثانيا‏:‏ اضطلاع الجامعة العربية بدورها كأداة رئيسية للعمل العربي المشترك:

على الرغم من تواضع النظرة العربية إلى جامعة الدول العربية، والاكتفاء بالنظر إليها على أنها أداة لتوثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية، تحقيقا للتعاون بينها، وهو الأمر الذي عبر عنه نص المادة الثانية من ميثاق جامعة الدول العربية، فإن تاريخ الجامعة كان مرآة عكست، في معظم الأحيان، افتقارا إلى الإرادة السياسية للدول الأعضاء لدعم الجامعة وتقوية دورها‏.‏

وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل إن الممارسة على مدى ذلك التاريخ قد حفلت بالعديد من المناسبات التي رفضت فيها الدول العربية عرض بعض شئونها أو منازعاتها على أجهزة الجامعة، ميممة شطر منظمات دولية أخرى، كما انطلقت الدول الأعضاء نحو بناء مؤسسات وآليات عربية على مستويات مختلفة موازية، بل ومنافسة أحيانا للجامعة‏.‏ وعلى الرغم مما تحقق لبعض هذه المؤسسات والآليات من نجاح، فإن أحدا لا ينكر أن مثل هذا النجاح كان خصما من رصيد ما يجب أن يتوافر من دعم وتعضيد لجامعة الدول العربية من جانب جميع الدول الأعضاء فيها‏.‏

لقد آن الأوان أن تصبح جامعة الدول العربية هي الأداة الرئيسية للعمل العربي المشترك من أجل تحقيق الغايات المشتركة التي تسعى إليها الدول الأعضاء في الجامعة، وهو الأمر الذي يفرض، بالضرورة، إيجاد آلية جديدة في إطار جامعة الدول العربية لتعمل على تحقيق القدر الكافي من التنسيق بين هيئات ومؤسسات العمل العربي المشترك، حتى ما تم إنشاؤه منها خارج نطاق وإطار جامعة الدول العربية‏.‏

إن النظر إلى جامعة الدول العربية، بوصفها الأداة الرئيسية للعمل العربي المشترك، كفيل في الوقت ذاته بتأكيد تكامل المصالح الوطنية، بل والمصالح على مستوى التجمعات العربية المختلفة مع المصالح القومية‏.‏ فهذه انتماءات وحلقات متكاملة يجب أن تصب جميعا في خانة دعم جامعة الدول العربية، وتعزيز العمل العربي المشترك، في ظل مناخ دولي مختلف، وأوضاع إقليمية تفرض تحديات هائلة غير مسبوقة، لا قبل لنا بمواجهتها إلا من خلال الوقوف صفا واحدا في إطار جامعتنا العربية، التي يجب أن نعمل جميعا على أن تكون قاطرة العمل العربي المشترك، وأداته الرئيسية الفاعلة ومحورا رئيسيا للنظام العربي‏.‏

ثالثا‏:‏ احتواء المنازعات العربية، العربية وتسويتها:

إن أبسط موجبات مصارحة النفس تفرض الاعتراف بأن النزاعات العربية ـ العربية، التي اتخذت صورا وأشكالا متنوعة، كانت من أبرز سلبيات الفترة السابقة، وإذا كنا لا نرغب في أن ننكأ جراح الماضي، فإن هذه الجراح التي بدا البعض منها غائرا في الجسد العربي لسنوات طوال، والتي لم تفلح في مداواتها المفاوضات، والمبادرات، والوساطات، كان يمكن لها أن تلتئم وتندمل آثارها فيما لو وجدت من الوسائل والآليات الدبلوماسية ما يكفل احتواء مثل هذه المنازعات في بدايات نشوبها، أو الأداة القانونية الحاسمة التي تضع لها نهايات قاطعة، بما يجعل أطرافها تتطلع إلى مستقبل التعاون بعد التحرر من أثقال خصومات وضغائن لا مبرر لها‏.‏

ومن هنا فإن العمل على احتواء المنازعات العربية - العربية في مهدها، وقبل استفحال أمرها، يصبح واجبا قوميا ملحا يجب أن يسبق التفكير في الآلية القضائية العربية لتسوية المنازعات‏.‏ فقد أثبتت التجارب، في العديد من المناسبات، أن الدبلوماسية الوقائية هي التجسيد الناجح للمبدأ القائل بأن الوقاية خير من العلاج، وهو ما يقودنا إلى ضرورة العمل على إنشاء آلية للوقاية من المنازعات وإدارتها وتسويتها لتقوم بالدور الوقائي، ومحكمة عدل عربية تكون أداة تضع نهايات حاسمة للنزاعات العربية ـ العربية‏:‏

أ- آلية الوقاية من المنازعات وإدارتها وتسويتها:

إن الهدف من إنشاء هذه الآلية هو الوقاية من النزاعات بين الدول العربية، والعمل، حال وقوعها، على احتوائها والحد من آثارها وتسويتها، والتعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية الأخرى عند الاقتضاء، مع الأخذ في الاعتبار المبادئ الأساسية التي يقوم عليها ميثاق جامعة الدول العربية، وبصفة خاصة مبادئ احترام سيادة الدول الأعضاء وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في شئونها الداخلية، وتسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية‏.‏

لقد سبقت الموافقة من حيث المبدأ في مؤتمر القمة، في عام ‏1996 على إنشاء آلية جامعة الدول العربية للوقاية من النزاعات وإدارتها وتسويتها، وأحيلت إلى مجلس الجامعة، حيث تمت دراسة تفصيلات مشروع إنشاء هذه الآلية ومختلف جوانبها، ثم تمت الموافقة على إنشائها عام ‏2000‏ من جانب وزراء الخارجية العرب‏.‏ وما علينا الآن إلا تنفيذ هذين القرارين بإخراج هذه الآلية فورا إلى حيز الواقع العربي، في إطار سعينا لتطوير جامعة الدول العربية، والعمل على تنشيط العمل العربي المشترك، تقديرا للظروف والمتغيرات والتحديات الإقليمية والدولية التي تواجه النظام العربي ومؤسسته الرئيسية جامعة الدول العربية‏.‏

ب- إنشاء محكمة عدل عربية:

وإذا كانت بعض المنازعات العربية ـ العربية التي عرفت سبيلها إلى محكمة العدل الدولية قد وصلت إلى نهايات حاسمة، قبلت بها الأطراف المتنازعة، فإن في ذلك ما يكشف عن مدى الحاجة الملحة إلى إطلاق مشروع إنشاء محكمة العدل العربية من عقاله، بعد أن توافر لهذا المشروع ما لم يتوافر لغيره من مراجعة وتمحيص من جانب الدول الأعضاء ولجان الخبراء المتخصصين‏.‏

إن إنشاء محكمة عدل عربية يوفر آلية قانونية تسهم في حسم المنازعات العربية ـ العربية، وتنقية الأجواء العربية، ويلقي عن كاهل الدول الأعضاء أعباء إدارة أزمات لا يبررها منطق التضامن العربي، ولا يسوغها عمق العلاقات بين هذه الدول الشقيقة، بما يوفر الجهد، ويزيل الاحتقان في بعض جوانب العلاقات العربية ـ العربية، ويبدد الكثير من الحساسيات التي لا مبرر لها، ولا طائل من ورائها، ويؤدي بالدول العربية إلى تكتيل جهودها لمواجهة الواقع العربي الراهن بكل ما يحيط به من أخطار وتحديات على الصعيدين الدولي والإقليمي على السواء‏.‏

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن إنشاء هذه المحكمة سيؤدي إلى توفير آلية تدفع العمل في إطار جامعة الدول العربية من خلال الآراء الاستشارية، التي يمكن لأجهزة الجامعة أن تطلبها من المحكمة، والتي ستؤدي بكل تأكيد إلى انسياب العمل في أجهزة الجامعة، وإلى تجاوز ما يثار من خلافات في الرؤى والتفسيرات لنصوص المواثيق والاتفاقات والقرارات‏.‏

ولا شك أن الاحتكام إلى آلية قضائية محايدة سيؤدي إلى إطلاق روح المبادرة وطاقات النشاط الخلاق في ظل اطمئنان تام إلى سلامة الأسس القانونية التي يقوم عليها العمل العربي المشترك‏.‏

رابعا‏:‏ التكامل الاقتصادي العربي:

إن أحد المداخل الرئيسية لخروج النظام العربي من أزمته الراهنة هو مدخل التكامل الاقتصادي، وهو ما تشير إليه خبرة عدد من تجارب التكامل الإقليمي الناجحة، لعل الاتحاد الأوروبي أهمها‏.‏ ولا يخفى أن النظام العربي قد أخذ منذ بدايته بهذا النهج، وليس أدل على ذلك من أن اتفاقية التعاون الاقتصادي تعود إلى عام ‏1950، بما يسبق الاتفاقية النواة للاتحاد الأوروبي بسبع سنوات‏.‏ وقد مرت جهود التكامل الاقتصادي العربي بمراحل عديدة، لكن الملاحظ أنها لم تفض في أي مرحلة من المراحل إلى الثمرة المرجوة، التي تتناسب وعظم التحديات التي تواجه الوطن العربي من ناحية، وطموح الوثائق والاتفاقيات التي طرحت كإطار للتكامل الاقتصادي العربي من ناحية أخرى، والدليل على ذلك أننا مازلنا بعيدين، بعد أكثر من نصف قرن على بداية تلك الجهود، عن التحقيق الكامل لمنطقة التجارة الحرة العربية، بينما وصلت دول الاتحاد الأوروبي في مدة زمنية أقل إلى ما يقرب من الوحدة الاقتصادية الكاملة، لذا فإن علينا أن نطرح عددا من الأفكار الجديدة، في محاولة لكسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها جهود التكامل الاقتصادي العربي‏.‏ وفي هذا الإطار يمكن تقديم الأفكار التالية‏:‏

‏1‏- عمل مسح شامل لما تم من تلك الجهود، ومدى تكاملها أو تضاربها، فيما بينها، أو في علاقاتها مع الأطر والترتيبات الأخرى الإقليمية والدولية، بما يتيح التوصل إلى رؤية واضحة وتخطيط سليم لمستقبل التكامل الاقتصادي العربي‏.‏

‏2‏- التفكير في لجان للتنسيق بين القطاعات الاقتصادية المتماثلة في الدول العربية، بما يمكن من إعطاء دفعة قوية، في المدى المتوسط، لتيارات وجهود التكامل بين الاقتصادات العربية، وذلك بالنظر إلى ما لوحظ من أن الإزالة التدريجية للعوائق التجارية لم تؤد إلى أي زيادة يعتد بها في تدفق التجارة بين الدول العربية، نتيجة للتشابه في بنية عديد من القطاعات الاقتصادية المتماثلة في الدول العربية‏.‏ وعليه، فإن أي تفكير جدي في حفز تيارات التجارة البينية العربية لا بد وأن ينطلق من التنسيق المسبق بين الدول المعنية، وعلى أساس اختياري، وبما يحقق الصالح الوطني لكل دولة من هذه الدول على حدة، ويحقق في الوقت نفسه الصالح القومي العام‏.‏

‏3‏- اقتراح مشروعات للتكامل الاقتصادي العربي، لا يجب بالضرورة أن تكون شاملة للدول الأعضاء كافة أو لجميع القطاعات الاقتصادية، وإنما يكون شرطها الوحيد هو قدرتها على تحقيق عوائد إيجابية للأطراف المشاركة فيها، ولو بدرجات متفاوتة، أو في مجالات مختلفة‏.‏ ومن المأمول أن تؤدي هذه المشروعات الجزئية الاختيارية، حال نجاحها، إلى إقدام مزيد من الدول على المشاركة فيها وفقا لنموذج الاتحاد الأوروبي‏.

‏4‏- وضع تصور شامل مبني على دراسات علمية، لدخول القطاع الخاص، بالثقل الذي يتناسب وتنامي دوره في الاقتصادات العربية، في مجال التكامل الاقتصادي العربي، وذلك بغرض تحرير قرار التكامل من سيادة الدولة، ما دام القرار في هذا الصدد سيكون بين المؤسسات الاقتصادية الخاصة، وفق اعتبارات الجدوى الاقتصادية‏.‏ ولاشك أن مردود هذه الجهود، إن تمت، سوف يصب في التحليل الأخير في المجري العام لجهود التكامل الاقتصادي العربي‏.‏

خامسا‏:‏ تشكيل برلمان عربي

إذا كنا نتفق جميعا على أهمية البحث، على المستويات الوطنية، عن الصيغ والصور والأشكال التي تقود إلى توسيع دائرة المشاركة الشعبية، دعما للاستقرار السياسي، وإعلاء لمفهوم دولة القانون، وتعزيزا لاحترام الحقوق الأساسية للإنسان والقيم الديمقراطية، وهو الأمر الذي يتجلى في اتجاه الدول العربية قاطبة إلى بناء المؤسسات الوطنية التي تكفل تحقيق المعاني والمفاهيم المتقدمة، فإن هذا التيار الصاعد لابد له بالضرورة أن ينعكس على العمل العربي المشترك وأداته الرئيسية جامعة الدول العربية، استهداء بتجارب لمنظمات وهيئات إقليمية ودولية سبقت في هذا المضمار، وهو ما يجعلنا نشعر بأن إنشاء برلمان عربي قد أصبح ضرورة لوضع العمل العربي المشترك وجامعة الدول العربية على المسار الصحيح‏.‏

إن المرحلة التي نقف اليوم على أعتابها، تتطلب تضافر جميع الجهود من أجل دفع العمل العربي المشترك وتفعيل آلياته، وهو أمر يجب ألا يقتصر على السلطات التنفيذية العربية دون سواها‏.‏ولكن يتعين أن تسهم سلطات الدولة جميعا، وبصفة خاصة السلطة التشريعية، في تعزيز العمل العربي المشترك لما لهذه السلطة داخل الدولة من دور فاعل ومؤثر، ومن ثم فإنه من المتعين أن يكون لهذا انعكاسه على المستوي الإقليمي، وفي إطار العمل العربي المشترك‏.‏ ومن هنا تأتي أهمية إنشاء برلمان عربي يتم تشكيله بالصيغة التي نتفق عليها، إما من خلال المجالس النيابية العربية القائمة، أو عن طريق الانتخاب المباشر في الدول العربية الأعضاء، أو بأسلوب يجمع بين الطريقتين، ولكن المهم هو ما يمكن أن يقوم به هذا البرلمان من وظائف ومهام داخل نظام جامعة الدول العربية‏.‏

إن الوظيفة الرئيسية للبرلمان العربي ينبغي أن تكون نوعا من الرقابة السياسية على عمل أجهزة الجامعة، والمساهمة في رسم السياسات العامة للجامعة، في جميع مناحي عملها وأوجه نشاطها، مع توفير الآليات والوسائل والأساليب التي يمكن أن تحقق مثل هذه الرقابة السياسية‏.‏

وفضلا عن الرقابة السياسية، فإن الرقابة التشريعية ستكون في صلب اختصاصات البرلمان المنشود‏.‏ كما أن الرقابة المالية على ميزانية الجامعة ومشروعاتها المشتركة وما عساه أن يتوافر لها مستقبلا من موارد ومصادر مالية مستقلة عن مساهمات الدول الأعضاء، ستكون أمرا بالغ الأهمية يؤدي إلى إطلاق العمل العربي المشترك إلى آفاق التحديات التي تواجه العالم العربي في المجالات كافة‏.‏

سادسا‏:‏ إقامة نظام للأمن القومي العربي

فلا يمكن تجاهل أن أخطر المشكلات التي أصابت النظام العربي في الصميم كانت تلك المتعلقة بالأمن القومي، وهو ما يدعونا اليوم إلى ضرورة إعادة ترتيب أوضاع النظام الأمني العربي‏.‏ وإذا كانت التجربة العربية التي أثمرت أطرا أمنية دفاعية قد افتقرت إلى مقومات أساسية، وأعوزتها عناصر ضرورية تكفل لها الفاعلية، فإن علينا أن ندير حوارا صريحا وبناء حول هذه القضية بالغة الحساسية والدقة، تطلعا إلى أفضل الصيغ التي يمكن أن نلتقي عليها، والتي يجب أن تكون خطوة أولي على طريق تحقيق الأمن القومي العربي‏.‏

ومن هنا يمكن التفكير في أحد البديلين الآتيين أو الجمع بينهما في إطار صيغة ما تكون محلا لاتفاقنا جميعا‏:‏

أ- إنشاء مجلس أمن عربي

إن إدراكنا، في ضوء التجارب السابقة، لأهمية التضامن العربي في حالات الإخلال بالسلم والأمن العربيين، ومدي فداحة الأخطار والمعقبات التي تترتب على التقاعس عن اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة لمواجهة مثل هذه الحالات، يجب أن يقودنا اليوم إلى الإقدام على إقامة نظام للأمن القومي العربي على غرار ما هو قائم في المنظمات الدولية والإقليمية،

وقد يجمل أن تكون واسطة العقد في هذا النظام مجلسا للأمن العربي، وتوكل إليه المهام الرئيسية في نظام الأمن العربي‏.‏

وإذا كانت تفصيلات تشكيل هذا المجلس، ونظام التصويت فيه، وحدود صلاحياته واختصاصاته هي أمور تحتاج إلى دراسات تحظي منا جميعا بأكبر قدر من الاهتمام والعناية، فحسبنا أن نشير هنا إلى أن ما اتفق عليه بشأن هذه الأمور الحيوية يجب أن يكفل لمجلس الأمن العربي أكبر قدر ممكن من سرعة التحرك، والقدرة على اتخاذ القرار الحاسم، الذي يجب ألا تقف في وجهه عراقيل الإجماع أو الحق في الاعتراض، فضلا عن صلاحية القيام بالعمل المباشر في بعض الحالات، سيما حيث يقع عدوان على إحدى الدول الأعضاء‏.‏ وأخيرا، إمكانية متابعة ما يصدر عن المجلس من قرارات من خلال الآليات والوسائل التي ينشئها لهذه الغاية‏.‏

ب- إقامة منتدى للأمن القومي العربي

أما البديل الثاني فهو التفكير في إقامة منتدى للأمن القومي العربي، للتعامل مع القضايا الأمنية‏.‏ ويقوم هذا المنتدى في ظل جامعة الدول العربية، كإطار مؤسسي، يشارك فيه ممثلو الدول من مسئولين دفاعيين وأمنيين، وخبراء استراتيجيين، فضلا عن المتخصصين من الجامعات ومراكز البحوث‏.‏

ويعقد المنتدى لقاءات وحوارات، وليس اجتماعات، يتم خلالها النقاش الحر والمفتوح، دون قيود، حول القضايا التي تحددها أمانته، لبلورة اتجاهات عامة بشأنها، فيما يتعلق بمفاهيم الأمن، ومصادر التهديد، والصراعات الإقليمية، والجوانب غير العسكرية للأمن، وكذا كل الإشكاليات التي تري الدول العربية أنها يمكن أن تسهم، خلال مرحلة تالية، في بناء نظام أمني عربي جديد، وعلي أسس واقعية، تحقق المصالح العربية وتدعم أمن كل دولة، في إطار عربي عام‏.‏

سابعا‏:‏ دعم المنظمات العربية المتخصصة

تضطلع المنظمات العربية المتخصصة بدور مهم في العمل العربي المشترك، وتعكس حقيقتين مهمتين‏:‏ أولاهما‏: إن الرابطة العربية تتجاوز بكثير البعد السياسي لتشمل جميع جوانب الحياة، ومن أهمها الجانب الثقافي‏.‏ والثانية‏: إن تلك المنظمات تمثل تجسيدا للنهج الوظيفي في السعي لتحقيق التكامل العربي، فما تعوقه السياسة يمكن أن تنهض به الثقافة أو الاقتصاد‏.‏

والواقع أنه لا يمكن، من ناحية، أن يهدر الدور الذي تقوم به منظمات العمل العربي المشترك، كما يصعب قبول استمرار أوضاعها على ما هو عليه، ولذا يحتاج الأمر لاتخاذ عدد من الخطوات باتجاه دعم تلك المنظمات منها‏:‏

‏1‏- عمل مسح شامل لتلك المنظمات ودراسة أوضاعها بشكل علمي، وذلك للتوصل إلى تقييم موضوعي لنشاطها، ومن ثم إلى أنسب صيغة مستقبلية لها، بما في ذلك التفكير في إنشاء منظمات وظيفية جديدة تكون عضويتها اختيارية، تحقق طفرة في العمل المشترك بنقل تدريجي لاختصاصات الدول الأعضاء إلى مثل تلك المنظمات، وعلي غرار النموذج الذي تطور به الاتحاد الأوروبي، وبحيث يكون نجاحها حافزا لزيادة عدد أعضائها على الأساس الاختياري ذاته‏.‏ على أن تقوم بهذه الدراسة لجنة مشهود لأعضائها بالموضوعية، يمكن أن تتكون من كبار عاملين سابقين وحاليين في تلك المنظمات وفي جامعة الدول العربية وعدد من الخبراء المختصين‏.‏ ويجب أن يكون واضحا أن هدف هذه اللجنة سوف يكون دراسة أوضاع المنظمات بقصد تطويرها إلى الأفضل وليس بقصد إنهاء وجودها أو تحويله إلى مجرد وجود رمزي في الساحة العربية‏.‏

‏2‏- تفعيل ربط هذه المنظمات بجامعة الدول العربية دون أن يؤدي هذا إلى الانتقاص من اختصاصاتها، أو ما يجب أن تتمتع به من استقلال مالي وإداري‏.‏

ثامنا‏:‏ وصل جامعة الدول العربية بالمجتمع المدني العربي ومؤسساته

تعاظم دور وتأثير الهيئات والمنظمات غير الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني، بوجه عام، على جميع الصعد، ولم يعد من المستطاع تجاهل الدور المهم الذي تقوم به هذه المؤسسات أو إنكاره‏.‏ لقد فرضت هذه المؤسسات نفسها معبرة عن إرادة المشاركة الشعبية في مختلف مسارات العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والإنساني، بوجه عام، على نحو غير مسبوق‏.‏ ولا شك أن هذه الظاهرة الصحية التي بعثت قوة الدفع الشعبي عضدا للعمل الرسمي على الصعيد الوطني سرعان ما وجدت لها آفاقا رحبة على الصعيدين الدولي والإقليمي، حيث أفسحت العديد من المنظمات الدولية العالمية والإقليمية مجالات واسعة للاستماع إلى آراء هذه المؤسسات والمنظمات الدولية غير الحكومية ورؤاها‏.‏ وكانت هيئة الأمم المتحدة من أولي المنظمات الدولية في هذا المضمار من خلال إضفاء الصفة الاستشارية، في نطاق المجلس الاقتصادي والاجتماعي، على هذه المنظمات‏.‏ وسرعان ما حذا حذوها العديد من المنظمات الدولية العالمية والإقليمية، بل إن بعض المؤتمرات الدولية الكبرى، التي عرفتها السنوات الأخيرة، كانت خير شاهد ودليل على أهمية إسهام المنظمات الدولية غير الحكومية في العمل الدولي العام، بما يؤدي إلى تعزيز التعاون الدولي والعمل المشترك الذي يستهدف خير الإنسان وصالح الإنسانية جمعاء‏.‏

وإدراكا لما تقدم، وانطلاقا منه، فإنه قد آن لجامعة الدول العربية أن تفسح مجالا أوسع ونطاقا أرحب لمؤسسات المجتمع المدني العربي وهيئاته، على النحو الذي يصبح فيه صوت المجتمع المدني العربي مسموعا بوضوح وقوة داخل أجهزة جامعة الدول العربية، وبحيث يصبح هذا الصوت رافدا من روافد الرأي والرؤية التي تقود العمل العربي المشترك، ويسهم في تصويب مساراته، والتذكير بنبض الشارع العربي وهواجسه وتطلعاته وأمانيه، وهو ما يجب أن يكون في بؤرة اهتمام الجامعة وأجهزتها، بل وأن يكون بمثابة الدليل ومؤشر الاتجاه الصائب الذي يتعين أخذه دائما في الاعتبار‏.‏

ومن هنا، فإن تعديل ميثاق الجامعة يجب أن يتضمن أفكارا خلاقة حول علاقات صحية ومتواصلة بين جامعة الدول العربية ومؤسسات المجتمع المدني العربي، وأن يحدد العلاقات والروابط التي ينبغي أن تقوم على نحو دائم بين الجامعة وهذه المؤسسات، والمنتديات، أو المجالس أو الآليات التي تكفل تحقيق علاقة الوصل المنشودة بين الجامعة ومؤسسات المجتمع المدني العربي بكل أطيافها، وعلي تنوع مجالات اهتماماتها النوعية‏.‏

تاسعا‏:‏ تعديل نظام التصويت في أجهزة الجامعة

تركز الانتقادات التي توجه إلى ميثاق جامعة الدول العربية بصفة خاصة على نظام التصويت في مجلس الجامعة، وكيف قام هذا النظام أساسا على قاعدة الإجماع، وبحيث لا تلتزم الدول الأعضاء، من حيث الأصل العام، إلا بما وافقت عليه‏.‏

وإذا كانت قاعدة الإجماع، بما انطوت عليه ـ من الناحية الفعلية ـ من حق اعتراض لكل دولة من الدول الأعضاء، قد بدت ملائمة ومناسبة للظرف التاريخي الذي نشأت فيه الجامعة العربية، ومحدودية عدد الأعضاء فيها، فإنه من المؤكد أن هذه القاعدة لم تعد كذلك في الوقت الراهن‏.‏

لقد أثبتت تجارب الممارسة العملية أن نظام التصويت بشكله الراهن كان عائقا يحول دون انطلاق القرار العربي الواجب في بعض الأوقات الصعبة والظروف الدقيقة التي واجهت جامعة الدول العربية، بما أدي إلى شلل الجامعة والتأثير على مصداقيتها لدي الشعوب العربية‏.‏ ومن هنا فقد آن أوان البحث عن أساليب وطرائق جديدة للتصويت في أجهزة جامعة الدول العربية، تقيم توازنا مرنا بين معطيات واعتبارات سيادة الدول الأعضاء في الجامعة، وبين موجبات العمل العربي المشترك وضرورة تحرير القرار العربي وإطلاقه من عقال حق الاعتراض الفردي، بما يرتفع بالقرار العربي إلى مستوي التحديات التي تواجه العمل العربي المشترك‏.‏ والأمر المؤكد أن قاعدة الإجماع لم تعد ملائمة أو مناسبة، وعلينا جميعا أن ندير حوارا نبحث خلاله عن أنسب الصيغ التي يجب أن يفرغ فيها نظام التصويت‏.‏ إن الاجتماعات التشاورية، والتصويت بنظام توافق الآراء، أو بالأغلبية الموصوفة، أو البسيطة، وإمكانية إعادة التصويت أكثر من مرة بشأن المقترح ذاته، في حدود أطر وضوابط معينة، هي أفكار جديرة بالتأمل والتفكير وصولا إلى ما يؤدي إلى تجاوز الصعوبات التي ترتبت على النظام القائم، وبما يفتح المجال أمام نظام جديد يتسم بالتوازن والمرونة، ويطلق القرار العربي نحو خدمة المصالح العربية وتحقيق أهداف العمل العربي المشترك‏.‏

عاشرا‏:‏ اعتماد أسلوب الدبلوماسية الجماعية

كثير من القرارات التي تصدر عن جامعة الدول العربية تتصل بعلاقاتها الإقليمية والدولية، ويظهر إمعان النظر في هذه القرارات أن متابعتها لا تتم على النحو الواجب، وبالتالي فإنها تتحول إلى مجرد تسجيل مواقف، أو أنها تصبح على أحسن الفروض موجهات لسلوك الدول الأعضاء، علما بأن بعضا من تلك القرارات يرتبط بتحركات إقليمية ودولية للمجموعة العربية، تتصل بمصالح عربية عليا وتتضمن إجراء حوارات مع تكتلات ومؤسسات إقليمية ودولية، أو الدخول في مفاوضات معها بما في ذلك مفاوضات ذات طابع اقتصادي‏.‏ ولعله قد أصبح من الضروري إيجاد نظام يوجب اتباع أسلوب الدبلوماسية الجماعية في تنفيذ مثل هذه القرارات، وسوف يحقق هذا الأسلوب مزايا عديدة في مقدمتها ميزتان ظاهرتان‏:‏

الأولي‏: إنه سيضمن الالتزام بتنفيذ القرارات حيث إن اللجنة المكلفة بالتحرك الدبلوماسي العربي الجماعي سوف تتحدث باسم جميع الدول الأعضاء‏.‏

والثانية‏: إن التحرك الجماعي سوف يعطي الجانب العربي ميزة مضافة دون شك نظرا لأنه سوف يكون مستندا إلى قاعدة جماعية‏.‏

وليست مصادفة أن الاتحاد الأوروبي، وغيره يتعامل مع الدول العربية بوصفه طرفا واحدا، بينما يتعامل مع هذه الدول نفسها كأطراف منفردة، الأمر الذي يحرمها من فرصة تعظيم مكاسبها في هذه التعاملات لو أنها تحركت بدورها في إطار جماعي‏.‏ ومن الممكن أن تتشكل لجان الدبلوماسية الجماعية على نحو متغير بحيث يتم التركيز في عضويتها دائما على الدول صاحبة المصلحة الأكبر في كل حالة حتى لا تحتكرها دول بعينها‏.‏

حادي عشر‏:‏ تطوير جهاز الأمانة العامة وتدعيمه

تبقي الأمانة العامة في التحليل الأخير هي الجهاز المنوط به متابعة وتنفيذ كل ما تتوصل إليه مؤسسات الجامعة من قرارات، ولذلك فإن وجود أمانة عامة فاعلة، وكفء، وهو أمر لا غني عنه إذا أريد لهدف تطوير الجامعة أن يتحقق‏.‏ وقد بذلت جهود مقدرة في عملية التطوير هذه حتى الآن طالت هيكل الأمانة العامة‏.‏ ويمكن مواصلة هذه الجهود وتعزيزها وتعديل مسارها حسب نتائج التطبيق مع مزيد من الحرص على تطعيم جهاز الأمانة العامة بأفضل العناصر بما يحقق التوازن بين اعتبارات التوزيع الجغرافي العادل، والكفاءة‏.‏ ومن ناحية أخري، فإنه من المتعين تحرير الأمانة العامة من القيود المالية التي تكبل حركتها بحيث لا تتعرض بشكل مزمن لاحتمالات التوقف عن العمل، بسبب نضوب الموارد المالية‏.‏ ولن يتحقق هذا إلا بإعطاء أولوية لسداد أنصبة الدول الأعضاء في ميزانية الجامعة، والتفكير في وسائل أخري، غير مباشرة، لدعم موارد الأمانة العامة خاصة أن متطلبات التفعيل قد تقتضي في مرحلة من المراحل ضرورة رفع سقف الميزانية‏.‏

الإطار الشكلي للتطوير

وأخيرا وليس آخرا، فإن تساؤلا منطقيا يثور حول الأسلوب أو الإطار الشكلي الأمثل الذي يمكن أن يتم من خلاله تطوير النظام العربي، ومؤسسته الرئيسية جامعة الدول العربية‏.‏ والأمر في هذا الشأن لا يخرج عن أحد بدائل ثلاثة هي على التوالي‏:‏

‏1‏- طرح ما هو قائم وصياغة ميثاق جديد تماما يكون بديلا للميثاق النافذ، وهو الاتجاه الذي انصرفت إليه بعض الجهود السابقة لتطوير الجامعة العربية‏.‏

‏2‏- الاكتفاء بإدخال تعديلات جزئية على الميثاق الحالي‏.‏

‏3‏- الإبقاء على الميثاق النافذ وإضافة ملحق أو ملاحق إليه، على غرار ما حدث بالنسبة لدورية القمة، بما يحافظ على تراث سياسي وقانوني ارتبط بكل بند من بنوده، ولا يفتح بابا لجدل، لا مبرر له، حول ثوابت رسخت في ضمير الأمة العربية على مدي ما يزيد على نصف قرن‏.‏

وختاما، فإن مصر وهي تتقدم بهذه المبادرة من أجل حماية النظام العربي وتفعيل مؤسسته الرئيسية جامعة الدول العربية، تأمل في أن تكون الأفكار التي تنطوي عليها محفزة لحوار حقيقي، يضع نصب عينه المصالح العربية العليا، ويتوخى الموضوعية بحيث يكون بمقدورنا أن نصل في النهاية إلى رؤية واضحة، ومشتركة، وقابلة للتنفيذ، تعيننا على مواجهة تحديات خطيرة ماثلة أمام أعيننا جميعا‏.‏ ولا شك أن الإخفاق في التصدي لها سوف يساوي، لا قدر الله، إخفاقا في حماية حاضر الأمة ومستقبلها‏.


* نقلا عن جريدة الأهرام القاهرية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع